الرئيسية / فكر / ڤي. آي. بي

ڤي. آي. بي

د. محمد سعيد حسب النبي | أكاديمي مصري

ألصق الصبي  نصف وجهه الأيمن بزجاج نافذة السيارة، وأخذ يتهجأ الحروف التي كُتبت على الملصق الذي يعتلي زجاج السيارة التي تتقدمهم. تمتم: “في..إيب..فيب”. ثم هتف فجأة كمن اكتشف شيئاً للتو: “فيب!” ودون أن تشيح الأم بوجهها عن الطريق، ألقت نظرة بطرف عينها حيث كان ينظر طفلها، وأعلنت: “في.آي. بي” وليس “فيب!” ومعناها شخص مهم جداً. صمت الصبي لوهلة قبل أن يقول: “هل يعني هذا أن هنالك أشخاصاً غير مهمين!”

وهكذا تنتهي القصة القصيرة جداً للكاتبة الإماراتية المبدعة عائشة الكعبي، والتي تثير تساؤلاً مهماً حول الإنسان وقيمته في هذه الحياة، هل هناك أشخاص مهمون في الحياة وآخرون غير مهمين، وكيف تتحدد تلك الأهمية، وما معيار الشخص المهم والشخص غير المهم؟!

أظن أن أهمية الإنسان تكمن في طبيعة المهام التي يقوم بها، فمن يختار المهام البسيطة فقد حصر أهميته في مهمته، ظناً منه أنه مخلوق للصغير من الأمور، وهو بالطبع لن يبلغ في الحياة إلا الصغير، أما إذا اعتقد أنه مخلوق لعظائم الأمور شعر بهمة تكسر الحدود والحواجز، ونفذ منها إلى الساحة الفسيحة والغرض الأسمى وصار شخصاً مهماً. ونفس المهم تعطيه من الهمة بقدر ما تُحدد من الغرض. وكلما كان الغرض سامياً صعب المنال؛ بذلت نفسه من الجهد ما يقربها لغرضها، ولا تكترث لبعده ما دامت تخطو إليه خطواً جديداً كل يوم.

واكتساب الأهمية يكمن أيضاً في قدرة الإنسان على تنمية ملكاته الطبيعية، ليوسع أفقه، ويعوده السماحة وسعة الصدر. كما لابد أن يعلم أن خير غرض يسعى إليه ليصير مهماً أن يكون مصدر خير للناس بقدر ما يستطيع، وأن تكون نفسه شمساً مشعة للضوء والحب والخير، وأن يكون قلبه مملوءاً عطفاً وبراً وإنسانية وشوقاً إلى إسعاد كل من اتصل به.

والنفوس المهمة لا ترى صعباً في الحياة، وقد اكتسبت أهميتها بمغالبة الصعاب التي تتضاءل أمام هِمّة هذه النفوس؛ فترى الصعاب وقد انكمشت في جلدها حاسرة متحسرة.

ولا شيء أصعب على النفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة وزنها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير عميم، هذا الشعور بالضعة يُفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها وأهميتها، مما يجعل نفوس هؤلاء هزيلة سقيمة إذا أقدمت على عمل ارتابت في مقدرتها عليه وفي إمكان نجاحها فيه؛ فتعالج عملها بفتور يقودها إلى فشل محتوم. أما الواثقون في أهميتهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية وعلى تقوية ملكاتهم وتحسين استعدادهم؛ فهذه نفوس مهمّة يحملها أشخاص مهمّون.

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

الغثّ سيذهب والأصيل يبقى

 د. ناديا حمّاد | سوريا لاشك أننا نعيش ونتحرك ضمن فترة زمنية قلقة أرخت بظلالها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *