الرئيسية / نقد / تحليل قصيدة لشاعر/ة مجهول/ـة
ثناء حاج صالح

تحليل قصيدة لشاعر/ة مجهول/ـة

ثناء حاج صالح/ ألمانيا

النص بعنوان ( مساء الخير )
مساء الخير
فإذا(مساءُ الخير)شعرٌ محتَملْ
يُجْري زحافات الرؤى مَجرى العِلَلْ
،
،
،
نكَزَت حصاةٌ صفحةَ الماء التي
فُجِئَت سكينتُها وأجفَلَها الوجل
،
فإذا مساراتُ الخروج دوائرٌ
والليلُ مدٌّ لازمٌ كيف اتصلْ
،
وإذا(مساءُ الخير)شعرٌ محتَملْ
يُجْري زحافات الرؤى مَجرى العِلَلْ
،
والقلبُ يرتجل ابتسامةَ هازئٍ
من كسرِه مُذْ قيلَ:(مبنيْ في محلّْ..)
،
والجملة الجوفاء تشغلُ وقتَها
بالنص تُحكِمُهُ بأشباه الجُمَلْ
،
وأنا -بحكم الحال- كنت مخوّلا
بالشّعر عنها والوقوف على الطّللْ
،
يُمضَى عليَّ الأمسُ قبل فواتِه
ويجوزُ بي لغدي على جنْح الأملْ
،
ما كنت من يرجو السلامةَ حيثما
عمري بدعواها يُباعُ إلى أجل..
 
القراءة النقدية
أرى هذه القصيدة قد كُتِبت على سبيل تجريب تطويع الجملة الشعرية، لحمل معلومات لا تنتمي أصلا للبيئة النفسية الداخلية المعتادة في الشعر، بهدف إثبات مهارة القدرة على دمج ما هو حيادي من المعلومات مع ما هو شاعري . فالشاعريطمح إلى إثارة دهشة القارئ، عبر لفت نظره إلى مدى حُسن التوظيف الذي سيقوم به عند كل معلومة حيادية يستدرجها إلى السياق الشعري لتندمج فيه وهي تحمل دلالة معنوية أو رمزية يراد لها حملها. وعلينا كقراء إذن أن ننظر في مسألة هذه التوظيفات ومدى نجاح الشاعر في استخدامها.
جملة العنوان (مساء الخير ) ذكرها الشاعر كمدخل للكلام . وهي بهذا المعنى لا تحمل معنى التحية المجردة التي لا يراد منها سوى الإعلان عن مجيء الشاعر. بل إن إعادتها وتكرارها في مطلع القصيدة يراد منه الإشارة إلى أنها الفكرة الرئيسة في القصيدة أو على الأقل، يراد منها التلميح إلى أن بعض أفكار القصيدة تدور حولها . وقد حدث هذا في الواقع. وسنرى ( مساء الخير ) ذات صلة واضحة بما يليها من المعاني والأفكار في الأبيات اللاحقة .
ويمكننا وصف أفكار الأبيات عموما بأنها متسقة وتحمل روابط معنوية دقيقة غير أنها غير ظاهرة بقوة للوهلة الأولى .فثمة ترابط معنوي يشكل نسيجا فنيا متيناً سيتضح لنا مع تحليل الأبيات.
فإذا(مساءُ الخير) شعرٌ محتَملْ
يُجْري زحافات الرؤى مَجرى العِلَلْ
من حيث صحة التركيب اللغوي :
استخدم الشاعر ( إذا الفجائية ) استخداما غير صحيح. لأن إذا الفجائية لا ينبغي أن يُبدأ بها الكلام ، فهي لا تقع في صدر الكلام أبداً . ولا يمكن أن يقال : هذه الـ( إذا ) هي إذا الشرطية ، لأن هذه الأخيرة تحتاج إلى جواب . بينما نرى جملة الفعل ( يجري ) تقع في محل صفة لـ ( شعر) وليس في محل جواب إذا الشرطية.
من حيث المعنى : (زحافات الرؤى) يمكن تخيُّل دلالتها المعنوية ؛ بمعنى تغيرات الرؤى والأحلام ، فإذا جرت مجرى العلل ، فالقاعدة العروضية تقول : ( يجب التزام الزحافات التي تجري مجرى العلل).
أي : الزحافات والعلل: هي التغيرات التي تطرأ على المقاطع العروضية للتفعيلة ، والعلل يجب التزامها دائما، أما الزحافات فلا يجب في الأصل التزامها، إلا إذا كانت جارية مجرى العلل فزحافات الرؤى تعني ( تغيرات الرؤى أوالأحلام ) في كل مرة .
والمعلومة المستوردة من علم العروض جميلة وذكية و توظيفها في السياق الشعري جميل جدا أيضا . لماذا ؟ لأن تحية المساء ( مساء الخير ) التي أصبحت شعرا محتملا لها علاقة واضحة مع زحافات الرؤى (تغيرات الرؤى والأحلام) ، فهي في كل مرة تقال على سبيل الشعر تؤثر في الرؤى ، وهكذا يحدث الالتزام بتغيرات الرؤى لكثرة تكرار شعر (مساء الخير ). واقترح للخروج من مأزق إذا الفجائية أن يستخدم الشاعر أي كلمة مناسبة أخرى مثل: ( عندي).
عندي (مساءُ الخير) شعرٌ محتَملْ
يُجْري زحافات الرؤى مَجرى العِلَلْ
في البيتين الثاني والثالث صورة شعرية جميلة جدا ، وهي صورة صفحة الماء الساكنة التي تلقى عليها فجاة حصاة صغيرة فتثيرها وترسم على سطحها دوائر متولية تبدأ صغيرة ثم تتسع حتى تتلاشى. هذا المشهد الانفعالي للماء يعبر عنه الشاعر بعبقرية عندما يرى في تلك الدوائر ما يدل على خوف الماء بعد سكينته. فهو في حالة قلق أو خوف مما أصابه من تلك الحصاة.
نكَزَت حصاةٌ صفحةَ الماء التي
فُجِئَت سكينتُها وأجفَلَها الوجل
فإذا مساراتُ الخروج دوائرٌ
والليلُ مدٌّ لازمٌ كيف اتصلْ
غير أن هذا المشهد للماء يحدث ليلا ، وهو ليل ممتد لزوما يغمر الأرض في كيفية اتصاله بالماء أو بأي شيء يتصل به مما يمكن تخيله . ومرة أخرى نرى توظيف المعلومة الحيادية المستوردة من قواعد علم التجويد قد نجح تماما وببراعة واضحة في دمج المعلومة في السياق الشعري لتدخل في صميم بناء الصورة الشعرية فنيا ولغويا.
وإذا(مساءُ الخير)شعرٌ محتَملْ
يُجْري زحافات الرؤى مَجرى العِلَلْ
والقلبُ يرتجل ابتسامةَ هازئٍ
من كسرِه مُذْ قيلَ:(مبنيْ في محلّْ..)
تكرار البيت الأول هنا أفاد الربط المعنوي بين الأفكار لأنه يذكر القارئ بأن الكلام مازال يدور حول أجواء الشعر المحتمل إشاعتها من إلقاء تحية المساء ، ويهمنا أن نبحث في مدى نجاح الشاعر في توظيف المعلومة النحوية ( مبني في محل ) في هذا السياق.
تحليل البيت (والقلبُ يرتجل ابتسامةَ هازئٍ _من كسرِه مُذْ قيلَ:(مبنيْ في محلّْ..)) :
الواو حالية في ( والقلب ) . والمعنى أنه في أثناء إلقاء تلك الحصاة في الماء وتشكل الدوائر في الليل الممتد المتصل في كل اتجاه كان قلب الشاعر في حالة انكسار ( من كسره) ، وسبب كسره أنه قد قيل له إنه(مبني في محل ) فالفكرة هنا أنه طارئ على المحل ليسد مسد سواه. بمعنى أنه بديل عما كان يجب أن يكون ولكنه لم يكن . وهذا جدير به أن يكسر القلب ويدفعه ليبتسم تلك الابتسامة الهازئة التي تدل على عدم الرضى بالواقع. ومرة أخرى أرى التوظيف الرائع عبقريا ومدهشا من حيث عمق المعنى الذي وصل إليه ومن حيث ذكاء المعنى المستورد من علم النحو.
والجملة الجوفاء تشغلُ وقتَها
بالنص تُحكِمُهُ بأشباه الجُمَلْ
أشباه الجمل ( الجار والمجرور والإضافة ) لا يستفاد منها معنى تاما ما لم تكن مدرجة لإتمام الجمل الحقيقية . وأرى هنا المعنى غير واضح تماما ، لأننا لم نعرف من هو المقصود بالجملة الجوفاء ، ولعلنا نخمن كناية لشخصية ما قد أثرت في مشاعر الشاعر تأثيرا سلبيا ، فهي جملة جوفاء فارغة ، والشاعر ينتقدها . لكن التوظيف لم يكن ناجحا تماما كالتوظيفات التي سبقته.
وأنا -بحكم الحال- كنت مخوّلا
بالشّعر عنها والوقوف على الطّللْ
(وأنا – بحكم الحال -) هنا جاءت الاستعارة من النحو عفوية وفي مكانها الصحيح من سياق بناء التركيب اللغوي وكأنها من أصل الكلام . ولو لم نكن قد تقصدنا البحث عن المعلومات النحوية المستوردة لمررنا بعبارة ( بحكم الحال ) دون أن تلفت انتباهنا. غير أن ما يلفت الانتباه هو معنى البيت عموما ، فالشاعر كان بحكم الحال مخوُّلا بقول الشعر عن تلك الجملة الجوفاء التي تشغل نفسها بما لا معنى له ( أشباه الجمل) ، فهو يقول الشعر ويقف على الأطلال عنها ، أي بدلا منها. وبالتالي فهو ليس في مكانه الصحيح.
يُمضَى عليَّ الأمسُ قبل فواتِه
ويجوزُ بي لغدي على جنْح الأملْ
ما كنت من يرجو السلامةَ حيثما
عمري بدعواها يُباعُ إلى أجل
البيتان الأخيران خاليان من استعارة المعلومات من علوم النحو والعروض لكنهما يختمان النص فنيا بحالة نفسية يمر بها الشاعر تنقله من الأمس إلى الغد على جناح الأمل . وفي البيت الأخير إشارة إلى قلق يسيطر على مشاعر الشاعر كونه لا يرجو السلامة في مستقبله مادام عمره يباع إلى أجل محدد مقابل تلك السلامة المؤقتة ، المرتبطة بظرف ذلك البيع المؤجل .
القصيدة جميلة ، لكنها ليست سهلة الفهم عند قراءتها قراءة سريعة دون محاولة تحليل تلك التوظيفات التي استخدمها الشاعر ببراعة .

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

دراسة نقدية في المجموعة القصصية ” أجنحة المخيم” للكاتب محمد حسين

 بقلم الناقدة : حنان بدران | فلسطين في أي عمل أدبي مهمة الكاتب لا تتبدل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *