الرئيسية / ترجمات / الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار – هالي نيديتش Haley Neidich

الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار – هالي نيديتش Haley Neidich

ترجمة وتنسيق: د. محمد السعيد عبد الجواد أبو حلاوة| أستاذ الصحة النفسية المساعد، كلية التربية، جامعة دمنهور

يشير تعبير الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار Hopefulness إلى:

1-اتجاه تفاؤلي في الحياة  optimistic attitude يبحر به الإنسان في الحياة متوقعًا للخير ومنظرًا إياه ومترقبًا له ومستبشرًا به، ومعتقدًا أن وقائع الحياة وأحداثها ستؤول في كل الأحوال إلى الأفضل.

2-توجه ذهني إيجابي وتفاؤلي Positive and optimistic mindset في الحياة: يسمح للشخص برؤية الجوانب المشرقة في وقائع الحياة وتفاصيلها وخبراتها مع التخطيط لصناعة مستقبل أفضل.

ويمثل الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار عنصرًا مركزيًا في متن بنية علم النفس الإيجابي، ذلك التيار المعاصر الذي يمثل الموجة الرابعة من موجات تطور علم النفس في صيغته الحالية والذي يستهدف تمكين البشر من تعرف واكتشاف وتحديد مكامن قوتهم وبصمات تميزه وسجاياهم وسماتهم الإيجابية واستثمارها في الصمود النفسي resilience في مواجهة شدائد الحياة وعثراتها وفي نفس الوقت تحقيق الهناء في الحياة well-being.

والأمل المفعم بالرجاء والاستبشار hopefulness أكثر من مجرد كونه موضوعًا بحثيًا ثريًا في أدبيات علم النفس ولدى الخبراء المهنيين العاملين في قطاعات الرعاية الصحة، بل يمثل بحد ذاته بعدًا نفسيًا بنيويًا في متن مفهوم “الهناء في الحياة” فضلاً عن ارتباطه بتمكن واقتدار الشخص من مجابهة محن الحياة وشدائدها وظروفها العصيبة وأحداثها الضاغطة بجدارة واقتدار دون وقوع في دوامات الإحباط أو السلبية أو مخاصمة فعل الإثمار في الوجود.

وأفاد سكوت باري كوفمان Scott Barry Kaufman أن الأمل بهذا التصور ليس مجرد انفعال إيجابي أو جيد، بل هو كذلك نسقًا معرفيًا دافعيًا ديناميًا يلج بالشخص في فضاءات فاعلية الحركة وإيجابية الإثمار بتفاؤل واستبشار وربما باستعلاء على سخافات الوجود وإحباطاته وعثراته.

وبالرغم مما سبق يبقى السؤال المطروح ما الذي يقصد بالضبط بمفهوم الأمل القائم على الرجاء والاستبشار؟، الأمل وفقًا لدلالاته الاصطلاحية تكوين نفسي يمثل ميلاً إلى الإقدام على الحياة والمستقبل بطريقة تعزز الإيجابية والتفاؤل السوي، بمعنى آخر، يتعلق الأمل تبعًا لتصور سكوت باري كوفمان بتوجه الشخص نحو التركيز على النواتج المفضلة حتى وإن ألقت عليه الحياة عنتها ومتاعبها وظروفها الخانقة.

ومع ذلك وإن تم النظر إلى الأمل من منظور عملي، يعتقد الخبراء المهنيين العاملون فيما يعرف بمهن المساعدة أنه يمكن زراعته وتنميته وجعله جزءً من الحياة اليومية للناس.

ويختلف الأمل المفعم بالتفاؤل والاستبشار عن التفاؤل المجرد الذي هو ببساطة نوعًا من التفكير الراغب القائم على التمني وربما التدثر بتوقعات غير واقعية ولا مسوغات ترتكز عليها، وهنا يقر في الأذهان أن الأمل بهذا التصور تفكير مفعم بالأمل hopeful thinking وقائم على ما يعرف بالإبحار في الحياة بذهنية السلوك الموجه بالهدف goal-oriented.

وعندما نقبل على الحياة بروح ممتلئة بالأمل فإننا لا نكتفى منها بمجرد الجلوس وانتظار أشياء جيدة تحدث، بل تجعلنا هذه الروح المفعمة بالأمل في حالة من فاعلية الحركة وحيوية الهمة تشييد نسختك الشخصية من نعيمك أو جنتك الخاصة في الأرض، وهنا تبحر في الحياة بأهداف إيجابية تستولي على بنية تكوينك النفسي، تعد العدة وتجهز العتاد والمصار، وتستكشف الفرص، وتستثمر الأمل كطموح لتحقيق نواتج نبيلة وإيجابية ترغبها وتبتغيها وتتمسك بها.

وتبعًا لهذا التحليل تأتي بنية الأمل المفعم بالتفاؤل والاستبشار في الحياة لتتضمن أبعاد ثلاثة مركزية تتمثل فيما يلي:

(1)الأهداف Goals:    

ذلك لأن وضع الهدف والتخطيط لتحقيق الهدف مكونات جوهرية بالنسبة لمن

يرغبون في تأسيس اتجاه مفعم بالأمل في الحياة. وفي الواقع فإن الرغبة في المثابرة من أجل تحقيق أهداف نوعية جيدة التحديد هي النقطة الفارقة بين الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار hopefulness والتفاؤل optimism.

كما أن الحلم Dreaming بمستقبل أفضل أمرًا صحيح يرتبط بالأمل لكنه غير كافٍ بذاته، وإذا أردت أن تخبر الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار على الحقيقة عليك أن لا تكتفي بمجرد تحفيز الذات إنما امتلاك وسائل جعل هذه المستقبل أكثر إشراقًا، وإذا أرت أن تمارس الأمل عليك أن تبدأ بوضع بعض الأهداف النوعية ذات القيمة والأهمية بالنسبة لك. 

(2)الاقتدار أو الجدارة  Agency:

تترجم كلمة Agency إلى وكالة أو قوة أو وساطة، إلا أنها وفي سياق بنية الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار تشي بدلالات اصطلاحية تشير إلى امتلاء البنية النفسية للشخص بالقوة والاقتدار والاعتقاد في القدرة على تحقيق أهدافه.

وبالتالي بالإضافة إلى وضع الهدف، يوجد عدد وافر من الفنيات الأخرى التي يمكن أن يستخدمها الشخص لتحويل الأمل إلى وجود مادي قابل للتحقق ومرتبط بما يعرف بالتوجه نحو النتائج “tangible” and results-oriented.

على سبيل المثال، مجرد تذكرك لنجاحاتك في الماضي عاملاً دافعيًا قويًا ويلهمك عتادً ووقودًا يمكنك التعويل عليه إذا عاندتك الحياة وتحول مسارها إلى الأسوأ.

من جانب آخر يمكنك أن تحتفظ بسجل تدون فيه كل منجزاتك في الحياة وتستمد منه شعورًا بالقوة والاقتدار والدافعية كلما تعثرت أو شعرت بفتور في الهمة أو واجهتك متاعب أو تحديات.

ويوجد طريقة أخرى يمكن بموجبها شحن بطاريات الأمل القائم على الرجاء والاستبشار وهي فنية “الضحك”، نعم الضحك ذلك الصوت الذي يبدي لك أنك على صواب، ذلك الضحك الإيجابي والتحلي بروح الداعبة والمرح والحسن الفكاهي الذي تتجاوز به المشاعر السلبية وتستعلي عليها وتقوض به كل ما هو سلبي لترى الحياة بمنظور مشرق. وما يمكن أن يطمئنك على أن الحس الفكاهي وروح المرح والدعابة ليس تسلية فارغة ما كشفت عنه نتائج دراسات علمية موثقة عن أن للمرح والحس الفكاهي تأثيرات إيجابية على الصحة الجسمية وعلى الهناء النفسي في الحياة (Vilaythong, Arnau, Rosen & Mascaro, 2006).     

(3)السُبل أو المسارات Pathways:

قد تطيح بك الحياة وبآمالك أرضًا في وقت من الأوقات أو في مرحلة ما من مراحل حياتك، الأمر الذي قد يجعلك تشعر باليأس وبأنه لا أمل في أي أمل ولا مستقبل مشرق يمكن التطلع إليه أو ترقبه وانتظاره.

لكن عليك حتى وإن شعرت أن ارتطمت بصخرة صُلبة أن تتذكر أن الملجأ الوحيد الذي يمكن أن يحتويك ويسعفك أن تعافر تنقب تختلق تبتكر طريقة ما للنهوض من كبوتك أو عثرتك.

هنا يسعفك الأمل فمن مستلزماته أن تجد طرقًا وسبلاً ومسارات متنوعة في الأوقات المظلمة أو ربما حالكة الظلام بيقين تام بأنه يوجد على الدوام مخرج يوجد ضوء مشرق في نهاية النفق المظلم ويوجد طرق ومسارات وسبل متنوعة للوصول إليه.

وقد يتضمن “الاتجاه المفعم بالأمل في الحياة hopeful attitude” في بعض الأحيان وفي بعض المواقف أن تتوقف عن السير في طريق تيقنت أنه مسدود وأن تبحث عن طريق آخر أفضل منه، هنا يأتي ما يعرف بالتخلي عن الطرائق المعتادة والمألوفة والترحيب بالسبل البديلة.

وبالرغم من التحليل السابق يبقى السؤال المطروح لماذا إيلاء الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار كل هذه الأهمية؟ ببساطة شديدة، الأمل وفقًا للتصور السابقة قوة دافعية أصيلة تكمن وراء كل جهد إنساني مثمر وأصيل، ولكونه يسمح لنا بإثراء الحياة بنواتج إيجابية، والإقدام عليها متسلحين باتجاه ممتلئ بروح الاستبشار وبالتالي تهيئة مناخًا أو ظرفًا حياتيًا للارتقاء، للإنجاز والإثمار، وللنجاح. 

فعن طريق أمل الشخص في تحقيق هدف محدد، يبدأ في اتخاذ الخطوة الأولى فيما يعرف بالاندفاع الإيجابي باتجاه تحقيقه فضلاً عن تأثيراته على تنمية همته وتعبئة دافعيته لإنجاز هذا الهدف.

كما أن الإبحار في الحياة بروح وثابة بالأمل المصدر الرئيسي الملهم لنا لكتابة أول جملة في قصة حياة الإنجاز أو الإثمار الذي نبتغي تسويقه للآخرين، أول سطر في سيرتنا الذاتية عند التقدم لوظيفة أو مسابقة ما وأول خطوة في ارتقاء سلم الحياة المهنية.

وفي إطار هذا التوصيف يرتبط الأمل بنواتج إيجابية، تناولتها بصورة تفصيلية الاختصاصية النفسية كريستين واير Kirsten Weir في مقال واف نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس أشارت بصورة بالغة التركيز إلى الفوائد العديدة للتفكير المفعم بالأمل على الصحة الجسمية وعلى الهناء العام في الحياة، ويمكن إجمال هذه الفوائد فيما يلي (Weir, 2013):

(أ‌)زيادة وتعميق الشعور بمعنى الحياة.

(ب‌)خفض أعراض القلق والاكتئاب.

(ت‌)زيادة فرص النجاح في تحقيق الأهداف الشخصية في الحياة.

(ث‌)يساعد في الإثمار الوظيفي وزيادة معامل الإنجاز المهني.

وتتمة للتحليلات السابقة يجدر الإشارة إلى أن الأمل المفعم بالرجاء والاستبشار عملية Hope is a Process، إذ يعتقد كثير من الاختصاصين في المجال أن الأمل أكثر من مجرد توجه ذهني إيجابي في الحياة إنما هو بالإضافة إلى ذلك عملية دينامية تتضح تجلياتها وفاعلياتها في حياة الشخص عندما تعتريه مشاعر الأمل عند تحوله من التوجه التشاؤمي إلى التوجه التفاؤلي في الحياة.

وبالتالي فالأمل اجتهاد من قبل الشخص حال تنقيبه عن أسباب تجعله يبتسم على نحو يومي، العثور على كل ما يمكن أن يمتعه ويبهجه ويضحكه، استدعاء للمنجزات والنجاحات السابقة وتذوق رنين إيجابية التوق والشوق إليها كملامح لما يعرف بالتوجه الذهني الإيجابي المُكتسب. 

ففي اللحظة التي تبدأ فيها النظر إلى المستقبل من منظور مشرق، تتقد دافعية الإنجاز بداخلك لتثابر من أجل تحقيق ما تعتقد أنه سيجلب لك السعادة وعلى ذلك تتبدى عليك ما يعرف في أدبيات علم النفس الإيجابي بحالة “التدفق Flow” كوقود للإثمار والإنجاز القائم على البهجة والسعادة والهناء. 

والأمل المفعم بالرجاء والاستبشار بهذا المعنى عملية تدرب بها عقلك ليظل محتفظًا بتركيزه على الإيجابية بالرغم من إدراكك لوجود سلبيات وعثرات وشدائد في نفس الوقت.

وبالرغم من كل ما سبق قد يثار سؤالاً جوهريًا في هذا السياق مفاده إذا كان للأمل كل هذه الأهمية فكيف إذن يمكن تأسيسه وزراعته؟ بالإضافة إلى الممارسات التي تم تضمينها في متن ما سبق يوجد طريقة أخرى شديدة الفاعلية فيما يخص زراعة الأمل وتأسيسه في شخصية الإنسان، وتتمثل هذه الطريقة في “التصوير البصري visualization”، ويٌعنى بها عملية تكوين صورًا عقلية بالنواتج التي يبتغيها أو يرغبها الشخص.

ولعل السبب الذي يكمن غالبًا وراء إخفاقنا في تصور إمكانات النواتج الإيجابية تعلقنا بالسلبية في التفكير وانسياقنا وراء الإحباط، لكن عليك أن تتذكر أيضًا أن عقلك لديه قدرة مماثلة على رسم سيناريوهات إيجابية، وكل ما أنت في حاجة إليه أن يتم تدريبك على كيفية التصوير المرئي العياني للنواتج المفضلة والمرغوبة والتي تود تحقيقها.

وعلى ذلك ففي المرة القادمة التي تواجه فيها مشكلة ما أو تحديًا ما أمام تحقيق مشروعك في الحياة..حاول أن تتصور بصريًا ناتجًا نوعيًا محددًا ومفضلاً ترغب وتود تحقيقه باستخدام كل التفاصيل الممكنة، وتخيل ما تشعر به عند إنجازك لهذا المشروع، وتخيل ردود أفعال الآخرين عند نجاحك، وما الذي يمكن أن يتغير في حياتك كدالة لإثمارك وإنجازك في الحياة.

وإذا كنت في حاجة إلى من يعينك على إتقان هذه الفنية واكتساب الأمل ربما من الممكن اللجوء إلى من يطلق عليها المتخصصون في التنمية البشرية والمعالجون النفسيين، ويعد المعالجون النفسيين الأكثر دراية في هذا المجال إذ أن مهامهم لا تقتصر فقط على علاج المرض النفسي، بل يركزون كذلك وربما بصورة أكثر على مساعدة عملائهم على الارتقاء والازدهار في مجالات الحياة بما فيها تنمية الأمل.

  • المصدر:

Neidich, H. (2018). The Psychology of Hopefulness: https://www.successconsciousness.com/blog/positive-attitude/the-psychology-of-hopefulness/

  • المراجع التي اعتمدت عليها: هالي نيديتش Haley Neidich (2018)

[1] Kaufman, S. (2011).The Will and Ways of Hope,” Psychology Today, 26 December 2011. [Online]. Available: https://www.psychologytoday.com/us/blog/beautiful-minds/201112/the-will-and-ways-hope.

[2] Vilaythong, A., Arnau, R.,  Rosen, D. & Mascaro, N. (2006). Humor and hope: Can humor increase hope? International Journal of Humor Research.

[3] K. Weir, K. (2013). Mission impossible. American Psychological Association: https://www.apa.org/monitor/2013/10/mission-impossible.aspx.

 

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

The Red Wheelbarrow العربة اليدوية الحمراء: قراءة متحركة لصور ساكنة

ترجمة وإعداد: سوران  محمد The Red Wheelbarrow  BY WILLIAM CARLOS WILLIAMS so much dependsupon a red …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: