الرئيسية / قصة / ليلة أبو عبد الله الكبير.. قصة قصيرة

ليلة أبو عبد الله الكبير.. قصة قصيرة

شوقية عروق منصور | فلسطين

لم أعد أسمع للمرشد السياحي الذي يلف ويدور في قصر الحمراء، ويحاول تجاهل الكثير من الفترات التاريخية المشرقة، يركز فقط على الانكسارات والهزائم، كأنه مصمم على ضربنا بقبضته الأندلسية، حتى يتخلص من بقايا اعتزازنا.
حاول زوجي إقناعي أن المرشد لا يملك الثقافة التاريخية الكافية، ويقفز قفزاً في المعلومات ، لكن الأفضل أن نبقى قربه حتى نسمعه جيداً .
تمردت قائلة :
– سأقوم بجولة في القصر لوحدي ..!! تركته وأنا أحاول لملمة انبهاري وأتمتم :
– لست بحاجة الى مرشد يزيف ويقلب الحقائق ويمسح البقية الباقية من تاريخ ما زال يضيء العتمة ، جئت الى هنا هاربة من الزيف بين الممرات والقاعات والأعمدة والحدائق المزروعة بطريقة تخلب النظر، كانت تطل الوجوه والقصائد والمعارك، كانت هناك روائح تشدني وتبعث في الروح شيئاً كنت احسبه ضائعاً ، لكن وجدته بين الحروف والكلمات المنقوشة، المطرزة على الجدران والأعمدة .
استيقظت على صوت زوجي وهو يلومني على ابتعادي ، لأن المكان شاسع وواسع وقد خاف عليّ من الضياع ، ضحكت وأجبته :
هنا اضيع ..؟! الذي يريد أن يجد نفسه يأتي الى هنا !!
لم يرد عليّ بل قال :
– تعالي نبحث عن مطعم أو مقصف نجلس فيه بعد هذا التعب ..!!
لم نبحث كثيراً …أول مطعم رأيناه دخلناه، لم يفهم علينا النادل الاسباني ولم نفهم عليه ، الذين يعملون فيه لا يعرفون الا اللغة الاسبانية ، تكلمنا عن طريق الإشارات، لكن قضية الطعام بقيت مشكلة ، بحاجة لمعرفة نوع الطعام ، مدير المطعم الذي لا يتقن الا الاسبانية جاء ضاحكاً وقال :
ابو عبدالله …!!
ضحكت .. وعلى سبيل النكتة أضفت … أبو عبد الله الصغير يعمل هنا أيضاً !! لم يفهم علي ..
قلت لزوجي :
هل معقول أبوعبدالله الصغير الذي سلم غرناطة وطعن التاريخ الأندلسي طعنته الأخيرة ، الرجل الذي بكى وهو خارج منها –بكاء الرجال قليل في التاريخ العربي – وأمه تردد بتشف ” ابك كالنساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال “يعمل هنا!!
متى ستتخلصين من احلامك الساذجة ..؟! انت بتفكري حالك بتحضري فلم عربي ؟!
أجابني زوجي وهو يستخف بالصورة التي أفرزها خيالي .
تشوّقت لرؤية أبي عبد الله الذي فرح صاحب المطعم لذكر اسمه …!!
– اهلاً وسهلاً انا أبو عبد الله ..!
ذهلت ، هل هذا أبوعبد الله ؟! رجل قصير القامة ، وبشرته سمراء داكنة لفحتها الشمس كثيراً . يرتدي مريولاً من البلاستيك وجزمة طويلة تصل الى الركبة تخب بالماء ، وتترك خلفها على البلاط خيطاً من الماء .
– نعم .. ماذا تطلبون ..
قالها بلهجة مغربية !!
سأله زوجي :
– من وين يا أبو عبدالله ؟
أجاب وهو يفرش الشرشف على الطاولة ويضع الصحون :
– أنا من المغرب …من طنجة ، لكن انا من زمان هون ، من عشر سنوات . باشتغل في المطبخ بجلي الصحون والطناجر ، لما بيجوا زبائن عرب بنادي عليّ صاحب المطعم حتى أساعد في الترجمة .
– شو بتقدموا في المطعم من طعام قريب علينا …؟!
اخذ ابو عبدالله يعدد الأكلات والأطعمة ، وخلال الاختيار والتدقيق بتفاصيل الطعام دار الحديث ، تكلم أبو عبدالله عن هروبه عبر البحر ، حسب رأيه الموت في البحر شجاعة ، أما الموت مع الفقر نذالة ، لقد فضل الموت غرقاً بين الأمواج ، على البقاء في طنجة حيث عانى الفقر والجوع والبطالة … هكذا لخص حديثه !!
وخلال تناول الطعام ، أطل أبو عبد الله مرة أخرى وقد قام بتغير ثيابه :
– صاحب المطعم يستغلني، لما يشوف انو في سياح عرب في المطعم ، يطلب مني أغير ثيابي وأشرف عليهم ، ناقصكوا اشي ثاني …؟!
– لا شكراً … لكن يا ابو عبد الله … مش مشتاق لوطنك ، لأهلك ؟!
– مشتاق .. لعائلتي وأقاربي علشان هيك تزوجت بنت عمي وجبتها لهون وانجبت ولد سميتو عبد الله مرتي بتعيش حياة مغربية مية بالمية ، لما بدخل على بيتي بشعر إني بطنجة ، ببعث لعائلتي فلوس كل آخر شهر ، لولاي أخوتي الصغار ماتوا من الجوع ، لكن الوطن حقيقة ما اشتاق الو .. شو هالوطن اللي ما بعطيك كرامة وشغل ..؟! الوطن مش تراب وأرض ، اليوم الوطن وين بتعيش مرتاح .. تنهد بحرقة وألم:
أنا بجلي الصحون والطناجر ، وابن عمي بشتغل هون بتكنيس الشوارع ، مثلنا في اسبانيا كثار ..كثار ، وكل يوم بهرب من الوطن عشرات الشباب .. ليش …ليش ؟!
مرة شفتوا غربي أو أوروبي ،أو أمريكي ، بشتغل بجلي الصحون في مطعم عربي ولا بكنس شوارع عند العرب ..؟! ليش احنا بس .. ليش احنا مكتوب علينا قطع البحار والموت غرق علشان شغل اسود ، حقير …؟!
حتى أبدد غيوم التساؤل والحزن الذي غمر الأجواء سألته :
– وين الصخرة اللي بكى عليها ابو عبدالله الصغير ؟ بعيدة من هون ، لأن المرشد رفض ان يوخذنا اليها !!
– بتفتشي على صخرة أبو عبدالله الصغير اللي بكى عليها وهو طالع من الأندلس… تسللت ابتسامة استهزاء مع آه … كلنا إلنا صخرات ، أنا أبو عبدالله الكبير حامل صخرة قد هالمطعم ، ما حدا بشوفها ، لكن هي فوق ظهري ، أخاف يوم يطردوني ، يقولولي روح عبلادك ، ما إلك إقامة ، ما إلك شغل ، وين بدي اروّح ؟! تعالي شوفي هون كم “ابو عبدالله” بغرقوا في البحر هم هاربين من المغرب … تعالي شوفي الجثث اللي بترفض السلطات المغربية تأخذها وتدفنها ، كم أبو عبدالله مات ما بنعرف وين قبره ، هو في البحر ولا في الأرض …!!
انصرفنا ونحن نودع أبو عبد الله الكبير الذي وضع أمامنا صخرة الواقع لتسد منافذ التاريخ .
عندما وصلنا الى الفندق الذي يبعد عن مدينة غرناطة اكثر من ثلاث ساعات سفر بالسيارة ، اكتشفت انني نسيت هاتفي الخليوي على الطاولة في المطعم ، أقنعني زوجي بنسيانه ، لكن إصراري على عدم نسيانه ، جعلني أفتش عن طرق لعلي أصل للهاتف!
ماذا افعل ؟ غداً صباحاً سأسافر الى البلاد وهذا الهاتف مخزن فيه جميع الأرقام التي احتاجها، أرقام العمل والأصدقاء والمعارف ، حيث أنني لا أتذكر أي رقم وأعتمد على ذاكرة الهاتف وليس ذاكرتي التي تخونني مع الأرقام كثيراً .
نزلت إلى بهو الفندق وأخذت اتصل على هاتفي الضائع لعل احدهم يرد ، اتصلت لم يرد احد ، حاولت مرة أخرى وإذ بصوت امرأة تتحدث الاسبانية ، طلبت من الموظف في مكتب الفندق بأن يتكلم معها ويترجم لي بالإنجليزية ، بعد مكالمة بدت لي طويلة ، قال:
أن الهاتف موجود في المطعم ، وهو مخبأ حتى نأتي ونأخذه ، طلبت من الموظف أن يسألها عن أبو عبدالله لأنني أريد أن أتكلم معه لعل هناك طريقة يرسل لي فيها الهاتف قبل سفري … !!
قالت له أن أبوعبدالله ذهب الى بيته وسيأتي في الساعة العاشرة مساءاً كي ينظف المطعم !!
انتظرت حتى العاشرة مساء ، اتصلت فكان الخط مشغولاً ، بعد ساعة الخط مشغول ، بعد ساعتين وثلاث ،طوال الليل والخط مشغول ، شعرت انني داخل دوامة اسمها أبوعبدالله .
في الصباح الباكر اتصلت من الفندق مع ابني لقطع خط هاتفي الخليوي فلم يرد عليّ …وضعت له رسالة صوتية .
رجعت الى البلاد ، في المطار استقبلني ابني بابتسامة مقتضبة ،بعد ان جلست في السيارة سألني :
– مين أبو عبدالله !! منين بتعرفوا أبو عبد الله ؟!
ليش ..؟!
سألته فأجاب :
– اتصل في الساعة الثالثة صباحاً ، قمت مذعور من النوم ..في الأول خفت ..الساعة ثلاثة صباحاً أكيد صار شيء ، صوت الرجل بحكي بلهجة مغربية ، حاولت أفهم شو بقول ” ركزت ” واذا بقول الهاتف نسيتو على الطاولة في المطعم ، هو موجود معاي .. طيب وشو بدي أعمل الساعة الثالثة صباحاً … قلت له وأنا أكاد انفجر ..!
ما أن وصلت الى البيت حتى هجمن علي بناتي “مين ابو عبد الله” اللي جننا في الليل، مش فاهمين عليه ،ولا فاهم علينا …!!
اكتشفت بعد ذلك أن أبا عبد الله اتصل بكل الأرقام المخزنة في الهاتف الخليوي ، أمسك بالأسماء واحداً واحداً ، هناك أسماء وأرقام قطعت الصلة معها اتصل بها ايضاً ، حتى الذي يصلح الغسالات لم ينجو من ليلة أبي عبدالله … !!
اتصلت بالهاتف وإذ أبو عبد الله يصرخ فرحاً :
الحمد الله على السلامة ، انا اتصلت بجميع الأرقام الموجودة حتى أتأكد انو راح يقولوا لك أن الهاتف موجود وما ضاع .. هو معي، ولما ترجعي على غرناطة إن شاء الله تعالى رب العالمين راح اعطيكي إياه ، انا محافظ عليه …!!
قطعت الهاتف الخليوي فوراً وانتظرت فاتورة الدفع …
عندما وصلت الفاتورة كانت تكلفة تلك الليلة تعادل تكاليف الرحلة بأكملها..!

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

قصّة الأطفال ( صهيل الأصايل ) والحلم

الدكتور عز الدين أبو ميزر | فلسطين   ابتداء نبارك للكاتبة الفاضلة آمنة محاميد زيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *