الرئيسية / ترجمات / في بيداغوجيا الترجمة (5)

في بيداغوجيا الترجمة (5)

أ.د. عنتر صلحي | أستاذ الترجمة واللغويات جامعة جنوب الوادي – مصر

 

ثانيا – مناهج تدريس الترجمة

تعددت المداخل المختلفة لتصميم مناهج الترجمة، واختلفت عبر العصور، وإن كانت اتفقت كلها على ضرورة الممارسة والتدريب على عملية الترجمة بأساليب مختلفة.

  • مدخل المنتج فقط

اعتمد هذا المدخل على انتقاء قطع للترجمة من لغة إلى أخرى- وأحيانا كثيرة يكون الكتاب المستخدم يفتح من اليمن للقطع العربية ويفتح من الشمال للقطع الأجنبية- وتكون هذه القطع متدرجة في الصعوبة أو مصنفة طبقا لموضوعاتها: صحفية، سياسية، أدبية، إقتصادية، علمية، تقارير، إلى غير ذلك.

ويعتمد المقرر في هذا المدخل على المعلم بشكل كبير، فهو الذي ينتقي القطع المطلوب ترجمتها، وهو الذي يقرر درجة صعوبتها، وهو الذي يصنف موضوعاتها، وهو الذي يحلل مع الطلاب في الصف جوانب الصعوبة ومعاني الألفاظ وإشكالياتها. وبالتالي يكون الكتاب مجرد مجمع anthology لقطع للتدريب عليها دون توجيه لمن لم يحضر المحاضرة ولا تقييم ولا تصويب.

وكان هذا المدخل – وما يزال- شائعا في جامعاتنا العربية، حيث المبدأ الشائع هو “لن تتعلم الترجمة ما لم تترجم” وهو مبدأ صحيح، لكنه ناقص، ونقصانه هو في “كيف أتعلم؟” خاصة وأن الممارسات الفعلية تبين أن المحاضر ينتقي قطعا معينة للتحليل مع الطلاب ويترك لهم الباقي ليتدربوا فيها دون تقييم ولا تغذية راجعة مفيدة.

ومعظم الكتب الجامعية المخصصة للترجمة تتبع هذا المدخل. غير أن هناك تحسينا أجري على هذا المدخل، وذلك بإرفاق بعض معاني الكلمات الصعبة وربما نماذج من ترجماتها كاملة كي يقوم الطلاب بالمقارنة بين النصوص واستخلاص المعاني والدلالات. ومثال على هذا المدخل المعدل كتاب الأستاذ الدكتور محمد عناني شيخ المترجمين والدكتور عادل عبد العاطي الأستاذ بجامعة أسوان : تدريبات متدرجة في الترجمة.(Enani, M, n.d.)

  • مدخل المكونات اللغوية

وهو مدخل يعتمد على تفكيك الترجمة إلى مكونين أساسيين هما: التراكيب والألفاظ، وبالتالي فتكون صياغة مقرر الترجمة مكونة من مسارد بها عدد كبير من الألفاظ ومقابلاتها باللغتين، مصنفة حسب موضوعاتها أو على حسب الترتيب الألفبائي. كما يشمل المقرر التدريب على قواعد اللغة المستهدفة، وترجمة تراكيبها المختلفة، ومقابلتها بالتراكيب المناظرة في اللغة الأخرى، وبالتالي يكون التدريب على الترجمة – في حقيقته- مجرد توسع في فهم القواعد النحوية وحفظ مسارد الكلمات، دون استخدام موسع حقيقي. ورغم قصور هذا المدخل الظاهر، إلا أنه مناسب في فصول اللغويات التقابلية لبناء البنية التحتية المطلوبة للمعرفة الترجمية، فالمقرر عندئذ يشكل قدرات ما قبل الترجمة لا قدرات الترجمة ذاتها، والمفترض أن جوانب القواعد النحوية قد تم تناولها في مقررات القواعد، وأن التعرف على معاني الألفاظ يستخلص من القراءات الكثيرة في صفوف الأدب والقراءة، حيث تكون الألفاظ حينئذ ضمن سياقات لها معنى، لا مجرد كلمات مبتورة من سياقاتها.

ومن الأمثلة على مقررات هذا المدخل، مقرر الترجمة الذي أعده الأستاذ الدكتور محسوب عبد الصادق الأستاذ بجامعة بنها. ((عبد الصادق، محسوب (n.d.

  • مدخل عمليات الترجمة

وهو المدخل الذي لا يهتم كثيرا بالمنتج الترجمي النهائي، ولكن يركز على إجراءات انتاج هذا المنتج. فالمعروف أن للبشر قدرات مختلفة، وبالتالي فمنتجاتهم الترجمية تختلف في الجودة والضعف، لكن الإجراءات المتبعة للتوصل للمنتج الترجمي يمكن تحقيق العدالة فيها عبر التدريب المركز والمخصص لكل عملية.

والمقررات في هذا المدخل تعتمد على التدريب على القراءة الاستيعابية للنصوص واستقصاء مستويات الفهم المختلفة بدأ من الفهم الحرفي ومرورا بفهم التفاصيل والأحداث والانتقال بين الأفكار، وحتى فهم مقاصد المؤلف وروح النص ودلالات ما بين السطور، ثم الانتقال إلى التدريب على مهارات البحث لمعاني الألفاظ والضمائم phrases والجمل في المعاجم والقواميس والمسارد المتخصصة والموسوعات والكتابات المتخصصة، ومن ثم تبدأ مرحلة جديدة في إعادة بناء النص في لغة أخرى، بتحديد الجوانب ذات الإشكالية وتفكيك مشكلاتها وافتراض الحلول لها، ثم التجريب لبيان سلاسة ومناسبة الحلول المقترحة، وتأتي المرحلة الأخيرة بإنتاج النص في لغة أخرى ومراجعته وتنقيحه وضبط قواعده وألفاظه وعلامات ترقيمه.

ومن نافلة القول إن هذا المدخل يعتمد بشكل كبير على آلية ورش العمل، فالتدريب في مراحل العمليات الأربع يتم في مجموعات تنافسية، يستفيد فيها الطلاب من بعضهم البعض، ويعرضون المشكلات أمامهم ويتداولون في مستويات الصعوبة ومقترحات الحلول، ودور المعلم هو المرشد والموجه والمتابع والميسر إذا لزم الأمر، ثم المقيم للمجموعات التنافسية المختلفة.  والمثال على هذا المدخل كتابنا: دليل المترجم المبتديء.(A. Abdellah, 2010b)

  • المدخل التواصلي

وهو مدخل يقوم على فلسفة الغرض الأسمى للغة وهو التواصل، وبالتالي فبدلا من التركيز على النصوص والتعامل معها كما في المداخل السابقة، يتجه المقرر للتركيز على الترجمة باعتبارها مهارة من مهارات اللغة وليست كل اللغة، لذا فالمقرر هنا لا ينصب على الترجمة بمفردها، بل يعتبرها أحد الأنشطة اللغوية بهدف تعليم اللغة الأجنبية.

والمقررات ههنا تكثر في المستوى دون الجامعي الذي لا يخصص مقررا بمفرده للترجمة. ومثال عليها كتاب Basic skills  الذي قررته وزارة التعليم السعودية في المرحلة الثانوية سنة 2005، والملاحظ غياب هذا المكون في مقررات التعليم المصرية الحالية.

  • مدخل السوق

وهو مدخل يعتمد على براجماتية العملية الترجمية، بمعنى أن الترجمة في الحياة هي نشاط اقتصادي إضافة إلى قيمتها اللغوية، فالناس تحتاج المترجمين لإنجاز الأعمال و تقديم المقابل المادي، والمترجم يبذل الجهد للتعلم كي يمتلك مهارات تمكنه من كسب عيشه. لذا يركز هذا المدخل على “الزبون” أكثر من النص، ويتوجه إلى تقسيم الترجمة إلى مجالات الحياة المختلفة: ترجمة قانونية، تجارية، علمية، أدبية، صحفية، طبية وغيرها… ولكل منها قسم في المقرر أو مقرر مستقل – بل ربما عدد من المقررات- ويعتمد بناء المقرر هنا على التركيز على النصوص الأكثر شيوعا والتعبيرات الاصطلاحية المستخدمة في المجال، والتدريب على ترجمة عينات كثيرة من هذه الأعمال.

يضاف إلى ذلك، التعرف على أخلاقيات الترجمة في السياقات المختلفة والتي تراعي حساسية الزبون ، فالأمانة ههنا لم تعد للنص وحده، بل تنتقل إلى مستقبل النص كذلك، وذلك بقرار المترجم استخدام استعمالات معينة وألفاظ مقدرة سلفا – ربما رغم عدم دقتها اللغوية – بما يحقق رضاء العميل ولا يصدمه في فهمه أو خبرته او عقيدته.

والأمثلة على هذه المقررات كثيرة، منها كتب الأستاذ الدكتور عبد الحميد عليوة الأستاذ بجامعة الأزهر.

  • مدخل تحليل الأخطاء

وهو مدخل يعتمد على التعرف على أخطاء المترجمين الشائعة كي يتجنبها المترجم، وقد يكون هذا قسما من مكونات المقررات في المداخل السابقة، وقد يفرد له مقررا مستقلا، لتنمية قدرات المتدربين على تبين وجه الخطأ قبل تعرف وجه الصواب. وهو مدخل ثري إذا أحسن تقديمه عن طريق تحليل مسببات الخطأ وليس فقط تصويب الخطأ. ومعظم كتب شيخ المترجمين محمد عناني تعتمد هذا المدخل خصوصا كتاب: فن الترجمة(عناني، محمد, 2004)   ومرشد المترجم. (عناني، محمد, 2003)

ويرتبط بهذا المدخل مدخل طرائف المترجمين، الذي يعتمد على إضافة روح الدعابة الأكاديمية في الصف من خلال الاطلاع على بعض الأخطاء الفادحة التي يرتكبها المترجمون، والتحذير منها. ومثال علي هذا المدخل كتاب الأستاذ الدكتور خالد توفيق الأستاذ بجامعة القاهرة: نوادر المترجمين(توفيق, 2013).

خاتمة:

ومازال مجال دراسات الترجمة يحتاج المزيد من الجهد في بلادنا ليتمايز قسما قائما بذاته وليخرج من ظلال أقسام اللغات الأجنبية، وليركز في إعداد جيل من المترجمين الواعدين والباحثين المتخصصين في الترجمة. ولابد أن يشتمل هذا القسم الجديد على مساقات الترجمة المختلفة: القانونية، السياسية، الصحفية، الأدبية، العلمية، الطبية إلى غير ذلك، كما ينبغي أن يشتمل على التخصصات البحثية في الترجمة من مثل: علم نفس الترجمة، علم اجتماع الترجمة، الترجمة الدينية، أخلاقيات المترجم، نظريات الترجمة، تاريخ الترجمة، اتجاهات معاصرة في الترجمة، سوق العمل، وبالتأكيد بيداغوجيا الترجمة و التدريب الميداني Translation pedagogy and practicum

والحمد لله رب العالمين

المراجع:

  1. Abdellah, A. (n.d.). الترجمة كأداة لتقويم التحصيل في برامج اللغة العربية للناطقين بغيرها. مؤتمر جامعة دمشق الثاني لتعليم اللغة العربية. Retrieved October 3, 2020, from https://www.academia.edu/41277297
  2. Abdellah, A. (2010a). Pedagogies of Translation: Exploring The teaching, testing and course design processes in Translation. VDM Verlag Dr. Müller.
  3. Abdellah, A. (2010b). Novice Translators’ Guide: A coursebook for English-Arabic translation. VDM Verlag Dr. Müller.
  4. Abdellah, A., & Haridy, A. (2017). Medieval Muslim thinkers on foreign language pedagogy: The case of Ibn Khaldun. Lingua, 193, 62–71. https://doi.org/10.1016/j.lingua.2017.05.001
  5. Abdellah, A. S. (2007a). Developing a Process-Oriented Translation Test for Assessing English-Arabic Basic Translation Skills. In Online Submission. https://eric.ed.gov/?q=antar+abdellah&id=ED536736
  6. Abdellah, A. S. (2007b). English Majors’ Errors in Translating Arabic Endophora: Analysis and Remedy. In Online Submission. https://eric.ed.gov/?q=antar+abdellah&id=ED536731
  7. Cook, G. (2010). Translation in Language Teaching: An Argument for Reassessment. Oxford University Press.
  8. El-Banna, A. I. (1993). The Development and Validation of a Multiple-Choice Translation Test for ESL College Freshmen. https://eric.ed.gov/?id=ED374661
  9. Ghonsooly, B. (1993). Development and Validation of a Translation Test. In Edinburgh Working Papers in Applied Linguistics (Vol. 4, pp. 54–62). https://eric.ed.gov/?id=ED360838
  10. Howatt, A. P. R., & Widdowson, H. G. (2004). A History of ELT, Second Edition. OUP Oxford.
  11. White, L., & White, L. (2003). Second Language Acquisition and Universal Grammar. Cambridge University Press.
  12. توفيق, خالد. (2013). نوادر الترجمة والمترجمين . القاهرة: هلا للنشر.
  13. عبد الصادق، محسوب. (n.d.). أساسيات الترجمة ج1. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
  14. عناني، محمد. (2003). مرشد المترجم . القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية
  15. عناني، محمد. (2004). فن الترجمة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

Hoopoe prayer under the barrage of laughing planes

From Arabic Dr. Yousef Hanna | Palestine Fathi Muhadub | Tunisia My God… Who strikes …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *