الرئيسية / فنون / صورة المرأة في السينما بين الواقعية والأيديولوجية الذكورية الأبوية (2)

صورة المرأة في السينما بين الواقعية والأيديولوجية الذكورية الأبوية (2)

أنغام عبد الرازق شعيب | شاعرة ومترجمة مصرية

في الحلقة الثانية من هذه السلسلة التاريخية النقدية نتناول صورة المرأة السينمائية في عقد الستينيات من القرن العشرين والذي يمكننا اعتباره (عقد المرأة) في السينما المصرية دون جدال، إذ لم يعادله زمن في عمر السينما المصرية من ناحية حجم الإنتاج السينمائي لأعمال مرتبطة بوضوح بقضايا المرأة في المجتمع المصري على الإطلاق وحتى اليوم..

تميزت معظم أفلام الستينيات بالبطولة النسائية وتمركزت معظم موضوعاتها حول قدرات الفتاة المصرية الهائلة على التغيير والتمرد على كل الأوضاع البائسة التي عاشتها لقرون مضت، فحتى وإن دارت أحداث الفيلم في سياقات متعددة، كان لا بد من وجود خط نسائي تمثله فتاة أو امرأة متمردة أو ثائرة بشكل أو بآخر.. 

أفلام مثل السبع بنات، والمراهقات، والزوجة ١٣ عرضت جميعا في العام ١٩٦١ وتدور كلها حول تطور الوعي العاطفي للفتاة المصرية وخروجها عن الصورة النمطية للفتاة العاشقة المستكينة، أو الزوجة المقهورة الراضية بكل شيء! فتيات يخرجن بكل وضوح عن السيطرة الذكورية المجتمعية حيث يتجلى بوضوح التمرد على طبيعة علاقة البطلات جميعهن مع الأب أو الأخ أو الزوج أو الحبيب لتتولى البطلة زمام إدارة حياتها من وجهة نظرها  بعد صراع ما.

في العام ١٩٦٣ قادت ليلى في المشهد الأول من الفيلم مظاهرة مدرسة البنات ضد الاحتلال قائلة: “ إن حضرة الناظرة تقول إن المرأة مكانها البيت، وإن الكفاح للرجال، وأنا أقول أن العدو عندما استعبدنا لم يفرق بين الرجل والمرأة وحين سدد إلى صدورنا الرصاص لم يفرق بين الرجل والمرأة، فافتحوا لنا الأبواب

ثم اختتمت ليلى مشهد النهاية بثورتها على تقاليد الأسرة الجامدة الرجعية وانطلقت تلبي نداء قلبها ووطنها دون الالتفات إلى الوراء فتوجت حقبة الستينات مبكراً برائعة (الباب المفتوح) الذي يعتبر من أهم الأفلام النسوية في تاريخ السينما المصرية.

وعندما حاولت رائدة  وملهمة الحركة النسوية في العالم سيمون دي بوفوار في كتابها (الجنس الآخر) وصف الوضع البائس والمتدني للمرأة في المجتمعات الزراعية القديمة ومقارنتها بوضع الرجل قالت: إن وضع المرأة الواقعي شديد القسوة، فالعناية بالبستان والدجاج وحظيرة الأغنام والخنازير مفروضة عليها حصراً، وتساهم في الأشغال الكبييرة كالعناية بالاسطبل والفلاحة والعزق والحصاد وتساعد في تحميل وتفريغ القشعدا ذلك تعد الطعام وتعتني بالبيت فتنهض في الفجر تطعم الحيوانات وتعد الوجبة الأولى للرجال وتذهب للعمل في الحقول وتعتني بالأطفال ثم تقدم الوجبة الثانية وتغسل الأطباق وتعمل ثانية في الحقول حتى العشاءوتقضي الليل في رتق الملابس والتنظيف..

وبما أنها لا تملك فرصة للاهتمام بصحتها حتى أثناء الحمل، يتشوه شكلها وتذوى قبل أوانها وتستهلك وتنهشها الأمراض.

إن تأملت هذا الوصف الدقيق لطبيعة حياة المرأة الريفية الفقيرة وعكسته على واقع الريف المصري ثم أضفت إلى ذلك قيوداً أخلاقية وعرفية ظالمة لا حد لها، فلن تتجسد صورة في ذهنك أوضح وأكثر جلاء من الصورة التي كانت عليها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة سنة ١٩٦٥ في فيلم الحرام!

حيث صورت السينما وضع المرأة الفلاحة الفقيرة التي لا يكفيها قهرها بل ويتم انتهاكها جسديا واغتصابها مقابل (جدر البطاطا) الذي تحاول إحضاره لزوجها المريض، فتحمل سفاحا وتعاني إخفاء حملها لأشهر متوالية رغم الألم والعمل المضني والجوع، لتقتل وليدها بالخطأ بمجرد ولادته وعند ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد حتى يجد المسئول عن العزبة تلك القاتلة التي أنجبت بالحرام وقتلت نفسا بغير حق!

 ليسأل المشاهد نفسه بعد ذلك عما هو حقاً (الحرام)؟

وإن استبعدت الفقر والواقع الريفي لترى كيف يمكن للأعراف الذكورية القمعية في المجتمع المصريبما في ذلك أوساطه فوق المتوسطةأن تهدم امرأة وتشوه صورتها وسمعتها وتصمها بالعار لمجرد أنها لا تنحني لتلك الأعراف، فيمكنك مشاهدة (الثلاثة يحبونها) من إنتاج العام نفسه.

في العام ١٩٦٦ أعيد إنتاج فيلم (عدو المرأة) بعد عشرين عاما من إنتاج نسخته الأولى، وفي هذه المرة لم يكن فيلما كوميديا ولم يكن للأديب الذي سمي بعدو المرأة وجه دميم بل على العكس، فقد كانت بطولة الفيلم لرشدي أباظة جان مصر الأول في ذلك الوقت، وكما في الرواية الأولى يعدل عن قناعاته بعد الوقوع في حب امرأة لتعيد تشكيل نظرته إلى النساء.

وفي العام نفسه أنتج فيلم (مراتي مدير عام) والذي تدور أحداثه حول زوجة تصبح مديرة على المصلحة التي يعمل بها زوجها بما يضطره معه الحرج والغرور الذكوري إلى إخفاء علاقة زواجه بها.. وتتوالى الأحداث حتى تنتهي القصة باستيعابه لنجاح زوجته واستعادة فخره بزواجه في رسالة إنسانية راقية تعتبر في حقيقة الأمر سابقة لعصرها حتى بالنسبة لوقتنا الحالي!

في العام ١٩٦٧ أنتجت السينما المصرية ما يزيد على الثلاثين فيلم سينمائي رغم أنه عام النكبة، وكان من أهم تلك الأفلام فيلم (كرامة زوجتي) الذي ناقش بجرأة الفرق بين خيانة الرجل وخيانة المرأة عندما اتفق الزوجان على أن: إن خنتني أخونك.

 وكيف أن المجتمع يطالب الزوجة بالتحمل وتقبل الخيانة الزوجية واعتبارها مجرد نزوة عابرة في حياة الرجل بينما لا يمكن حتى طرح العكس جدلياً.. 

في عام النكبة كان أيضا فيلم قد أدرجه النقاد في قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية وهو (الزوجة الثانية) حيث تطرح السينما بسحرها الخالص كيف يمكن أن تكمن القوة الهائلة التي تضاهي وتقاوم وتنتصر على قوة المال والسلطة لدى فلاحة ضعيفة وفقيرة!

الناشطة النسوية والوطنية درية شفيق التي قامت باعداد فرقة شبه عسكرية من النساء المصريات للمقاومة ضد وحدات الجيش البريطاني في قناة السويس والتي كانت أيضا سببا في حصول المرأة المصرية على حقوقها السياسية لأول مرة في التاريخ الحديث قيل عنها بعد وفاتها: كان هناك وقت، كانت فيه درية شفيق الرجل الوحيد في مصر..

وما قيل عن درية شفيق قد قيل أيضا عن (فؤادة

فؤادة كانت الرجل الوحيد في القرية، عندما تحدت القوة والسلاح والظلم والحب أيضا وفتحت الهويس دونا عن كل الرجال لتنقذ قريتها من الجفاف والموت.. ثم أشعلت نار الثورة التي أحرقت في النهاية عتريس نفسه!

بطولة نسائية فريدة كانت في رائعة (شيء من الخوف) الفيلم الذي عرض في العام ١٩٦٩ والذي كتب فيه الأديب الكبير نجيب محفوظ تقريراً لوزير الثقافة عنهباعتباره مستشار الوزير للشئون الفنية في ذلك الوقت، أكد فيه أنه عمل سينمائي وطني بالدرجة الأولى، فلفت وزير الثقافة نظر السلطة إلى الفيلم مشيرا إلى أنه يرمز لشخص جمال عبد الناصر وأعضاء مجلس قيادة الثورة!

 الأمر الذي أدى إلى منع عرض الفيلم في مصر لبعض الوقت حتى أجاز عرضه الرئيس الراحل بعد أن كان قد سبق عرضه في عدة مهرجانات دولية وفي بعض الدول الأجنبية!

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

نصٌّ ولوحة: لا أعرف

سماح الضاهر | سوريا – ألمانيا لا أعرفُ أهو  الشوقُ الذي هزمني أم  الحنين أم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *