نظريات الدكتور منير.. قصة فلسفية

نبيـــل عـــودة | إعلامي فلسطيني

nabiloudeh@gmail.com

الدكتور منير محاضر في قسم التربية، دروسه تعتبر من أكثر الدروس اكتظاظا بالطلبة. الطالب الذي يستمع اليه للمرة الأولى يصاب بفيروس الدكتور منير.

كان موسوعة متحركة بكل ما يتعلق بعلم الأخلاق ونظريات التربية، عندما يشرح مفهوم أخلاقي يعطيه حقه الكامل من جميع زواياه. ودائماً يربط بين الاصطلاحات والنظريات وأسلوب استخدامها لحل المشكلات الحياتية المعقدة.

تزوج منذ عقد ونصف العقد من السنين. في السنوات الأخيرة بات يشكو من أخلاقيات أولاده. لا يقدم محاضرة دون ان يقدم نموذجاً من عقوق أولاده وتصرفاتهم كي يفسر الفجوة بين النظرية والتطبيق، وكثيراً ما تجيء قصته عن أولاده مليئة بالسخرية السوداء. يعرف نظريات التربية وفشل في تنشئة أولاده على أساسها، ويبدو حسب أقواله أن من وضعوا هذه النظريات لم يرزقوا بأطفال. تعليقاته كانت تثير ضحك الطلاب لدرجة الاقتراب من الاختناق ضحكاً… اما هو فيجلس صامتاً متأملاً وجوههم المرتعشة وكأنه لم يقل ما يجعلهم يختنقون بالضحك… في حين وجهه مليء بالجدية والهمّ. لكن بعض الطلاب يظنون انه يبتسم ابتسامة خبيثة بينه وبين نفسه.

من أجمل ما يقدمه في محاضراته إلمامه الواسع بأسماء الفلاسفة الأخلاقيين من العرب والأجانب وقدرته على تحليل مناهجهم وما يتشابه منها وما يتناقض، ودائما لديه إضافات جديدة تشير الى انه دائم الاطلاع على كل جديد بما في ذلك مختلف الأبحاث الجديدة، وانه ليس مجرد ناقل، انما محلل ومفكك للنظريات الى أجزائها الأولية.

عندما تحدث عن ابن سيناء اعتقد البعض انه سينقلهم الى عالم الطب، ولكنه فاجأهم ان ابن سيناء كان عالماً طبياً وفيلسوفاً كبيراً له جولات في علم الأخلاق، وان طروحاته قريبة من طروحات أفلاطون وأرسطو، وباتفاق كبير مع طروحات الفارابي، وان ابن سيناء كان يولي التربية اهتماماً كبيراً.

وأضاف بسخرية لا يلمسها الا من خبر أستاذه، بأنه هو أيضا، الدكتور منير، المحاضر والباحث المعروف وصاحب المؤلفات المعروفة في نظريات التربية وعلم الأخلاق، أولى تربية أولاده اهتماماً كبيراً، ولكن النتيجة لم تكن كما خطط وتوقع…

لم يكن الدكتور منير متعسفاً مع طلابه، مع انه نادراً ما يبتسم، واذا ابتسم فهي ابتسامة خفيفة، ويفسر كل تصرف شاذ او إيجابي بنظرية أخلاقية.

عندما سؤل عن رأيه في تربية الأطفال بدون تأثيرات دينية، وما هو أثر ذلك على تطور الطفل، قال:

– ابن طفيل، المفكر الأندلسي مؤلف كتاب “حي بن يقظان” يؤكد في كتابه، ومنذ تلك الفترة البعيدة، إمكانية النشوء الطبيعي للإنسان ورقيه العقلي والأخلاقي، بعيداً عن الديانات وبدون شرائع نبوية.

ان الدين اليوم يحاول ان يكسب الإنسان أخلاقاً دينية تعتمد على “الترغيب” و “الترهيب”. مثلاً، الترغيب نموذجه الأعلى هو الحديث عن الجنة وعما يحصل عليه المؤمن هناك، بينما الترهيب نموذجه الحديث عن النار والعذاب، وان هذه المسائل قد تقيد بسطاء الناس، ولكنها لا تلائم من يدعي الفكر والمعرفة والقدرة على تحكيم عقله.

– وما هو موقفك يا دكتور منير؟

– موقفي ان أنقل لكم علم الأخلاق والتربية وأعمال الفلاسفة العظام، ورأيي غير مهم في تحصيلكم العلمي، لأني أريدكم ان تطوروا نظراتكم الشخصية، وقدراتكم المعرفية للتمييز بين العقلاني والخرافي. وظيفتي، اسمعوا جيداً، ان اعلمكم التفكير وليس ترديد ما يقوله الآخرون.

– ولكنك أستاذنا الذي نحبه، ونتمنى ان نصل لمعرفتك وقدراتك العلمية.

– أرجو ان لا أخيب أملكم عندما تصيرون أساتذة ومحاضرين أو باحثين، وترزقون بالأطفال.

– دكتور منير، انت أفضل المحاضرين في هذه الجامعة، ولن تخيب أملنا، بسببك جاء الكثير من الطلاب لموضوع التربية.

– كان لي أستاذ عبقري، كتبت تحت إشرافه رسالة الدكتوراه عن نظريات تربية الأطفال، كانت لدي ست نظريات ممتازة، نلت عليها شهادة الدكتوراه بامتياز.

– نعم قرأنا دراستك دكتور منير، انها رائعة ومثيرة وتأثرنا بها.

– رائعة؟ أحذركم، انا رزقت بعد ذلك بستة أطفال، وطبقت كل النظريات التي رأيت انها أفضل ما أنتجه العقل البشري في علم التربية، هل تعرفون ما هي النتيجة؟

 – ما هي يا دكتور؟

 – لدي ستة أولاد اليوم، ولم تعد لدي ولا نظرية تنفع لتربيتهم!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى