ماذا نتعلم من طلال بن أديبة؟

سامي قرة | فلسطين

لا شك أن إعلان وزير التربية والتعليم العالي الدكتور صبري صيدم عن البدء بتوزيع قصة “طلال بن أديبة” في كافة مدارس الوطن يستحق التقدير؛ لأن القصة تحتوي على الكثير من الفضائل والصفات الشخصية الحميدة، التي تطمح كل معلمة أن تغرسها في تلاميذها وتلميذاتها وكل أم في أن تُكسبها لأبنائها وبناتها.

وقبل الخوض في الحديث عن الدروس التي نتعلمها من الطفل طلال الذي حقق نجاحات باهرة رغم الصعوبات والمتاعب التي واجهها، لا بد من الحديث ولو باختصار عن خط الأحداث الذي تتبعه القصة وعن أثرها على الشخصية الرئيسية أي طلال. تقدّم “طلال بن أديبة” مثالا جيدًا عن القصة التكوينية والنضج الشخصي للفرد من الناحية العقلية والنفسية، وبالتالي تحقيق هويته الذاتية. تقول الأستاذة أريج يونس في مقدمة كتابها أنها تقدّم للقراء أنموذجا في النجاح، “إنها قصة لطفل … لم يعد طفلا بل صار أسطورة” … رجل “غدا بين الناس قامة عربية يُشار إليها بالبنان”. في مستهل القصة نقابل عائلة أبو غزالة وهي تعيش بطمأنينة وهدوء بال، ونرى العلاقة الوطيدة والمليئة بالمحبة بين الأب والأم وابنهما طلال. تعيش العائلة في مدينة يافا الجميلة بهناء وسعادة. لكن فجأة تظهر قوة تزعزع الاستقرار وتقضي على الطمأنينة والهدوء تضطر على أثرها عائلة أبو غزالة إلى النزوح عن يافا، وتؤدي بهم إلى فقدان ممتلكاتهم، واللجوء إلى لبنان حيث تعيش في فقر وتواجه تحديات جمّة. لكن بغض النظر عن تلك التحديات يتمكن طلال في نهاية القصة وبدعم من والديه وأصدقائه وبعد الالتحاق بالجامعة من تحقيق نجاح تلو آخر، ومن استعادة المكانة الاقتصادية والاجتماعية التي تمتعت بها عائلته قبل النزوح، لكن في بلد آخر هي الكويت وبعدها الأردن. نرى بوضوح كيف أن البيئة التي عاشها طلال والتجارب التي خاضها شكلت حافزا له لتحدي الواقع وكيف أنها أثرت على تصرفاته وسلوكه وتكوين شخصيته. وهذا ما يُعرف في الأدب باسم المذهب الطبيعي أو الواقعية الاجتماعية. لا تجري الأحداث في فراغ والعلاقة بينها سببية، كما أن كل حدث يؤثر على جانب معيّن من شخصية طلال ويًكسبه صفات معينة. على سبيل المثال، عندما يعطي الأب توفيق ابنه صك ملكية الأرض ينمو لدى طلال الابن الحس بالمسؤولية وحب الوطن، وعندما تصبح عائلته فقيرة ينمو لديه الشعور بأهمية العمل والعلم، وعندما ينجح في عمله تنمو فيه روح التصميم لتحقيق المزيد، وهكذا.

في تقديمها للكتاب تخاطب الأستاذة أريج يونس الأطفال، فالقصة تستهدف الأطفال ومن خصائص أدب الأطفال أنه أدب تعليمي يهدف إلى إكساب الأطفال المعرفة العقلية والصفات الشخصية الحسنة. وبالفعل هناك الكثير مما يمكن أن يتعلمه أطفالنا من تجربة طلال الحياتية.

أولا: يقدّم طلال مثالا فريدا لطموح الفرد ومحاولته تحقيق ما يصعب تحقيقه. وفي الحقيقة تبدأ القصة بفكرة الطموح والصعود إلى الأعلى. يقف طلال فوق أعلى جذع على شجرة البرتقال. يسأله أبوه: “ماذا تفعل على الشجرة؟” ويجيب طلال: “أريد أن اقطف تلك البرتقالة”. يضيف طلال: “أشرت بيدي إلى حبة برتقال صعبة المنال، كانت تواجه الشمس وتتوهج بلونها الشهي” (ص 1). فالبرتقالة هنا ترمز إلى طموح طلال. ويظهر طموح طلال بوضوح بعد فوزه بمسابقة كتابة القصة القصيرة وتسلمه الجائزة إذ يقول: “كان شعوري لا يوصف، وقد رأيت سلّما مرتفعا، تمكنت بحمد الله من اعتلاء أولى درجاته” (ص 18). وهو مثل أبيه “دوما يتطلع للعلياء” ص 4.

ثانيا: يتمكن طلال من تحقيق هدفه بالحياة لأنه كان يحلم. كان قبل أن يغفو في فراشه يقطف “نجمة الحلم وأخبؤها في قلبي” (ص 5). وكان يؤمن طلال ويحلم أن الأمة العربية ستنهض من جديد؛ لتقود العالم لكن “هذا الحلم لن يتحقق إلا بالعلم” (28) وبالنسبة له تصبح جميع الأحلام حقيقة إذا تملكتنا الشجاعة للحاق بها. فدعوا الأطفال يحلمون لأنه يوما ما ستصبح أحلامهم حقيقة. يخاطب الأستاذ طلال أبو غزالة الأطفال في رسالته ويوصيهم بأن يرسموا أحلامهم وطموحاتهم وأن يتمسكوا بها كما تمسك هو بأحلامه.

ثالثا: يتطلب تحقيق الأحلام الكثير من العزيمة وقوة الإرادة والتصميم والمثابرة، وهذه صفات يتحلى طلال بها جميعا. بعد الوصول إلى الغازية واللجوء يشعر طلال بالمحنة التي تمر بها عائلته التي تسببت في تغيير ظروف حياتهم، وتبدد “نظرات السعادة وابتسامات الرضا التي لم تكن تفارق وجهي أمي وأبي”، ولهذا السبب عقد “العزم أن يعيد لهما بصيص الأمل وفرحة النجاح” (ص 8). وعندما قوبلت بالرفض جميع الطلبات التي قدّمها للحصول على وظيفة لم ينزعج “بقدر ما كانت تعطيني الدافع والأمل للتقدم” (ص 29). كان طلال يحدّث أمه عن حلمه الالتحاق بمدرسة المقاصد الإسلامية الثانوية، وكان دائما بحاجة إلى أمه التي تمده “بعزيمة أكبر ويبقي جذوة الحلم مشتعلة في نفسي” (ص 15). وفي الصباح خرج قاصدا المدرسة وأبوه يشد على يده مما منحه عزيمة أكبر. طلال لا يعرف الاستسلام وقلبه مليء بالتصميم والتحدي والمثابرة والصبر. فبعد أن وافق مدير المدرسة على قبول طلال طالبا فيها اغتبط طلال كثيرا واعتبر قبوله “خطوة كبرى في سلم التحدي للوصول إلى النجاح، ولن أوفر جهدًا لصعودها” (ص 17). وعندما قال لأصدقائه بعد تخرجه من الجامعة بأنه سيبدأ البحث عن عمل ردّد اصدقاؤه بمرح: “هذا هو طلال، المثابرة عنوانه” (27). وعند وصوله إلى الغازية بدأ شعور يكبر في داخله “أننا ندخل مرحلة جديدة تحتاج إلى الكثير من الصبر” (ص 8). وفي نهاية القصة يتذكر طلال أباه الذي علمّه أنه على الإنسان أن لا “يستسلم مهما بلغت الصعاب من أجل أن ينال العلا” (ص 28). يقول طلال بنبرة حزينة ممزوجة بشعور من الرضا والاكتفاء الذاتي أن جميع الأزمات التي مرّ بها من فقدان وطنه واستقراره وراحته “لم تحبطني أو تقلل من عزيمتي، بل زادتني قوة ويقظة وإصرار على النجاح” ص 32.

رابعا: للعلم شأن كبير في حياة طلال، ومنذ صغره أحب العلم كثيرا كونه المفتاح الذي يفتح أبواب النجاح والكرامة الإنسانية. فبالإضافة إلى تعلمه حب الأرض والوطن، عرف طلال منذ صغره أهمية العلم والتعلم. يسأل أمه: “ماذا أفعل لك أنت وأبي؟ كيف أتمكن من استعادة حقي وأرضي، ووطني؟ كيف أواجه عدّوي؟ كيف أعيد لكما البسمة وفرحة النجاح”؟ تجيبه أمّه: “العلم، نعم العلم يا بني خير طريق تسلكه لتبني نفسك وتنهض بأمتك”. ويضيف طلال: “سأكرس حياتي لطلب العلم والعمل به” (ص 9-10). ومنذ تلك اللحظة يكرّس حياته لمذاكرة دروسه، ثم يدخل المدرسة ويتخرج منها وبعدها يلتحق بالجامعة. ومن شدة حبه للتعليم كان يُعطي دروسا خصوصية في مادة اللغة الإنجليزية للطلبة. لكن لم يقتصر التعليم الذي تلقاه طلال على اللغة والأدب الانجليزي أو حتى على التجارة وإدارة الأعمال، بل شمل أيضا التعلم الديني الصحيح وتعلم الفن مثل الموسيقى إذ تمتع بحس موسيقى مرهف أدخله إلى عالم الموسيقى الكلاسيكية. كان طلال يعلم جيدا أن أحلامه لن تتحقق “إلا بالعلم” ص (28). لكن من الضروري هنا الإشارة إلى أن النجاح الذي حققه طلال في حياته لم يكن بسبب العلم وحده، بل كان أيضا مزيجا من المكافحة الذاتية والاعتماد على الله. فهو يعرف ويؤمن بتدخل الله في حياة الإنسان ولذلك نسمعه يقول: “لكننا نشاء شيئا ونطلبه، فيختار لنا الله شيئا آخر” (ص 24). كما يؤمن طلال بأن “الخيرة فيما اختاره الله” (ص 24). وقد اكتسب طلال إيمانه من أمه الذي كانت دائما تدعو له بالخير والتوفيق. أمّا المكافحة الذاتية فقد اكتسبها طلال من أبيه الذي كان يؤمن “بأن الله يوزع الأرزاق على العباد في كل صباح” (ص 6) أي العباد الذين يستيقظون باكرا للعمل والاجتهاد. فلنتذكر معا النصيحة التي يقدّمها الأستاذ طلال أبو غزالة للأطفال في رسالته في نهاية الكتاب: “تذكروا أن باستطاعتكم دائما تحقيق كل صعب بالإرادة القوية والتوكل على الله”.

خامسا: يتمتع طلال بحس كبير من المسؤولية واتخاذ زمام المبادرة. في المدرسة الأمريكية للبروتستانت نراه مثلا يجتهد في دروسه ويشعر مع عائلته التي فقدت كل ما تملك، فلا يتذمر ولا يشكو ولا يشعر عائلته بأنها مقصرة. ومنذ صغره وهو في العاشرة من عمره يُحّمله أبوه مسؤولية العودة إلى أرضه ومدينته يافا، ويسلمه صك ملكية المنزل والأرض الذي يحافظ عليه حفاظه على حياته، وهو دائم التفكير بالتخفيف عن والده ووالدته. وهو يتحمل مسؤولية توفير الطعام لوالده ووالدته ولذلك كان يجمع حبات الفاكهة كل أسبوع كي يشارك عائلته الصغيرة في أكلها في نهاية كل أسبوع. وهو أيضا يتحمل مسؤولية تعليمه ودراسته ويذهب بنفسه إلى مدير مدرسة المقاصد الإسلامية الثانوية؛ كي يلتحق بالمدرسة، وكانت هذة المبادرة الخطوة الأولى الذي اتخذها طلال على طريق النجاح. وما يساعده في النجاح ثقته بنفسه وثقة الآخرين به، فمنذ نعومة أظفاره كان واعيا “لأهمية محبة أهلي واحترامهم لي وثقة كل من حولي، وكنت واثقًا من نفسي” ص 11.

سادسا: يتمتع الطفل طلال بالفضول والرغبة في المعرفة وهذه خاصية هامة في تعلم الأطفال. فهو دائما يتحدث مع أبيه ويسأله الكثير من الأسئلة. نقرأ: “كان [أبي] يمسك بيده ورقة مطوية بحرص، سألته وقد استبد بي الفضول: “ما هذه الورقة يا أبي؟” ويجيب الأب: “لأنني أحب فضول المعرفة فيك سأريك الورقة” (ص 1). نلاحظ أن الأب لا ينفك عن مدح ابنه وتشجيعه مما يحفّز طلال على بذل جهد أكبر من أجل تحقيق أحلامه. يقول أبو طلال لابنه: “طلال، أرى المستقبل في عينيك، ستكون رجلا قياديا حكيما، وسيكون لك شأن كبير في الحياة” (ص 12). تصوري الأثر الذي يتركه مثل هذا القول على نفسية الطفل.

سابعا: نتعلم من طلال حب العمل وأهميته. يوظّف طلال جميع قدراته وطاقاته في سبيل تحقيق أهدافه ويبذل قصارى جهده في الحصول على عمل. فبعد حصوله على مقعد في المدرسة الثانوية كان إلى جانب دراسته يعمل كي يساعد أهله في توفير لقمة العيش. فنراه وهو طفل يعمل في بيع المثلجات، وبعد تخرجه من الجامعة في إحدى الشركات في الكويت، وبعد ذلك أنشأ شركاته الخاصة. وأثناء عمله كان طلال حريصا على أن يُتقن عمله وأن يكون خير ممثل لبلده في كل مكان، وأن يتحمل العناء ومشقة العمل، لأنه من وجهة نظره “النجاح لا يُقدّم على طبق من ذهب، بل يحتاج إلى جهد وعمل” (ص 36). وعن طريق العمل كان طلال ينتقل من نجاح إلى آخر؛ لأنه من ناحية راى نتيجة جهوده على الواقع الملموس ووضع لنفسه رؤية ومخططا واضحا لمستقبله من ناحية أخرى. ومن المهم هنا أيضا الإشارة إلى أن طلال عندما عمل في الكويت كان مثالا وقدوة للآخرين من الموظفين حتى أنهم قرروا مغادرة الشركة التي كان يعملون فيها للعمل معه؛ لأنهم آمنوا “بقدراتك وبأفكارك ونعرف أنك ستنجح” (ص 30).

أخيرا، من الدروس الجميلة الأخرى التي نتعلمها من طلال التسامح وعدم الأنانية والشعور مع الآخرين ومشاركتهم ومساعدتهم إضافة إلى تكوين صداقات معهم. ما أجمل تلك العلاقة بين طلال واباه وأمه، هي علاقة تتميز بالمحبة والدعم والاحترام والتقدير. فطلال دائم الاعتزاز بأبيه والأب دائم الفخر بابنه، والأم لا تبخل في الدعاء لابنها. ولا ينسى طلال أبويه بعد موتهما وبعد أن حقق النجاح بقي شاكرا لهما. كان طلال يشعر مع والديه ومع الآخرين أيضا. ففي يوم حار يقدّم قطعة من المثلجات إلى طفل فقير؛ لأنه يؤمن بأن مساعدة الآخرين من واجبه. ويصبح ذلك الطفل صديقا له مثل صديقه محمد الذي يدافع عنه أمام طلاب صفه والذي يعلمه أن “الحياة لا تحلو إلا بمشاركة الطعام واللعب والصداقة” (ص 13). فضلا عن ذلك يؤمن طلال بأن الكل سواية، فهو مثال للتسامح؛ لأنه يقبل الآخرين ويحبهم بغض النظر على الفرق في الديانة لأن الدين “في أصله محبة” (ص 13).

“طلال ابن أديبة” قصة جميلة وهي تستهدف الأطفال بشكل خاص. من ناحية المضمون، فهي قصة تستحق القراءة من كل طفل وطفلة وأب وأم. ومن ناحية الشكل فهي تحتوي على العديد من عناصر قصص الأطفال وأدب الأطفال مثل العنصر التعليمي والتكرار لمفاهيم أساسية مثل “العلم” و”العمل” و”الحلم” و”النجاح”، وغيرها، كما أن الراوي هو طلال نفسه أي أننا نرى ما يحدث من وجهة نظر الطفل طلال الذي هو أيضا الشخصية الرئيسية في القصة. إضافة إلى ذلك تدعو القصة إلى التفاؤل، وأن جهود الإنسان لا تذهب سدى وأنه في نهاية المطاف سيحقق النجاح مهما كثرت التحديات والمصاعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى