الرئيسية / أدب الرحلات / يوميات واحد من صعيد مصر.. (الفيضان والسور)

يوميات واحد من صعيد مصر.. (الفيضان والسور)

د. عماد إسماعيل | أكاديمي مصري

 

منذ أن تفتحت أعيننا علي الدنيا وهناك سور ارتفاعه يصل إلى المترين يحد الطريق بحري البلد والأرض الزراعية، فالسور يظهر جليا في بعض المواقع، ويختفي أمام زحف العمران في ثمانينيات القرن الماضي،  كان السؤال البدهي لنا دوما ما هذا البناء ولماذا ومتى.. أسئلة جدلية كنا نتناولها كصغار وكان كل منا له تفسير.

هذا السور المنيع المبني من الطوب الأحمر والأسمنت بطريقة مُحكمة كان مكان جلوس الناس في عصاري الصيف وظهر الشتاء ولكل أسبابه. والأماكن التي ظهر فيها السور تدلل علي أنه كان يلف القرية القديمة بالكامل، فالسور هو الحامي من فيضان النهر العنيف في صيف كل عام في مصر قبل بناء السد العالي، نعم إنه سد صغير لمنع الماء من إغراق مباني القرية المبنية من الطين اللبن،

ولكن لم اعاصر هذة الفترة بل انتقلت أخبارها إلي عبر جدتي أم والدي لسنوات مرضها الخمس عشر الأخيرة في عمرها والتي أقعدتها عن الحركه، جعلتني أجالسها كثيرا وهي تقص علي قصص القرية في الخمسينات كما عايشتها ابنة الحسب والنسب والأصل الرفيع لما لا وهي ابنة الشيخ أحمد خطاب أحد اعيان القرية وأعلامها، حكت لي جدتي تفيدة ذات العيون الخضراء أن النهر عندما كان يثور صيفا يغرق الأرض الممتدة من ضفافه حتي القرية القديمة بكل شوارعها في مسافه تمتد حوالي الكيلو متر ونصف.

كان الفيضان والماء يجبران الناس علي المكوس في بيوتهم والالتفاف ليلا في جلسات سمر متبادلة، تتبادل النساء فيها الطعام والشراب فرغم قلته إلا أن المودة والمحبة كانت تطوف في الأرجاء لتنشر أجنحتها علي البيوت ذات الطابق الواحد أو بعضها ذو الطابقين على قلتها.

كان الناس يشتغلون بصيد الأسماك والتي انقرض بعض وقلت أعداد البعض الآخر، حكي لي والدي أن أحد الناس في القرية كان يملك حبلا عملاقا به صنانير للصيد يطعمها ليلا ويجمع ما اصطادته سناراته فجرا.

حكت لي جدتي أن الناس بعد انحسار مياه الفيضان كانت تجمع الأسماك من الشوارع والمستنقعات التي تكونت مكان الأرض الزراعية بأريحية شديدة دون عناء من كثرتها، وبما أنه لا وسيلة لحفظ هذا السمك سوى تمليحه فكانت النسوة يكبسن السمك المملح في بلاليص الفخار لأكله في الشتاء مع البصل والبتاو.

النهر والقريه صنوان لا يفترقان بل يكاد النهر يرسم ملامح الحياة وخططها بل وتخطيط القرية وتمددها، ينحسر الفيضان الذي يبدأ في شهر يونيه وينتهي في شهر سبتمبر لتبدأ زراعة العدس واللوبيا والفاصوليا بطريقه التلويق وهي الزراعة  علي الارض الرطبه المشبعه بما تبقي من ماء الفيضان ليحصد هذا المحصول ومعه البصل والثوم ابتداء من آخر فبراير حتي نهاية إبريل، فالنهر وجبروته وقسوته يحدد ملامح الحياة والزراعة والفصول منذ عهد الفراعين حتى أن بنى عبد الناصر سده في أسوان.

انتهى بناء السد في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن العشرين ليفتتح السادات السد وينهي رسميا أهمية السور الذي يحمي بلدتي من الفيضان.

النهر وبلدتي ومصر مجموعة مرتبطة متجانسة متصالحة فلا مصر بدون النهر والنهر لا ذكر له بدون مصر فالمصريون هم من صنعوا للنهر اسما ورسما وتاريخا فمصر والنيل صنوان لا يفترقان.

 

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

أريقُ نزف القلب شعرا

أشرف حشيش | فلسطبن كتبتُ وحمحمَتْ لُغتي. وحنّت قصائدُ هائمٍ يأبى الصدودا °°° ورحتُ أريقُ …

تعليق واحد

  1. السور الذى كان يحمى البلدة والذى اتضح فيما بعد أنه لم يكن يحميها فقط من مياه الفيضان ولكن مياه الفيضان هى التى كانت تحافظ على السور الذى كان يحمينا من كل ما هو غريب ومبعثر وغپير أخلاقي والذى بزوالة استباحنا كل شىء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: