عندما انكشف الغطاء

محمود محمد زيتون 

 بعد أن تجاوزت الستين من عمرى ، وتحررت من وثاق العمل الحكومى، وكسرت أغلال الرتابة والخذلان، انكشف الغطاء عن قلبى، وأزيح الغشاء عن عقلى ، فإذا بى أرى بعقلى وأدرك بقلبى مستجيبٱ لقول الشاعر : ٭
فانظر بعقلك إن العين كاذبة
واسمع بقلبك إن السمع خوان
ولا تقل كل ذى عين له نظر
إن الرعاة ترى مالا يرى الضان
ولت سنوات عمرى وأنا فى خدعة كبرى؛ فقد شغلتنى أذنى وعينى عن صوت عقلى و نسائم قلبى، فضاعت من درب الحياة معالم، وتوارت حقائق ومسلمات.!
أصبحت الآن أغمض عينى فأبصر كل شىء على حقيقته تمامٱ كما قال الفيلسوف الفرنسى « جومير » :
« أغمض عينيك ؛ لتبصر ».!
صرت الآن أرى بعقلى من كان يحبنى حقٱ ومن كان يخدعنى!
من اقتسم سعادته ليرضينى.. ومن سرق أحلامى، وهو يعلم أننى لا أتقبل مرارة الإنكسار.!
كنت أعتقد أننى « واحد صحيح » ولكنى أدركت الآن غرور نفسى ، فما أنا إلا بعض يسعى إلى بعضه الآخر ليكتمل.!
فأنا البعض من أمى.. من أبى.. من أخى.. من زوجتى
.. من صديقى ، ولا أصير واحدٱ كاملٱ إلا بهم.!
ولله در محمود درويش حين صور ذلك قائلٱ:
« فبعضى لدى وبعضى لديك
وبعضى مشتاق لبعضى..
فهلا أتيت ؟! ».
كنت أظن أن ديمومة الحب والزواج تحتاج إلى التشابه فى الصفات والمعتقدات ، ولكنى أيقنت أن الحب يزداد أحيانٱ مع الاختلافات ؛ ولذا فإن أعظم قصة حب خلدها التاريخ هى التى كانت بين طه حسين وسوزان بريسو.!
هو مصرى، وهى فرنسية.
هو مسلم، وهى مسيحية.
هو من عائلة فقيرة..
وهى من عائلة أرستقراطية.
هو أسمر فاقد البصر..
وهى شقراء زرقاء العينين.!
ورغم هذه الإختلافات ربط الحب بينهما ، وتزوجا واستمر زواجهما ستة وخمسين عامٱ وأثمر اثنين من الأبناء ( أنيس وأمينة).
كانت فاتنة ساحرة الجمال.. ورغم أنه لم يرها إلا أنه فتن بها وتعانقت روحاهما فى سماوات الحب السرمدى.!
وبعد موته لم تجف مياه نهر الحب فكتبت سوزان كتابٱ تخلد فيه قصة حبهما أسمته: «معك »
تقول فى الفصل الأخير:
« كنا معٱدائمٱ.. قريبين بدرجة لا توصف.. كانت يدى فى يده متشابكتين.. كنت عينه التى يبصر بها.. وكان روحى التى أحيا بها.!
وفى يومه الأخير حادثته وقبلت جبينه الوسيم وتشابكت يدانا ولا تزال كذلك فى عالم الأبدية. »!

١ – ٧ – ٢٠٢٠
هوامش:
(١)٭الشاعر أحمد القبسى. وهو شاعر أندلسى ١٠٩٢ – ١١٢٦ م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى