الموت غربةً وكمدًا.. حكاية سابع حُكام مصر العلويين مع الإنجليز

إعداد: فريدة شعراوي | باحثة في التاريخ والمصريات

 

فى 20 ديسمبر 1944، توفى الخديو عباس حلمى الثانى ، صاحب لقب «الخديو الأخير»، إثر أزمة قلبية عن عمر يناهز سبعين عاما، وذلك بينما كان يقيم بجنيف التى شكلت آخر محطات ترحاله فى منفاه طوال عقود ثلاثة. وطويت صفحة حافلة من تاريخ مصر الحديثة، وانتقل إلى جوار ربه أمير تبوأ عرش البلاد قرابة 22 عاما، وجرى فى عهده كثير من الحوادث الجسام.

حقا كانت «حوادث جسام»، فما بين توليه الحكم فى 26 مارس 1892، مرورا بعزله فى 19 ديسمبر 1914، حتى ما كان من تنازله رسميا عن العرش للملك فؤاد الأول فى 12 مايو 1921، جرى الكثير معه ما بين أرض مصر وسمائها… البداية كانت بوفاة والده الخديو توفيق، ليتم إعلان تولى عباس حلمى الثانى الحكم فى بدايات 1892. وكما كان رحيله عن سدة الحكم، لم يكن صعوده إليها هينا ميسرا، فلم يكن قد بلغ وقتها سن الرشد، فتم التحايل على هذه العقبة باحتساب سنه حسب التقويم الهجرى وليس الميلادى.

وكان هذا التحايل بداية لعهد من المواجهات العنيفة ما بين عباس حلمى الثانى وأشكال الهيمنة الإنجليزية. فوقف بعنف ضد اللورد كرومر، الذى أمضى فى مصر أكثر من ربع قرن متحكما فى الشأن المصرى كله، وبات عباس رمزا من أهم رموز مواجهة الاستعمار، فاعتاد أهالى القاهرة ترديد هتافهم الشهير «الله حي…عباس جاى»، فى المظاهرات الوطنية ما بين عامى 1914 و1931. وكان الخديو الأخير وراء الموقف المصري القوي على الساحة الدولية عقب «حادثة دنشواى»، وكان صاحب القوة الدافعة وراء مسيرة الزعيم مصطفى كامل.

 

ولذلك كله وأكثر، تفجرت الأوضاع لتطيح بـ عباس حلمى الثانى بداية القرن العشرين، كانت الحالة الدولية تنذر بخطر قريب ثم ما لبثت الحرب العظمى أن اشتعلت نارها، فلما كان يوم 18 ديسمبر من سنة 1914 أعلنت الحماية البريطانية على مصر. وفى اليوم التالي-19 ديسمبر- أذيع فى أرجاء البلاد بلاغ جاء فيه أن وزير الخارجية البريطانية يعلن عزل سموه من منصب الخديو وأن هذا المنصب السامى قد عرض (مع لقب سلطان مصر على سمو الأمير حسين كامل أكبر الأمراء الموجودين من سلالة محمد على فقبله). وإثر العزل، تنقل عباس حلمى الثانى بين عدة دول، منها تركيا وفرنسا وإيطاليا وسويسرا وإسبانيا، وخلال تلك الفترة، كان رئيس الوزراء إسماعيل صدقى باشا فى تواصل مستمر مع الخديو السابق لبحث تنازله عن العرش للملك فؤاد الأول .

فنشرت الأهرام فى 22 ديسمبر 1944 نص وثيقة التنازل، وهذا بعض مما جاء فيها : (إنى موقن بأنى خدمت بلادى بأمانة وإخلاص وأنى كرست لها مدى ثلاث وعشرين سنة كل قواى وخير أيام حياتى، ورغبة منى فى تحديد موقفى حيال نظام مصر السياسى وتأكيد إخلاصى نحو ذات ملكها المعظم، فإنى أعلن اتباعى للدستور المقرر بالأمر الملكى، وعلى وجه الخصوص أعلن احترامى للقانون الخاص بإقرار تصفية أملاكى، ولما كنت أقر لحضرة صاحب الجلالة الملك فؤاد الأول بن إسماعيل بأنه ملك مصر الشرعى، فإنى أعلن بهذا تنازلى عن كل دعوة على عرش مصر، كما أعلن تنازلى عن كل مطالبة ناشئة عن أنى كنت خديو لمصر).

 

وبعد غياب طويل عن دائرة الضوء، وقعت الوفاة، و قدم “الملك فاروق” العزاء للأمير محمد على والأميرة خديجة، شقيقى الخديو عباس والأمير محمد عبدالمنعم نجله. واستعرضت مراسم الحداد وصلاة الغائب على روح الخديوى الراحل . و أمر الأمير محمد علي بتوزيع مبلغ ألف جنيه على الهيئات الآتية صدقة على روح المغفور له شقيقه الخديو عباس، وهذه الهيئات هى جمعية المحافظة على القرآن الكريم وجمعية الإسعاف ومبرة محمد على وفقراء منيل الروضة وعمال الحدائق بقصر سموه والجمعية المصرية لمساعدة العميان… لم يكن عباس حلمى الثانى فى واقع الأمر بعيدا عن حقائق وأحوال مصر. ولكن المأساة أنه أجبر على البعد حيا وميتا. فلم يتمكن من العودة إلى أراضى مصر حتى وهو راقد داخل نعشه .. فوقفت الحرب العالمية الثانية (1939-1945) حائلا دون العودة السريعة للدفن فى الوطن. وتمثل الحل الوحيد فى أن يتم تحنيط جثمانه، فى انتظار نهاية معارك الحرب.

و فى يوم 2 يناير 1945: «تم تحنيط جثة المغفور له الخديو عباس حلمى باشا، ونقلت الجثة أمس من المعهد البانولوجى إلى غرفة الأموات بمقبرة بلانبيه فى حفلة خاصة حضرتها الأميرة نعمة كمال الدين شقيقة الفقيد والأمير محمد علي إبراهيم، وستظل الجثة هناك إلى حين يتيسر نقلها بعد الحرب الى حيث يحتفل بالدفن. وقد كسيت جدران هذه الغرفة بستائر خضراء تتخللها خطوط بيضاء، أما الصندوق الذى وضع فيه الجثمان فمن خشب الاكاجو ومكسو من داخله بالحرير الأبيض وقد غطى بشال من الكمشير (الكشمير) وبالراية المصرية، وقد وضع على صدر الفقيد من جهة القلب مصحف صغير الحجم كان يحمله دائما، كما وضعت الأميرة نعمة فوق الصندوق من جهة الرأس مصحفا آخر كبيرا ملفوفا بالحرير الأخضر

ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأت السلطات المصرية فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل جثمان الخديو الراحل. من جنيف إلى مرسيليا ومنها إلى القاهرة. احتفلت مصر احتفالا مؤثرا باستقبال المغفور له الخديو عباس الثانى محمولا من أوروبا على سفينة ليدفن فى وطنه فى ضريح تستقر فيه عظامه بين أضرحة آبائه من حكام مصر أبناء الفترة العلوية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى