تحقيق أدبي: الإبداع الشعري بين تأثير الأبوة و نتاج الذات

مريم حميد | جريدة عالم الثقافة – العراق/ تركيا

 طالب عبد العزيز: لا بد من أبوة في الكتابة وعموم الفنون؛ لكن ذلك لا يعني النسخ والتقليد.

حسن سامي: سبر أغوار التجارب فرض؛ لكن عليه أن يكون أباً وحيداً لنتاجه وأن يشبه نفسه فقط.

مسار الياسري: أتطلّعُ إلى اكتشاف مديات الجمال غير المطروقة في الشعر لأصل في النهاية إلى ضفة ابتكار بصمة

علي الغريفي: أنا لا أعتقد بوجود أبوة وبنوة في الشعر مثلما لا أعتقد بـ (أفعل التفضيل في الشعرِ).

 حميد السيد ماجد: الأبوة ليست وصاية وأحذّر من سرطان الحالمين بـ “هوس المدرسة الشعرية”

 

فكرة إجراء هذا التحقيق جاءت من خلال منشور على  أحد وسائل التواصل  الاجتماعي  طرحَ فيه الشاعر نبيل نعمة مدى خطورة الأبوة في الشعر وخاصةً في وقتنا الحاضر وفي ظل  تطور وحضور وطغيان مواقع السوشيال ميديا والتي أدت الى سهولة خلق العلاقات بين الأجيال  الإبداعية والمتفاوتة حول العالم..

لذلك توجهنا بالسؤال لذوي الاختصاص بالسؤال: كيف يعرف الشعراء الأبوة في  الشعر؟ وكيف يرون آثارها؟ وما مدى انعكاسها  سلبا أو إيجابا على الشاعر في بداياته؟ وتحدث إلينا به نخبة من  الشعراء الذين طرحنا عليهم الموضوع.

طالب عبد العزيز:–

أبداً، لا بد من أبوة في الكتابة وعموم الفنون. وليس لأحد الحق التحدث بتجردٍ عن كل تأثير، لم نولد من فراغٍ، ولم نتعلم من فراغ أيضاً لذلك لم نكن شعراء وكتابا من فراغٍ، نحن نسغ ٌ من نسغ ٍ وإلى الأبد. لكن ذلك لا يعني النسخ والتقليد وقد يجوز ذلك في مرحلة عمرية ما لكنه لا يبقى، إذ سيشق الشاعر أوالكاتب طريقه وتكون له لغته وأسلوبه الخاص.

 حسن سامي:–

على الشاعر الشاب أو المبتديء سبر أغوار التجارب الشعرية الناضجة للاستفادة منها وتنمية قاموسه المجازي وتطوير قدراته التعبيرية لا أن يقلد “الكبار” – كما يصطلح عليهم – أو يستنسخ أسلوبهم النصي، عليه أن يكون أباً وحيداً لنتاجه الأدبي وأن يشبه نفسه فقط.

مسار الياسري :–

إذا ما عمدْتُ إلى ترجمة لفظة (الأبوة) بالنسبة لي بمعناها السامي الإنساني المحض فهنا اسمحوا لي أن أعلن وبفخرٍ كبير فشلي الذريع في كتابة هذه القصيدة… للأبوة في الشعر معانٍ متعددة، فقد تتكون هذه العلاقة نتيجة انجذاب شاعر (تلميذ) إلى شاعر (مدرسة) تأثراً بأسلوب أو روحية ذلك الشاعر وهنا سنقف عند حافة ذات حدين. أولهما ترسيخ هذا الأسلوب الشعري في جيل جديد يمثل هذا النوع من القصيدة كما في القصيدة السيابية التي نشهدها اليوم وبذلك تخلد القصيدة ويرسخ هذا النوع و ينفض عنه خطر غبار الزوال.

أما ثانيهما فهو ما ندعوه المحاكاة (النص المحاكي) ولا نقصد بذلك الإتيان (المحض) بما (لم يستطعه الاوائلُ)، فمن أجمل القصائد تلك التي جاءت تحاكي قصائداً أخرى سبقتها ولكن ثمة من المحاكاة ما يصل حد النسخ والتقليد فتجد النص نسخة أخرى من كلمات أو أسلوب شاعرٍ آخر يسبقه عمراً وتجربة وهذا سيضفي نكهة الملل غير المرغوب بها في مائدة الشعر حتى لا تكاد تستشعر تجديداً وأيضا ذلك يحول دون الخلق والابتكار وتثبيت بصمات شخصية مغايرة.

عن تجربتي في الشعر أتطلّعُ إلى اكتشاف مديات الجمال غير المطروقة في الشعر لأصل في النهاية إلى ضفة ابتكار بصمة مسارية بحتة متفردة وحدها لا شريك لها، وهنا أستذكر قول الصديق الشاعر (حسن الجواد) بمحبة: (إذا وجدتُ أقصوصةً في شارعٍ تحتوي على أبيات من الشعر، فعند قراءتها بإمكانك التمييز بسهولة أنها عائدة لـ مسار الياسري.

علي الغريفي:–

أنا لا أعتقد أن هناك أبوة وبنوة في الشعر مثلما لا أعتقد بـ (أفعل التفضيل في الشعرِ)  بمعنى هذا الشاعر أفضل من هذا الشاعر وهذا الشاعر ابن هذا الشاعر هناك نص أفضل أو هناك شعر كثير هذا هو الحاكم توجد علاقة أسميها علاقة الشاعر بالشاعر يحكمها نسغين نسغ نازل ونسغ صاعد بمعنى أن جيل الشباب نسغ صاعد تربطه علاقة مع الجيل الذي قبله وهذا النسغ قد يعتبر هذا الجيل أبوه كما هو حالنا مع أنسي الحاج والبحتري وغيرهم من الشعراء والشاعر الجديد كي يأتي بالجديد عليه أن يهضم التجارب الحقيقية من الشعر العربي بالذات وإنه ليس شعرًا خاويا فهناك الكثير من الشعراء الحقيقيين فيهضم مثلا ملحمة گلگامش بالضبط.

أو كما حصل َ مع أبي نؤاس عندما ذهب َ إلى معلمه فقاله له أريد أن أأتي بجديد فقال له معلمه أذهبْ واحفظ عشرة آلاف بيت من الشعرِ بعد أنْ حفظها قال له معلمهُ اذهب وانسها واحفظ غيرها لذلك جاءَ أبو نؤاس بشيء جديد وهو لا يشبه ُ أحدا والبحتري كذلك. في حين أن المتنبي يشبهه الكثير والجواهري كذلك فتكرر الأسلوب والهوية. أما النسغ النازل فهو علاقة الجيل السابق بالجيل ِ اللاحق فيحاول البعض أن يكون وصيا والشاعر الحقيقي ليس كذلك فهو يوجه ويعلم وهو من يسعى إلى أن يكون التلميذ أكثر تفوقا ألا يقع في إشكالية التقليد.

حميد السيد ماجد:–

لم أسمع أو أقرأ لأيّ شاعر ٍ أو مبدع ٍ في عصرنا الحديث أو ما سبق َ ذلك من العصور أنه ُ لم يتأثر بمن سبقه ُ من أبناء جنسه الأدبي أو حتى أبناء الأجناس المغايرة أو محيطه الذي نشأ في كنفه وكما يقال “إن الشاعر ابن بيئته ” ، فكل هذه عوامل نتاجها صقل ُ موهبته ولكل نهر منبع.

الأبوة في الشعر قضية ٌ قديمة تنتقل ُ عبر الزمن من جيل إلى جيل، وما طرأ علينا اليوم من تجيير لهذه العملية المهمة والمثمرة في حياة كل مبدع عظيم هو منعطف خطير جدا أصبح لزاماً على جميع المهتمين في قضايا الوسط الشعري المعاصر بشكل خاص والأدب بشكل عام الانتباه إلى ذلك ومحاولة استرجاع ذلك المصنع المسروق من قبل شعراء التخيل إن صح القول، الحالمين بـ “هوس المدرسة الشعرية “، هذه السرطان الأدبي ظهر حديثاً لكن كان خفياً سابقاً خوفاً من الأدباء الثائرين على كل دخيلة مضرة بالأدب.

دخلت ُ الأدب في نهاية عام 2008 وأنا ما زلت ُ فتياً يومئذ بكتابة الخواطر فقط وكان للأبوة دور ٌ عظيم جدا في جعل هذه الخواطر قصائد َ يشيد ُ بها أكبر شعراء البصرة والعراق منذ مطلع 2011 حتى يومنا هذا، كان أبي الشعري المتنبي والجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد 

 حيث كنت ُ أعيش ُ في كنفهم الشعري منذ 2008 حتى 2011 وبعد ذلك سكنت ُ منزلي منزل الولد البار بأبيه ما دام حيّاً، التأثر ُ مهم جداً في تطور الشعر والشاعر لكن جعل الشاعر نسخة أخرى من أبيه إنه لعمري إشارة ٌ خطيرة توحي إلينا أن المستقبل القريب سيكون ُ خالياً من رجاله الشعراء وستسقط ُ المقولة ” لكل زمان رجال “

آن َ لنا أن ننتبه إلى مدى خطورة ما يصنعه بعض الشعراء المهووسين بالمدرسة، نحن نريدُ النسخَ الأصلية لا غير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى