احتلال الكويت.. قراءة بأثر رجعي

نعمة العبادي | العراق

في مساء الأول من آب عام 1990 توجه مئات الآلاف من العراقيين للمشاركة في معركة لم يعلموا (وجهتها ومبرراتها وأسبابها وقدرتهم عليها وأحقيتهم فيها ونهايتهم معها).. سميت بـ (غزو الكويت) وقد كانت أحد أكبر مفاتيح الشر على العراق.

قبل (29) سنة من الآن، أصبح العالم والعراقيون على مفاجئة من العيار الثقيل، حيث قرر صدام احتلال الكويت، فاندفعت القوات ليلا، ودخلت إلى قلب العاصمة في ظل مقاومة محدودة، وهو أمر طبيعي يتناسب مع قدرات دولة الكويت آنذاك، وقد عبرت الأسرة الحاكمة ومعظم الكويتين إلى السعودية ثم نزح معظمهم إلى أكثر من جهة، وبعد فبركة بيان باسم المعارضة الكويتية، تم الإعلان على أن ( الفرع عاد إلى الأصل ورجعت المحافظة التاسعة عشر)، ثم تبع ذلك عملية نهب منظمة لكل شيء في الكويت، وبعد أكثر من خمسة أشهر من جدل عربي وعالمي هو الأوسع والأعقد في زمانه، انحاز معظم العالم لصالح الكويت وتم استقدام القوات الأمريكية وحلفائها وبموافقة خليجية وأجبر العراق بعد عدم الاستجابة للإنذار العالمي، وخرجت القوات على إثر معركة خاسرة، حرق صدام قبل خروجه أكثر من بئر نفطي، ثم انتهت الأمور بما يسمى باتفاق خيمة صفوان التي ما زال جانبا منها غير معروف، ووضع العراق تحت البند السابع وحظر الطيران وانتهت الأمور بعد انسحاب القوات عبر البصرة بانفجار الأوضاع لتكون (الانتفاضة الشعبانية) في آذار والتي لها حكاية لوحدها، وقد أجهض الأمريكان هذه الانتفاضة لأسباب يطول شرحها، وعاد صدام ليحكم العراق من جديد في ظل قرارات وعقوبات ما زال العراق يرزح تحت بعضها، وعاش العراقيون فترة حصار تعد من أسوأ الفترات في حياتهم، وتوالت التداعيات لحين ختامها في نيسان 2003، وفي هذه المناسبة أود الإشارة إلى الآتي:

– على الرغم من أهمية هذا الحدث وحجم التداعيات المحلية والإقليمية والدولية، فهو بلا مبالغة كان حدثا مفصليا في حياة العرب والمنطقة والعراق بل والعالم بكل ما حمل من تداعيات وأسرار وتشابك معقد إلا انه لم يحظ بتغطية علمية عميقة وحقيقية ولو بعد سنين، ولم يكشف النقاب عن ما ورائياته وأبطاله وضحاياه والظروف التي دفعت به وله والأسرار المتعلقة بفصوله، وظلت الخلفية الآيدلوجية وموقف الـ مع و الضد هو المحرك للمنتج البسيط الذي تناول هذا الحدث المهم والعالمي.

– مهما قيل عن الأسباب التي أقنعت صدام بغزو الكويت؛ فإن حساب منطقي يتعلق بإدراكه لكلفة الحرب وهو الذي عرفها خاسرة بعد أن ذاقها شرسة لأكثر من ثمان سنوات، والتفاته لأهمية الكويت موقعا ودولة، يشير بوضوح إلا أن هناك أطرافا (محلية وإقليمية ودولية) لها صلة مباشرة أو غير مباشرة بقرار الغزو، وربما هناك اتفاقيات مبدئية تم الحديث عنها بخصوصه، الأمر الذي يحتاج لكشف النقاب عن هذه الصفحة.

– إن الوقائع كشفت بما لا جدال فيه أن الحديث عن مؤسسات قرار أو أي وجود لأطراف وجهات لها أدنى قدرة لبيان رأيها أو موقفها من الأمور المهمة والخطيرة في عراق ما قبل 2003، مجرد وهم لا صحة له، فالحقيقة ان هناك شخصا واحدا وصوتا واحدا ، لذلك لم ينل هذا الأمر الخطير أية مناقشات ولا مشاورات ولا حساب كلفة، وقد كان مفاجئا لحلقات متقدمة من قيادة الدولة آنذاك، كما إنه أثبت بشكل مخيف ومفزع سيطرة الحاكم على مقادير الشعب بطريقة أماتت كل إرادته وأصبح قادرا على دفعه للحروب بدون أدنى قلق أو تردد.

– لقد أظهر تصرف الكثير ممن دخلوا للكويت بعناوين مختلفة، سلوكا مشينا في الرغبة للنهب والاستيلاء حتى على ممتلكات الناس الخاصة فضلا عن ممتلكات الدولة، وتشكلت سوق وبضاعة لما تم أخذه من الكويت بدون أي مسوغ، وهي حالة سبق وإن تم تسجيلها في مواقف أخرى تحتاج إلى وقوف عميق وقراءة سايكلوجية لتحليل هذا الانزلاق الخاطيء والخطير في مثل هذا التصرف، ويحتاج إلى إعادة النظر في منظومات الضبط النفسية والأخلاقية والقانونية.

– كان عناد صدام وإصراره على البقاء في الكويت رغم إدراكه القطعي أنها معركة خاسرة، هو الآخر يكشف عن استمرار دور من التحريض والإغراء الذي ساعدته أرضية صدام المستجيبة لمثل هذا النوع من التحدي، الأمر الذي جاء بنتائج كارثية ومدمرة.

– إن ما سمي بـ(اتفاق خيمة صفوان) لم يكن مجرد تسوية عسكرية في إطار هدنة حرب، ولم يتوقف عن حدود متعلقات غزو الكويت، بل هو عملية مقننة أخرجت العراق بشكل منظم من ساحة التأثير الإقليمي والدولي، وكانت مشروع تفتيت تدريجي للدولة معلوم النهاية والنتائج، وقد قبل به صدام مقابل الاحتفاظ بالسلطة مراهنا في داخله على قدرته على مراوغة وخداع الطرف الآخر، الأمر الذي كشفت الأيام زيفه، وكانت بنى الدولة تتهاوى تدريجيا وأولها السيادة.

– لقد مارست المؤسسة الدولية والمتمثلة بمجلس الأمن تعسفا كبيرا في معاملة العراق بعد عام 1990 وطبقت حزم من القرارات والإجراءات لم تتخذها بشأن أي حالة سابقة ولاحقة، وكان كل هذا مدفوع ومدعوم من نفس الجهات التي دفعت بشكل منظم نحو إخراج العراق من دائرةالتاريخ والجغرافية، كما إن تعسفا غير مبرر تمت ممارسته ضد الشعب العراقي الأعزل، وأن هناك أطرافا وحكومات ودول تورطت في هذه الحرب المنظمة على العراق من الضروري أن يتم فتح بعض ملفاتها لتحميلها المسؤوليات والتبعات بل وحتى التعويضات وهو أمر يحتاج جهدا كبيرا من الخارجية العراقية.

– على الرغم من وجود تيارات متطرفة داخل الكويت وخارجه ساهمت وتساهم في تعقيد مسار العلاقة العراقية- الكويتية، ومع حجم التعويضات التي لا يزال العراق يدفعها جراء ذلك الغزو، فإن طريقة إدارة هذا الملف لا تزال قاصرة مع التقدم الذي حققته العلاقة، وإن نحوا من مكاشفة صريحة وتفكير مشترك بصوت مرتفع لا بد أن يكون بين الدولتين، كما أن هناك دورا مهما لا بد أن تلعبه الدبلوماسية الشعبية، وهو تحدٍ إذا تم تجاوزه سوف تتقدم الأمور أضعاف ما تقدمه الدبلوماسية الرسمية.

– إن حدث الكويت وما تبعه من تداعيات أعاد النظر في الكثير من وجهات النظر المستقرة في الوجدان العراقي خصوصا فيما يتعلق بالمعارضة وتوجهاتها آنذاك والموقف من السلطة وحقيقة هيبتها وسطوتها.

– بشكل محايث لتداعيات غزو الكويت وآثاره تأسس مشروع وطني عراقي (سياسي ثقافي ديني) يتيم، امتد من عام 1991-2003 ، مثل قطيعة لكل التوجهات المعارضة التي شهدها العراق قبل هذه التاريخ، واشتغل هذا المشروع بأدوات محدودة على الهم العراقي بشكل مباشر، لكنه لم يستطيع في النهاية أن يبلور صيغة متكاملة تكون البديل بعد سقوط النظام، لذلك لم يكن له حضور حقيقي بعد نيسان 2003 وعادت الوجودات التقليدية القديمة لتشكل المشهد بثوابتها الخاصة، وهو ما خلق شرخا خفيا سمي بعراقي الداخل والخارج.

– إن غزو الكويت لم ينتهِ عند خيمة صفوان، وإن هذا الحدث المهم كان ولا يزال يغذي بتداعياته الأصلية والفرعية وامتداداته المباشرة وغير المباشرة، كل الوقائع التي جرت بعده في المنطقة، وهو على صلة وثيقة بمجريات الصراع التي تشهدها منطقة الخليج، كما إن له حصة حتى في تشكل الإرهاب وتداعياته، وهو حدث أوسع مما يتصور الكثير، لذلك لا بد أن يعاد النظر في كل مجرياته على هذا الأساس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى