عمر حارون ” مايسترو المسيرات الشعبية “

محمد علوش | عضو اللجنة المركزية لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني

وإن غاب جسداً فما زال حاضراً قيمةً وقامة

قبل عيد الأضحى بأيام تحدث معي الصديق د. مأمون بليبلة حول كتاباتي هنا وهناك ، معبراً عن إعجابه بما أكتب ومشيراً عليّ بالكتابة عن المرحوم عمر حارون ، الرجل الذي رحل مخلفاً خلفه تاريخاً وارثاً كفاحياً ونضالياً لا يمكن تجاهله ومكانة اجتماعية محترمة دون أن يتم تكريمه حيث تعرض لتقصير كبير لأنه فقير الحال ولم يبحث يوماً عن الياقطات البيضاء واللافتات الكبيرة .

وعدت الدكتور بليبلة خيراً ، وقلت له سأكتب عن أبي الرائد حتماً ، سأكتب عنه لأنه يستحق الثناء والتقدير ورد الجميل ورد الوفاء الذي عاش عليه عمره بالوفاء من كل مخلص حرٍ غيور ، ولكونه على رأس سلم الشخصيات الوطنية التي تستحق التكريم بالنسبة لي .

شكراً للصديق الدكتور مأمون على حرصه وعلى اقتراحه وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على كرم أخلاقه ووعيه الوطني بأهمية احترام سير المناضلين الراحلين ، وأيضاً تلمس من حديث الدكتور تلك المكانة التي يحظى بها فقيدنا أبو الرائد بين كافة الأوساط الكرمية .

قبل عامٍ من اليوم فقدنا شخصية كرمية معروفة بوطنيتها وقوميتها وسيرتها النضالية المحترمة ، ففي مثل هذا اليوم كنا على موعد مؤلم ألم بنا يوم سمعنا نبأ وفاة المناضل والرفيق عمر حارون ” أبو الرائد ” المعروف بنشاطه الشعبي والميداني ودوره الفاعل في مسيرة العمل الوطني لسنوات طوال .

هذا الإنسان الكبير بقيمته عاش للوطن ومن أجل الوطن وحمل راية الحرية وراية الدفاع عن الحقوق والثوابت الوطنية وخرج عن تنظيمه “جبهة التحرير العربية” ليشكل حالة وطنية جامعة تؤمن بالعمل المشترك وبالوحدة الوطنية ، مشاركاً فاعلاً بدون أية حساسية في مهرجان هذا الحزب أو ذاك التنظيم لأنه آمن أن الحزب وسيلة وليس هدفاً ، وأن الطريق إلى الحرية تتطلب التضحية والعمل بثبات والابتعاد عن الأجندات الفئوية وعن التعصب الأعمى .

 وبرحيل الرفيق المناضل عمر حارون ، هذا الإنسان البسيط والمتواضع والمثال الحّي على مناضلي الزمن الجميل ، فقدت محافظة طولكرم وحركتها الوطنية مناضلاً أصيلاً ومبدئياً ، ظل على الدوام وفياً لقضيته الوطنية والقومية ، وظل وفياً للشهداء والأسرى ومعذبي شعبنا ، بل ومعذبي ومضطهدي العالم من خلال دوره التاريخي في الهتاف وتنظيم الشعارات والهتافات الشعبية التي يحفظها أهالي طولكرم عن ظهر قلب .

كان الرفيق ” مايسترو المسيرات الشعبية ” بكل معنى الكلمة ، وعرف بذلك منذ أوائل الانتفاضة الأولى حتى آخر أيام حياته ، حيث تحدى الاعتقال والملاحقة والمرض الذي لم يقعده ولم يبعده عن مهمته الوطنية النبيلة ، فلم يغب عن أي مسيرة ولا عن أي فعالية ، يتقدم الصفوف المحتشدة بحنجرة صادحة بالنضال والمقاومة والوفاء لدماء الشهداء وعذابات الأسرى .

عرفناه بخصاله الحميدة وسيرته الكريمة وحضوره اللافت باستقامة الثوريين الشرفاء ، وعرفناه قومياً مؤمناً بالعروبة وبعث الأمة العربية فكان بعثياً مؤمناً بطريق “حزب البعث العربي الاشتراكي” ومتخذاً من شهيد الأمة الخالد الرئيس العراقي صدام حسين ملهماً ونبراساً وأيقونة للنضال والمسيرة الكفاحية المتواصلة ، فعلق صورة الشهيد على صدره لتظل حتى آخر الأنفاس النيشان الوحيد على صدر هذا المناضل الفقير الذي نذر نفسه للنضال وللعمل الوطني دون أن ينتظر راتباً أو ترقية أو تقديراً من هذا الحزب أو تلك المؤسسة ، رغم ما يلم بنا من حزن على الفراق وحزن أكبر عن النكران وقلة الوفاء وعدم تكريم المناضل الذي يستحق التكريم والإشادة والثناء لأننا حقيقةً خسرنا مناضلاً أصيلاً وصادقاً كرس كل حياته من أجل فلسطين وقضيتها الوطنية ولم يتخلف يوماً عن القيام بواجباته الوطنية دون أن ينتظر شكراً من أحد .

عرفت الراحل أبو الرائد منذ سنوات طويلة ، بل وأتذكره في صباي وهو يصول ويجول في الميدان فارساً بارزاً وطليعياً وعنيداً في مقارعة الاحتلال ، فشوارع طولكرم وأزقتها تشهد لهذا الرجل ولها معه ذكرياتٌ وذكريات ، فقد شكل حالة فريدة ومتميزة وتميز بالجرأة والصدق والبساطة والعطاء بلا حدود من أجل الهّم الوطني والقومي ووقوفه إلى جانب عائلات الشهداء والأسرى ، فما من شهيد أو أسير إلا وهتف له أبو الرائد وما من قضية نضالية أو مطلبية أو نقابية أو نسائية إلا وحضر فيها بصوته الجهور ومكانته الآسرة .

نفتقد شخصاً بهياً كالراحل أبو الرائد بحضوره النوعي دوماً وبما اتصف به من خصال وسجايا المناضلين الحقيقيين البسطاء الأصلاء ، نعم إننا نفتقد الرفيق في كل مناسباتنا الوطنية وفي كل الفعاليات التي كان أول الحاضرين إليها وآخر المغادرين منها .

اليوم وفي الذكرى السنوية الأولى لهذا الرحيل المفجع أتوجه بالدعوة لأن نكون أوفياء لمناضل رحل قبل الأوان وترك خلفه هذه السيرة والمسيرة الطويلة والشاقة وليعطى الحق الذي يستحقه وأبسط هذه الحقوق بان تبقى ذكراه حيّة وأن يقام له تكريم يليق بهذه القامة الوطنية السامقة .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى