تحقيقات

الدعوة إلى الله مسئولية مَنْ؟

تحقيق: مصطفى علي عمار
أحمد الجوهري: الدعوة إلى الله ضرورة إنسانية وفريضة شرعية وهي امتداد للنبوة

د.رامي فريد: تجديد الخطاب الديني واجب شرعي، لكن السؤال ما الذي سوف نجدده؟
الشيخ أسامة ربيع: الواجب على كل مسلم أن يدعو إلى الله تعالى بقوله وعمله وأخلاقه

زيد الطهراوي: الدعوة إلى الله بحاجة إلى مهارات وصفات، كالعلم والخلق الحسن

سيد كرم: أرى أن ديننا بات أحوج للدفاع عنه منه للدعوة إليه


الدعوة إلى دين الله فريضة على كل مسلم ومسلمة، لقوله الرسول صلى الله عليه وسلم “بلغوا عني ولو آية”، فهل وفى المسلمون بوصية رسولهم الكريم عليه الصلاة والسلام؟ وهل نجحوا في تبليغ البشرية دعوته؟ وأخص المثقفين باعتبارهم قادة الأمة بالسؤال: ما جهودكم لتبليغ دعوة الإسلام بالقول والفعل؟ وهل أنتم راضون عما قدتم تجاه هذه الأمانة؟ وما رأيكم في الدعوة لتجديد الخطاب الديني؟ أليس من الأولى أن نطلق عليها تجديد الخطاب الدعوي؟ فالخطاب الديني ثابت مع ثوابت الدين، بعكس الخطاب الدعوي الذي يجب تجديده ليتسق مع ظروف وأساليب عصره، وما الصفات التي يجب أن يتميز بها الداعية المعاصر؟


افتتح الداعية الأزهري أحمد الجوهري الحديث بقوله: الدعوة إلى الله تعالى ضرورة إنسانية وفريضة شرعية، وهي امتداد للنبوة، فقد ختمت النبوة، وبقي أتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم، يحملون الراية بعده كل واحد على قدر رتبته:
– المتخصص في القضايا التي يعرفها.
– وغير المتخصص في القضايا التي يلم بها.
فمن ميزات الإسلام التي يفارق بها غيره من الأديان، أنه ليس به ظاهرة (رجال الدين) المعروفة في غير الإسلام، نعم عندنا العلماء المتخصصون في دراسة الدين وبيانه، لكن من جهة رجال الدين فإن كل مسلم هو رجل دين، مطالب أن يتعلمه ويعمل به ويدعو إليه بقدر استطاعته، فهذه مهمة الأمة الإسلامية كلها وليست مهمة فئة منها، قال ربنا سبحانه وتعالى: “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ”، فهذا شأن الأمة كلها في الناحيتين: الإيمان، والدعوة إلى الالتزام بهذا الإيمان.
فكل مسلم مأمور: بالعلم، والعمل، وأن يدعو غيره إلى ذلك، وأن يرشدهم إلى الصبر على ذلك بملازمته لها، واجتناب أضداده، وتحمل ما يصيبهم في سبيله، وبهذا يكون كل مسلم – وكذا المسلمة – داعية لدينه.
وقد بذل المسلمون – بعون الله تعالى لهم – جهدًا كبيرًا في سبيل حمل أمانة الإسلام وأداء رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى وصل صوت الإسلام إلى مشارق الأرض ومغاربها، بدأ هذا مع اللحظات الأولى للدعوة الإسلامية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ذهب أبو بكر بعد لحظات من إسلامه ليدعو أصحابه، وجاء منهم بالفعل ستة فأسلموا وآمنوا وصاروا من العشرة المبشرين بالجنة.


وظل المسلمون على هذا النهج في خدمة الدعوة إلى الله، وجهودهم في هذا الطريق تزداد أحيانًا وتخفت أحيانًا، ومن هذه الأحيان التي خفتت فيها عصرنا هذا، الجهود المبذولة كثيرة لكنها ليست بالقدر المطلوب، أو الترتيب المرغوب، على الرغم من الفرص العظيمة التي تفتح أبوابها للدعاة في هذا العصر، مما لم يكن متاحًا قبل هذا، ونأمل أن ينتبه المسلمون لهذه المسألة، وأن يعيدوا ترتيب أوراقهم في سبيل الظفر بالنتائج المرجوة، وتحقيق الأهداف المقصودة.
والدعاة إلى الله تعالى نوعان:
– نوع يمتهن الدعوة، فهي بالنسبة له وظيفة يأكل منها وينفق وكفى، مثلها في ذلك كمثل أية وظيفة أو عمل آخر.
– ونوع يحملها رسالة، فهي روحه وقلبه الذي يبذل في سبيله كل ما يستطيع، ويقدم لها كل ما يقدر عليه.
وكلاهما يجب أن يسعى بلا فتور، ويجدد عزمه بلا تقاعس، ويستثير همته بلا توان، ولا يعتزل أو يعتذر حتى يسلم نفسه إلى الموت، وعلى أصحاب الدين الحق أن يتقدموا لحمل الأمانة بما لهم: من كتاب محفوظ، وهدي مستقيم، ودين متكامل، ونظر متوازن، وأولئك هم – فقط – المسلمون.
ومعنى تجديد الدين: تجديد طريقة الدعوة إليه، تجديد طريقة عرضه، تجديد الوسائل والمتغيرات دون الثوابت والقطعيات، فإنه دين العالمين طولًا عبر التاريخ وعرضًا في مشارق الأرض ومغاربها، وعمقًا لكل الأجناس والألوان والثقافات والأعراق.
ويتساءل الكاتب العراقي سيد محمد سيد كرم: ماذا نفعل وما هو المطلوب منا لتبليغ الدعوة الإسلامية؟ ويضيف: قد يكون رأيي مختلفًا وجديدًا، وقد يجعلني عرضة للنيران الصديقة ربما؛ رأيي باختصار هو:
بعد أن بلغ العالم هذا التطور الانفجاري في إيصال المعلومة بشكل عام، وفيما يخص موضوع بحثنا بشكل خاص، أصبحت تعاليم ومفاهيم وأسس ومذاهب الدين الإسلامي الحنيف، في حيازة أي إنسان على وجه هذه المعمورة، فقد امتلأت بها بطون الكتب وأروقة المكتبات ومراكز البحوث والدراسات، بكل مستوياتها من المعاهد حتى قمم الدراسات العليا.
كل ماسبق من جانب، والهجوم عليه (أي الإسلام) من الأعداء والأصدقاء وحتى من داخل العرب والمسلمين من جانب آخر؛ لذا فإني أرى أن ديننا بات أحوج للدفاع عنه منه للدعوة إليه، بل يرى البعض أنه محتاج للدفاع عن البقية الباقية منه، ظنًا منهم أن الإلحاد والإنحراف المثلية وإبراز الأفعال (المشينة) المنسوبة للإسلام (بدافع الجهاد والفتوى)، قضت على الكثير من شرعية الإسلام كدين سماوي، وهذا غير دقيق طبعًا، وموسم حج واحد يكفي كدليل على أن هذا الدين باق حتى يوم القيامة.
وخلاصة القول هو: المطلوب منا بدلًا من تبليغ الدعوة الإسلامية، الدفاع عن الإسلام وإبراز محاسنه وإنكار المساوئ التي تنسب إليه، وعلى رجال هذه الأمة المتصدين للزعامات الدينية، أن يوجدوا هذا الفاصل بين العولمة وما وصلت إليه من انتشار، وبين موروث عقائدي وصلنا وأثر كثيرًا بالفرد والأسرة والمجتمع والبيئة، التي نعيش بها كمسلمين، وذلك من خلال:
أولًا: عدم التخندق والتمذهب والإيغال بتقصير وتكفير الآخر، وجعل أساسيات الدين هي الفيصل في بناء الطفل ثم الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم البيئة.
ثانيًا: لابد من إحداث ثورة ثقافية واجتماعية، تمنح المسلم أفقًا واسعًا من الحرية، وتكسير بعض القيود التي باتت بديهيًا مظهرًا من مظاهر التخلف، مثال ذلك تحريم أو النهي عن أو اعتبارها من المكروهات وأعني أمورًا كثيرة ونشاطات أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: بعض الفنون والرياضات والملبس والاختلاط وغيرها الكثير، حتى نقنع الآخر أن الإسلام دين تطور ونمو وتحضر، ولانترك لهم فرصة التأثير على أجيالنا الحالية والمقبلة.
ثالثًا: لابد من محاربة الفساد في إدارة الدول والمجتمعات الإسلامية؛ لأنك لو دعوت الآخر للدخول في دين الإسلام، سيقول لك ماذا فعل المسلمون لأنفسهم غير الحروب والأزمات والكوارث الإقتصادية، والتخلف الزراعي والصناعي والصحي والتعليمي و.. و.. عن كل العالم بمافيهم من كنا نسبقهم بالكثير.
رابعًا: تغيير الخطاب الإسلامي بالصورة التي تجعله أن يبتعد عن “كان” و”فيما مضى”، و”نحن من جعلنا وفعلنا وبنينا….” الخ، لأن هذا الخطاب بات محروقًا لايؤثر حتى بطفل صغير.


ويؤكد الواعظ الأزهري الشيخ أسامة ربيع أن الدعوة إلى الله تعالى من أشرف الأعمال مستشهدًا بقوله تعالى: “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ”؛ وقول النبى صلى الله عليه وسلم: “بلغوا عنى ولو آية”.
فمن الواجب على كل مسلم أن يدعو إلى الله تعالى بقوله وعمله وأخلاقه، فليس على كل الناس أن يكونوا علماء، بل يكفي منهم طائفة يتعلمون العلم الشرعي ويبلغوه إلى غيرهم، قال تعالى؛ “وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ”؛ فكل مسلم يدعو إلى الله في مجاله، التاجر يدعو إلى الله بأن يكون صادقًا، والطبيب يدعو إلى الله بأن يكون ماهرًا ورحيمًا، والصانع يدعو إلى الله بأن يكون أمينًا وهكذا.
ومن الواجب على كل مثقف تحمل المسؤولية تجاه هذه الأمانة العظيمة، وان يكون قدوة فى أقواله وأفعاله، حتى تاخذ الدعوة طريقها فى نشر السلام والمحبة بين الناس جميعًا.
والدعوة إلى تجديد الخطاب الديني أمر مهم فى هذا العصر، فهناك مستجدات كثيرة طرأت على الحياة، والدين صالح لكل زمان ومكان والعلماء يجتهدون في استنباط الأحكام الشرعية، قال تعالى: “وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ”؛ والأزهر الشريف يحمل على عاتقه مسئولية تجديد الخطاب الديني، الذي هو نفسه الخطاب الدعوى فالغرض منهما واحد واللفظ حمّال أوجه.


يضيف الباحث د. رامي فريد: نحن كمسلمين مقصرين جدًا في تعلم العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان لنا أسوة، وأول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم الصحابة في دار الأرقم بمكة، هو غرس حب الله وحب رسوله والشهادتين في قلوبهم وتعليم العقيدة والتوحيد، لينبذوا الكفر والكافرين ويتعمق فيهم الإيمان، ونحن مقصرون في تعلم العقيدة والتوحيد وتعلم الإيمان، ومقصرون في تبليغ هذا الدين بشكل منضبط بالكتاب والسنة، لفهم الرسالة في العموم، مثلما فهمه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين.
إما تجديد الخطاب الديني فهو واجب شرعي، لكن السؤال ما هو الذي سوف نجدده؟
لا بد من دورات للدعاة ليتعلموا كيف يخاطب الداعية البشر، وكيف يخاطب الكافر، وكيف يخاطب الملحد، وكيف يخاطب الشاب، وكيف يخاطب المرأة؟ فالأساليب الدعوية تحتاج تطوير الداعية لذاته، وتطوير الخطاب الدعوي كأسلوب دعوي “ادعوا إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”.
مطلوب من كل داعية تعلم الأساليب الحديثة في علم النفس، وفي تعامله مع البشر وأنماط البشر، حتى يصل بالخطاب المنضبط بإذن الله بالكتاب والسنة بسلف الأمة لأكبر وأعرض مستوى، نتكلم مع الكافر والمؤمن الغافل الذي يقع في الذنب والمعصية، تجديد الخطاب الديني هو تغيير أسلوب الخطاب وتجديد الحوار، وليس تجديد الثوابت.


ويشدد الشاعر والكاتب الأردني زيد الطهراوي على أن الدعوة إلى الله بحاجة إلى مهارات وصفات، فالعلم بما يدعو إليه المسلم أمر لا بد منه، واتصافه بالخلق الحسن كذلك، ومن المعلوم أن الإسلام دخل إلى كثير من البلاد عن طريق التجار المسلمين، وهم ليسوا بعلماء ولكنهم تزينوا بأخلاق الأمانة والصدق والبشاشة والرفق والكسب الحلال، والبعد عن التجارة المحرمة كالربا، فأحب سكان تلك البلاد الدين الإسلامي، لما وجدوه في هؤلاء التجار من تطبيق لأوامر الإسلام وأخلاقه.
وفي زمننا هناك من نجح نجاحًا باهرًا فأثر على أهل بيته تأثيرًا إيجابيًا، وأثر كذلك على جيرانه وزملائه في الدراسة أو العمل، وعلى أصدقائه وعلى وسائل التواصل، لأنه كان حكيمًا يعرف كيف يدعو ومتى يتكلم ومتى يصمت، ويتصف بالخلق الحسن والخبرات الاجتماعية، فيما هناك من دخل بعنفه وجداله وكل سلبياته تحركه عواطفه، فيكون ثقيلًا على الناس جارحًا لأحاسيسهم، فينفرون منه ويخفق في الدعوة ويجلب الكثير من المفاسد.
وقد روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”، وعلى هذا فتجديد الخطاب الدعوي داخل في تجديد الخطاب الديني؛ فأنا كمسلم أدرك أن تجديد الخطاب الديني، هو إحياء الدين في النفوس والمجتمع بالعلم والعمل، وهذا يحتاج إلى علماء وفقهاء، ساروا على نهج الأئمة الأربعة “أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد”، وامتلكوا القدرة على الاجتهاد، فاستنبطوا أحكامًا تتلاءم مع مستجدات العصر.


ويعجبني رأي للعالم الأردني د. سمير مراد يقول فيه إن تجديد الخطاب الديني يظهر في الأوقات التي يضعف فيها الدين، ويحدث الجهل في الأحكام الشرعية، فما منعه الشرع وحرّمه لا يجوز القول بالتجديد فيه، فلا يُفتح الباب على مصراعيه كما يريد البعض فيُهدم الدين، ولا يُمنع التجديد المحافظ على دين الله، فتجديد الخطاب الديني هو نشر الدين وبث تعاليمه وأوامره وإحياء السنن التي أميتت.
ويدخل في التجديد تذليل عبارة الكتب الدينية لتُفهم وتزال عجمتها، وأما القرآن العظيم فتجديد الخطاب فيه هو في تفسيره؛ فنجعل صياغة العبارة في تفسير القرآن تناسب الناس، فالتجديد في صياغة العبارة فقط لا في القرآن ولا في التفسير الصحيح، وأما الفقه وأصول الفقه والعقائد فتعاد صياغتهما ليسهل فهمهما.
فتجديد الخطاب الديني هو إحداث موجة علمية جديدة ، تأخذ بالناس إلى دين الله فتعيدهم إلى فعل الشرائع وفعل المعاملات والتزام الأخلاق، على ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى