الرئيسية / فكر / المشنا اليهودية تأثرت بالفكر الدينى (الشرعى) للمسلمين

المشنا اليهودية تأثرت بالفكر الدينى (الشرعى) للمسلمين

د. يوسف زيدان | الإسكندرية

تلمود اليهود .. الطهارات (طهاروت)

يأتى كتاب (قسم) طهاروت بادئاً بما هو عكس الطهارة: النجاسة.. والفكر الدينى اليهودى يهتم اهتماماً خاصاً بالنجاسات، انطلاقاً من مفهومها الواسع، غير المحدد، الوارد فى السفر الثالث من التوراة (سِفْر اللاويين) وفى الكتاب السادس من المشنا، وهو (سفر الطهارات) الذى نتحدث عنه الآن .

وحسبما ينقل مترجم التلمود، د. مصطفى عبدالمعبود منصور، عن عبيد الله موسى بن ميمون الأندلسى المصرى (أهم فقيه يهودى فى العصور الوسطى) فإن: «الغاية من مباحث الطهارات، حمايةُ المقدس من النجاسات، وضمانُ دخول الأطهار فقط إلى المقدس».. والمقدَّس فى اليهودية قد يتنجَّس من أشياء لا حصر لها.

فالمرأة أثناء حيضها نجسةٌ، والمصاب بالسيلان والبرص نجسٌ، والذى يلمس الحائض نجسٌ، والمرأة إذا أنجبت طفلاً ذكراً تظل أربعين يوماً نجسة، وإذا كان المولود أنثى تظل الأم ثمانين يوماً نجسة، ويصير الذى يلمسها فى تلك الفترة نجساً مثلها.. ويصير أى شىء تلمسه هى من مقاعد أو أدوات، نجساً مثلها.

وعدم ختان المولود يجعله نجساً، ووجود جثة ميت فى بيت يجعل كل ما تحت سقفه نجساً، وبالتالى فكل ما يلمس الجثة يصير نجساً، ومنطقة المقابر (المدافن) نجسة.. إلخ، وهذه النجاسات كلها تزول بالماء، وبالاغتسال نهاراً للتطهر من بعض النجاسات، أو ليلاً للتطهر من بعضها الآخر .

ويأتى قسم (طهاروت) بمبحثٍ يهين المرأة، بعين ما تقدَّست به النساء فى فجر الحضارة الإنسانية: الحيض!

ففى الأزمنة الأولى، أيام كانت المجتمعات الإنسانية المبكرة تعبد الإلهة الأنثى (إيزيس، عشتار، إنانا، أرتميس.. وغيرهن) كان الرجل يرى فى المرأة، صورةً للإلهة فى الأرض. ولأن النساء يَحِضْنَ بالدم، والدمُ هو السائلُ المقدس، فالنساءُ مقدَّسات.

ولذلك، فلابد للرجل كى يقترن بالمرأة ويضاجعها أن يتطهر بالختان. ومن هنا نقول بالعامية المصرية للختان (طهارة) لأن الجزء الدائرى المقطوع من طرف القضيب، كان يُنظم فى خيطٍ يُزيَّن به عنق الإلهة (الربة) فيكون الرجل من بعد ذلك «متأهِّلاً» للاقتران بواحدة من النساء، اللواتى هن صورة الربة فى الأرض.

فى المقابل من ذلك، يقول التلمود: «تعدُّ المرأة نجسة من وقت رؤيتها للدم» وهذا ينطبق على المرأة اليهودية، أما غيرها من النساء، فالأصل فيهن النجاسة! يقول التلمود:

(بنات السامريين حائضات من مهدهنَّ، والسامريون ينجِّسون المضجع السفلى كالعلوى، لأنهم يجامعون حائضات.. بنات الصدوقيين، عندما ينتهجن نهج آبائهن، فإنهن كالسامريات9.

توضيح: الصدوقيون، هم اليهود الذين يؤمنون بالتوراة ويعملون وفقاً لما جاء بها، ولا يعتدُّون بالتلمود ولا يعترفون به .

ولا يتسع المجال هنا لاستعراض بقية ما ورد فى كتاب الطهارات، فلنختتم هذا الفصل بإشارتين..

 الأولى أننى اخترتُ من نصوص المشنا ما يدل على طبيعة كل قسم من أقسامها الستة، وكان من وراء ذلك نصوص كثيرة، عامةٌ جداً وعمومية، لا تختلف فى طبيعتها ومراميها اختلافاً كثيراً عما نجده فى كتب الفقه الإسلامى وعلم الكلام عند المسلمين. ولذلك، فقد أكَّد كثيرٌ من الدارسين أن الصيغة الأخيرة للمشنا تأثرت بالفكر الدينى (الشرعى) عند المسلمين.

والإشارة الأخرى تتعلق بالمبحث الرابع من كتاب الطهارات التلمودى، وهو مبحث عنوانه: باراه (البقرة) ويختص بالصفات التى يجب أن تُراعى فى البقرة التى تُقدَّم كقربان، وطريقة ذبحها، ولونها.

 وهو مبحث إذا نظرنا إليه فى ضوء ما جاء فى (سورة البقرة) بالقرآن الكريم، لظهر لنا على نحو لافت تواصل التراثيات اليهودية والإسلامية، والمسيحية بالطبع.

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

كلام في الثقافة

الدكتور خضر محجز | مفكر فلسطيني   الثقافة فعل دنيوي، فنحن نعلم جميعاً أنها صناعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *