إشكالية الإعلام الثقافي: غَمْرُ الانحطاطِ الغَمِير دونما وخزِ الضَّمِير!

د. آصال أبسال – أكاديمية وإعلامية تونسية | كوبنهاغن

إنه بالفعل لَعَيْنُ الانحطاط الثقافي غامرا غمرا بالحرف وبالمجاز على كلٍّ من المستويَيْن الكمِّي والكيفي، قبل أيٍّ من المستويات المعيارية الأخرى: وتلك حقيقة سافرة من حقائق الصحافة العربية «الرسمية» التي لم تعد تحتاج إلى أيما إثبات قطعي، أو حتى غير قطعي، في هذه الأيام العصيبة من زماننا العربي السليب.. فعلى سبيل المثال، لا الحصر هنا، وفي مساء ذلك اليوم المحزون بالذات /يوم 27 كانون الأول (ديسمبر) عام 2019/، صدر أيضا في صحيفة «القدس العربي» الغنية عن التعريف بـ«استقلالها السياسي» بالمعنيين النفاقي والازدواجي الصارخين تحديدا، وبانتهاكها الأخلاقي الزَّرِيِّ لحقوق القراء والقارئات في التعليق تصعيدا، صدر تقرير صحافي منضودٌ على شاكلة مقال من مقالات «الرأي الثقافي»، فيما يظهر، ومسرودٌ تحت العنوان التالي مرتديا رداء طباقيا نقديا، أو يكاد، «رفعت سلام: الشاعر الجميل والدولة المريضة».. والمقرِّرُ الذي تجشَّم عناءَ هذا «التنضيد» وهذا «التسريد»، فيما يبدو كذلك، كاتبٌ صحافي من أسرة تحرير الصحيفة المعنية /صحيفة «القدس العربي» بالذات/، كاتبٌ صحافي /ثقافي/ ستيني يحمل الاسم المركب، حسام الدين محمد، ويدَّعي، في جملة ما يدَّعي، بطبيعة الحال، بأنه «شاعر» و«ناقد» و«كاتب» في العديد من المجالات الفكرية الأخرى، بما فيها مجالُ الفلسفة /أو، بالأحرى، «التفلسف»/ وحتى مجالُ علم النفس /أو، بالأحرى، «التنفُّس»/ بصيغتيه الفرويدية وغير الفرويدية..

وباختصار شديد يحاول ألا يغمطَ أيةً من الفكرات الرئيسية المطروحة حقَّها، يقرِّر المقال المعنيُّ /بالمعنى التقريري المسطَّح/ عن مجريات تلك المقابلة المصوَّرة التي أُجريت مؤخرا مع الشاعر /والمترجم/ المصري، رفعت سلام، بصفته «شاعرا جميلا حالته مع الدولة المريضة المصرية [إنما] هي مقطع حاد يلخص كل أحوالنا العربية»، كما ورد في الختام بالحرف، هكذا /مع وجوب التمنِّي الأخلاقي له، من نافل القول، بالشفاء العاجل من داء السرطان الرئوي، ولو كان أملا إبليسيا في الجنة/.. وفي هذا الصدد، يشير المقال المعني إلى وقوع اختيار رفعت سلام على ثلاثة من الكتب التي تتبدَّى، في نظره، من الأهمية الشديدة ما يستحقُّ هذا الاختيار فعليا، وعلى الأخص، وهنا النقل المؤاتي من تقرير حسام الدين محمد، كما جاء بالحرف الواحد أيضا، «كتاب «فجر الحضارة» للكاتب البريطاني جيمس هنري برستيد، وهو كتاب يبين المساهمة الأساسية، التي قدمتها الحضارة المصرية القديمة في تأسيس المفاهيم المرجعية الإنسانية للأخلاق، وباختياره هذا يضع رفعت سلام الأخلاق، التي هي الفكرة التي نادت بها أغلب الأديان والأيديولوجيات والدول والاجتماع البشري، والصفة التي يفترض أنها تميز الإنسان عن بقية كائنات العالم غير العاقلة».. وهكذا، فإن لدينا هنا في هذا التقرير «الثقافي» اليتيم على الأقل، إذن، دليلين ملموسين دامغين يدلان على مدى انحطاط الثقافة «القدساوية» التي نحن في معرض الكلام عنها /وذلك نسبةً إلى صحيفة «القدس العربي» بالذات، وتجنُّبا لأيما التباس، أو أيما سوء فهم، كان/ – وأيةً كانت، بالطبع، «إنسانونيةُ» الكلام الاستعطافي والاستهجاني، من طرف المقرِّر «الثقافي» ذاته، على مشكلات البؤس البيروقرطي التي اقترنت بالتعامل الرسمي، أو الدَّوْلي، مع الحالة الصحية الخطيرة التي تعتري كتَّابا مبدعين، من أمثال رفعت سلام، تلك «الإنسانونية» التي لا تعدو، في حقيقة الأمر، أن تكون غطاء تمويهيا، لا بل قناعا إيهاميا، عن مدى الانحطاط الثقافي «القدساوي» نفسه.. لدينا، أولا، ما يمكن أن نسميه، في السياق الماثل، بـ«الدليل التوثيقي» Documentational Evidence، الدليل الذي يتعلق مادِّيا بنوعية توثيق المعلومة /أو مجموعة المعلومات/ المعنية، من جهة أولى.. ولدينا، ثانيا، ما يمكن أن ندعوه، في السياق المقابل، بـ«الدليل التوصيفي» Characterizational Evidence، الدليل الذي يتعلق معنويا بنوعية توصيف هذه المعلومة /أو مجموعة المعلومات/، من جهة أخرى..

فأما من حيث «الدليل التوثيقي»، في القرينة الماثلة ذاتها، فإن القول بوقوع الاختيار المذكور على «كتاب «فجر الحضارة» للكاتب البريطاني جيمس هنري برستيد»، لَقولٌ فيه جهلٌ مطبق كلَّ الإطباق، جهلُ قائله المذكور أيضا، بتوثيق معلومة كلٍّ من شقَّيه الظاهريَّيْن في تعبيره الحالي، معلومة «الكتاب» ومعلومة «الكاتب»، على حد سواء: فعنوان الكتاب هنا، في معلومة الشق الأول، ليس «فجر الحضارة»، كما يُبَيِّن اللصق والنسخ الأعميان /أو ما شابه/ من لدن القائل الجاهل، بل «فجر الضمير» بالذات، أو حتى بأسوأ الأحوال «فجر الوعي» بذات الذات، كما يَبِين من أصله الإنكليزي The Dawn of Conscience، أو حتى من مقابله الفرنسي، بقدر ما يخصُّه الأمر كذلك.. وشتَّانَ، والحالة هذه، بين العنوان الأول بمدلوله «العمراني» /على الأدنى، من المنظور التعريفي لهذا الاصطلاح عند ابن خلدون، ومن تأثَّر به من بعده/، من جانب أول، وبين العنوان الأخير بمدلوله «الوجداني» تعميما، أو حتى بمدلوله «النفساني» تخصيصا /من المنظور التعريفي لهذا الاصطلاح عند زيغموند فرويد، الذي قارن اللاوعيَ «البيولوجي» تحت قشرة الدماغ باللاوعيِ «الجيولوجي» تحت قشرة الأرض/، من جانب آخر – هذا إن لم نقل أيَّ شيءٍ مُشَيَّأ عن تحفُّظ الباحث العلمي الموضوعي الجادِّ /على النقيض الكامل من القائل الجاهل، على الأضأل/، حول مسألة التعويل على التقييم «الإنساني»، أو حتى «الأخلاقي»، الذي ينبني على أي شكل مُسَيَّس من أشكال الشعور «القومي»، أو حتى «الوطني».. واسم الكاتب هنا، في معلومة الشق الثاني، علاوة على ذلك كله، ليس «الكاتبَ البريطاني جيمس هنري برستيد»، إن تواجد هذا «الكاتب» حقا في هذه الحياة الدنيا، أو حتى في تلك الحياة العليا، وإنما «عالمُ الآثار /و«المؤرِّخ»/ الأمريكي جيمس هنري برستيد (1865-1935)»، الذي ركَّز تركيزا خاصًّا، من خلال جهد تأريخي علمي تخصُّصي مديد /يربو عن العقد/، على ما يُعرف بـ«علم الآثار المصرية» Egyptology، والذي بسَّط، أو أشاع، المصطلحَ الجغرافي-السياسي المعروف الآن بـ«الهلال الخصيب» Fertile Crescent، لكي يشملَ بالتوصيف أجزاءً معيَّنة مما يُعرف الآن من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن وتركيا وإسرائيل /بحسب المدلولات الاستعمارية والإمبريالية التي أُضفيت على هذا المصطلح، على مرِّ الزمان، هذا إن كانت لدى القائل الجاهل أية فكرة عن هكذا إضفاء دلالي بأية هيئة كانت/..

وأما من حيث «الدليل التوصيفي»، في القرينة المقابلة ذاتها أيضا، فإن القول بأن فكرة الأخلاق، كما تمَّ ذكرها أمام كلٍّ من الضمير الفردي /ضمير القائل الجاهل، في هذه الحال/ والضمير الجمعي /ضمير القارئ المُجَهَّل، في هذه الحال/، إنما «هي الفكرة التي نادت بها أغلب الأديان والأيديولوجيات والدول والاجتماع البشري، والصفة التي يفترض أنها تميز الإنسان عن بقية كائنات العالم غير العاقلة» لَقولٌ فيه جهلٌ مطبق حتى أشدَّ إطباقا مما سبقه قبل قليل، جهلُ قائله المذكور أيضا، بمعلومة كلٍّ من جانبه السردي /أو «النقلي»/ وجانبه الشرحي /أو «العقلي»/ في تعبيره الحالي كذلك، معلومة «الفكرة من حيث المبنى» ومعلومة «الفكرة من حيث المعنى»، على حدٍّ سِوًى: فمنظومة الأخلاق هنا، في معلومة الجانب السردي /أو «النقلي»/، ليست منظومة أفكار يُفكَّر فيها أو بها حتى «[تنادي] بها أغلب الأديان والأيديولوجيات والدول والاجتماع البشري»، كما يُبَيِّن اللصق والنسخ الطَّلِيسَان /أو ما شابه/ من طرف القائل الجاهل، بل منظومة عادات يُعتاد عليها من زوايا سلوكية و/أو قيمية تختلف من مجتمع بشري إلى آخر ومن منعطف زمني إلى آخر، كما يَبِين بنحوٍ أو بآخر حتى من الأصل اليوناني القديم إزاءَ كلمة «خُلق» ἦθος، التي تعني حرفيا «عادة» أو «صفة» أو حتى «ميزة».. وحتى فيما يُسمَّى في الفرع الإنكليزي بـ«الأخلاقيات» Ethics /أو في مقابله الفرنسي كذلك/، شتَّانَ شتَّان، والحالُ هذه، بين البعد القانوني لهذه «العادة» /أو منظومة «العادات»/ حين يخصُّ الإنسانَ من أمام سلطة خارجية معيَّنة /كأيَّة سلطة من سلطات الطبقات الحاكمة الاستبدادية، في بلادنا، والأقلِّ استبداديةً، في غيرها/، من ناحية أولى، وبين البعد الأخلاقي لهذه «العادة» /أو منظومة «العادات»/ ذاتها حين يخصُّ الإنسانَ من قدَّام سلطة داخلية لا تتجلَّى إلا في «سلطة» الضمير الإنساني، وليس إلا في «سلطة» الضمير الإنساني، في أي مكان وفي أيما زمان كان، من ناحية أخرى.. ومنظومة الأخلاق هنا، في معلومة الجانب الشرحي /أو «العقلي»/، فضلا عن ذلك كله، ليست تتمثَّل في تلك «الصفة التي يفترض أنها تميز الإنسان عن بقية كائنات العالم غير العاقلة»، كما يتابع اللصق والنسخ الطَّلِيسَان /أو ما شابه/ من طرف القائل الجاهل، وإنما تتمثَّل في هذه الصفة التي تشترك فيها كافة الكائنات الحية من ذوات «العقول» ومن ذوات «اللاعقول»، ودونما الاستثناء، ما دامت منظومة العادات التي يُعتاد عليها من زوايا سلوكية و/أو قيمية محدَّدة لَهي المنظومة القائمة في هذه القرينة المقابلة بالذات.. حتى أن زيغموند فرويد المُشارَ إليه أعلاه قد برهن بالبرهان العلمي القاطع، في عدد من القرائن النفسانية، على حقيقة أن «أخلاقياتِ» الحيوان، أيا كان، إنما هي أسمى وأرقى بكثير من «أخلاقيات» الإنسان، أيا كان، كذلك /وتلك مسألة أُخرى سيأتي الكلام عنها من يراع تخصُّصي، في المكان المناسب/

هذان، إذن، دليلان ملموسان دامغان يدلان على مدى الانحطاط الثقافي الذي تعمه فيه صحيفة «قدساوية» مأجورة لا تني تتبجَّح بموقعها «الطيب» من بين خيرة الصحف الأخرى أمام العالم العربي، ولا تني تتفخفخ من ثم بسمعتها «الطيبة» في النقل «الدقيق» وفي التحليل «العميق» للمعلومة أو للخبر المعنيَّيْن قدَّام العالم العربي وغير العربي حتى.. والأشدُّ انحطاطا ثقافيا وإنسانيا وأخلاقيا في الغَمْرِ الغَمِيرِ من ذلك كله حتى أن القائل الجاهل الدعي، حسام الدين محمد هذا، يختتم تقريره «مستنكرا» بما يدَّعيه من «العدل» من خلال الاقتباس من التصريح المستنكِر لحقيقة ذلك الجحود التمويلي الرسمي، أو الدَّوْلي، إزاء الوضع الصحي الخطير الذي ابتُلي به رفعت سلام، وأنه /أي القائل الجاهل الدعي، حسام الدين محمد هذا/، في الوقت نفسه، يغفل، أو يتغافل /دون أية وخزةٍ من الضمير يتيمةٍ/، عن حقيقة ذلك «السخاء الحاتمي» التمويلي بالملايين من الريالات القطرية /بالعشرات وبالمئات، وبغيرها/ من أجل سير صحيفة «قدساوية» مرتزقة /بكل ما يحتويه «الارتزاق» من معنى زري/، صحيفة تنشر هكذا انحطاطا ثقافيا يندى له الجبين، ومن خلال تمثيل هكذا قائل جاهل دعيٍّ ليس من كل ما يدَّعيه بأنه «شاعر» و«ناقد» و«كاتب» في شيء.. كما علمتُ من شيءٍ من التعليق التهكُّمي الساخر، ها هنا، «قَزَمٌ زِمِكٌّ وأَكْچَلُ فاقعٌ وقبيحٌ يتكلَّم اتِّجارا دنيئا دَنِيًّا بالأخلاقيات وبالجماليات عن شاعر جميل»!!..

———–

تعريف بالكاتبة

ولدتُ في مدينة باجة بتونس من أب تونسي وأم دنماركية.. وحصلتُ على الليسانس والماجستير في علوم وآداب اللغة الفرنسية من جامعة قرطاج بتونس.. وحصلتُ بعدها على الدكتوراه في الدراسات الإعلامية من جامعة كوبنهاغن بالدنمارك.. وتتمحور أطروحة الدكتوراه التي قدمتها حول موضوع «بلاغيات التعمية والتضليل في الصحافة الغربية» بشكل عام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى