الكاتبة القاتلة

سهيل كيوان | فلسطين

 

كثيرون يكتشفون بعد فوات الأوان، بأنّهم عاشوا معظم سني عمرهم مع الشريك الخطأ، وذلك بعدما أصبحوا في الوقت الضائع، حيث لا يمكن إصلاح الضرر العاطفي أو الخطأ في الحسابات، وإعادة عجلة الزمن إلى الوراء، لكن تجارب الحياة تقول أيضاً بأنّه لا يوجد شراكة زوجية كاملة مثالية دون طلعات ونزلات وأزمات، فما قد تراه مثالياً اليوم، ربما مرَّ في فترات حرجة وتجارب قاسية، أو العكس، تنتظره تجارب لم يمرّ بها بعد لامتحان صموده، وربما هنالك طرفٌ مغلوب على أمره، وهو يشبه كابح الارتجاجات في السّيارة الذي يمتصّ الضربات القوية، ويمنع تفكك الشَّراكة.
لا توجد جرائم قتل جيّدة، أو نظيفة، وأحقرها تلك التي ترتكب لأجل المال، وأحقر منها تلك التي ترتكب بحق قريب مثل الزّوج، أو أحد أفراد الأسرة الآخرين لأجل المال، وهذا حدث ويحدث، ويُثبتُ في كثير من الحالات أننا نعطي كلمة «إنسان» ثِقلاً معنوياً أكثر مما تحتمله.
في يوم الاثنين الأخير حكمت محكمة أمريكية في مدينة بورت لاند في ولاية أوريجان على كاتبة تدعى نانسي كرامبتون، بالسَّجن لمدة خمسة وعشرين عاماً بعد إدانتها بقتل زوجها.
نانسي كرامبتون مؤلفة قصص وروايات رومانسية، ولها كتاب إرشادي بعنوان «كيف تقتلين زوجك»! كانت قد أصدرته قبل عشر سنوات، والمقصود هو كيف تنفّذين جريمة قتل زوجك دون ترك أثَر يُدينُك، وقد حوى الكتاب طرقاً متعدّدة للقتل، مثل استخدام أنواع من السّموم، والسلاح الناري والسّلاح الأبيض والكهرباء والتزّلج والغَرق وغيرها.
نانسي أرادت جذب القرّاء من خلال عناوين كتبها، ولا أعتقد أن هناك مئات آلاف أو عشرات آلاف الأمريكيات مشغولات في الطريقة التي سيقتلن فيها أزواجهن!
جريمة قتل الزوج أو الزوجة تقع عادة من دون تخطيط، بعضها نتيجة خلافات متراكمة، وقد تقع بعدما يقرّر أحدهما ترك الآخر، أو لأن الزوج عنيف جداً، فتردُّ الزوجة في لحظة غضب بطعنة أو بدفعه إلى هاوية، أو بسكين المطبخ، في بلادنا حدث مرة أن سكبت الزوجة على رأس شريكها زيتاً كان يغلي في المقلى.
إحداهن أعدّت ماءً مغلياً مع السُّكر، وصبّته عليه أثناء نومه كما يُصب القّطرُ على سدر الكنافة، لأنه أراد الانفصال عنها، فرحل عنها وعن الجميع بعد عذاب خمسة أسابيع، وأخرى طعنته ثلاث مرات لأنه قال بأنه يشفق عليها.
يدّعي المجرمون عادة فقدانهم السّيطرة على أعصابهم في لحظة وقوع الجريمة، وبأنّهم لا يذكرون ما حدث في تلك اللحظات الشيطانية، لكن نادراً ما يجري التخطيط بين الأزواج للقتل وإخفاء الجريمة!
إذا كان لا بد من التخلّص منه، فلديهن إمكانيات هائلة أخرى مثل رفع ضغط يوصله إلى الجلطة، عادة يفعلن هذا مع ابتسامة وبروح رياضية عالية، دونما حاجة إلى العنف المباشر! فجأة يسقط الرجل.. فتقول بهدوء: «أنا ولا اِنت يا حبيبي، هل أطلب لك الإسعاف أم على مَهِل؟!
أثبت المحقّقون أنّ الكاتبة قتلت زوجها، هذا يقول بأنّها ليست مبدعة إلى درجة القدرة على إخفاء جريمتها، ثانياً هذا يعني أن التطبيق على أرض الواقع يختلف كثيراً عن التخطيط الذهني أو النظري، فأن تحارب العدو كتابة من خلال رواية أو قصة أو مقالة أو أغنية أو خُطة نظرية مرسومة، ليس مثل النزول إلى الميدان واستنشاق رائحة البارود والدم والزيوت والعرق والغبار، لأنك ستواجه أموراً لم تكن في حسابك في أرض الواقع.
الجرائم التي يصعب العثور على مرتكبيها هي تلك التي تُرتكب بلا هدف، وليس للقاتل فائدة مباشرة منها، فقد تكون حالة مرَضِية لم تُكشف بعد، أو حادثة عرَضية وقعت خطأ، أما الجرائم المُخططة فيسهل العثور على مرتكبيها.
أعتقد أنّ نظرية «ابحث عن المستفيد»، هي أهم النظريات التي ممكن أن توصل إلى المجرمين، فوراء كل جريمة فردية أو جماعية مستفيدون، قد تكون مصلحة مادية، أو معنوية، مثل الانتقام لسبب ما على صعيد شخصي، وقد يكون الهدف تسويق الأسلحة أو رفع أسعار مادة ما على صعيد الدول.
هذه القاعدة أوصلت المحققين إلى الشّك بالزّوجة والبحث عن دلائل لإدانتها، فقد قُتل زوجها في عملية إطلاق رصاصتين عليه في مكان عمله في كلية لتعليم الطّهي، التحقيقات لم تجد مستفيداً واحداً من قتله سوى زوجته، وذلك أنها كانت قد اقتنت معه بوليصة تأمين حياة تُقدّر بمليون ونصف مليون دولار، ويبدو أنها فشلت في أن تجلطه ليموت موتة طبيعية وتقبض المال، فبادرت إلى قصف عمره لتسدِّد ديونهما بجزء منها وتستمتع بالبقية في حياتها.
هيئة القضاة المؤلفة من اثني عشر قاضياً، رفضت إدانتها بناء على ما سبق وكتبته «كيف تقتلين زوجك»، فهذا ليس إثباتاً لارتكاب جريمة، فالكاتب يشطح، لكن الادعاء أثبت أن دافع القتل هو صرف بوليصة التأمين، ورغم أن المحققين لم يعثروا على أداة القتل، لكنهم أثبتوا أن الرصاصتين انطلقتا من نفس المسدس الذي سبق واقتنته بالشراكة مع الفقيد، إضافة إلى شريط مصوّر يظهر وصولها إلى كلية الطبخ وخروجها منها بسيارتها ساعة وقوع الجريمة، وهي الفترة التي تقول إنها لا تذكرها.
استدعت الكاتبة من يشهد بأن حياتهما الزوجية كانت مستقرة، وبأنهما شريكان في كل شيء، حتى في المسدّس الذي اقتنياه وسجّلاه باسميهما ودفعا ثمنه من حسابهما المشترك، وأن الزوج الحنون كان يحضر لها طعامها وشرابها إلى سريرها، بينما هي منهمكة في العملية الإبداعية.
تبلغ الكاتبة المجرمة الآن الواحدة والسبعين من عمرها، ونفّذت جريمتها عندما كانت في السابعة والستين، ويبدو أنها أرادت أن تعمل لدنياها كأنها ستعيش أبداً.
فشلت الكاتبة في رواياتها التي لم تلق رواجاً، فكانت تطبعها وتسوِّقها على حسابها، وتنفيذها للجريمة يشهد بأنها أوهمت نفسها بقدرتها على إبداع جريمة دون ترك أثر يدينها، وقد اتخذت جميع الاحتياطات اللازمة، لكنها فشلت في امتحان الواقع، ما يثبت أن الكتابة شيء والواقع والتنفيذ شيء آخر، قد يكون الكاتب شهماً وشجاعاً وكريماً وحالماً في كلماته وتعابيره وصوره القلمية وأفكاره، وفي الواقع يكون شخصاً مختلفاً تماماً، تتمنى لو أنك لم تعرفه عن قرب، وهكذا معظمهم.
أحد الشهود وهو ابن معلّم الطبخ الراحل من زوجة سابقة، وصف زوجة أبيه خلال مواجهتها في إفادته في المحكمة بأنها كانت «الزوجة الخطأ» لوالده، وهو عنوان أحد كتبها، وهو ما كان حقيقة بالفعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى