فساد المؤسسات المدنية في رواية ” حين يعمى القلب ” لـ” وداد البرغوثي “

رائد محمد الحواري | فلسطين


هناك العديد من الروايات تحدثت عن الدور التخريبي الذي أحدثنه (مؤسسات المجتمع المدني) والمدعومة من الدول الغربية، وأن تأتي رواية وبعد عشرين عاما، لتحدثنا عن هذا طعم الذي ابتلعناه وأدمناه، والخلل الذي احدثته في بنية المجتمع الفلسطيني، له تأكيد على أننا أدمنا مخدرا لا نستطيع التخلص منه، وأصبح من الصعب علينا العيش دون تعاطيه.
تبدو أن الرواية مكونة من قسمين، قسم يتحدث عن الدور التخريبي الذي أحدثته المؤسسات، وهو القسم الأصعب والأكثر إيلاما، لأنه يتحدث عن خراب مجتمعنا وبلادنا بأدينا وليس بيد العدو، وقسم يتحدث عن حصار مخيم جنين وما تعرض له من تدمير ومجازر على يد جيش الاحتلال، فرغم أنه يحمل مشاهد الموتى والقتلى والخراب والتدمير: “الجرافات تهدم والقناصون كانوا على أسطح المنازل، والكلاب تلاحقنا، تدخل وراءنا من بيت لبيت، هدموا البيت فوق رؤونا، سقط السقف لكنه ظل بعيدا عنا حوالي عشرين سنتمترا” ص 201، إلا أنه كان (أقل وجعا) من قسم المؤسسات، وهذا يعود إلى أننا نعرف طبيعة المحتلين وبطشهم، لكننا لم نتوقع أن يكون من بيننا عملاء للاحتلال وللغرب يعملون تحت مسمى (مؤسسات المجتمع المدني)، ويتلقون الدعم المالي بحجة (التنمية) التي لم تكن إلا خرابا وقتلا لكل المثل والقيم الاجتماعية التي نشأنا عليها.
فأصبح العمل التطوعي عملا مدفوع الأجر، وأصبح يخضع لشروط الداعمين/الممولين، وها نحن بعد أن ابتلعنا الطعم، لم يعد بيننا إلا القليل من المتطوعين/المخلصين، فقد انتشر مفهوم الأجر، وتفشت (ثقافة) الكسب، وأصبح مفهوم التطوع/المتطوع يعني الخبل/المخبول، موضة قديمة، لا يعرف مصلحته، من هنا يكمن أحد جوانب أهمية الرواية، فهي تضعنا أمام مصيبة حلت بنا وأمسينا مفجوعين ليس لنا قوة أو قدرة على التحرك أو الفعل.
فهناك أكثر من ثلاثين موضعا تتحدث فيه عن عقم المؤسسات ودورها التخريبي، لكن شكل تقديم فساد المؤسسات جاء بأكثر من طريقة، منها بإثارة الأسئلة: “ترى ماذا نستفيد نحن كفلسطينيين من مشاريع تمولها مؤسسات أجنبية وغربية؟
هل نحرر وطنا محتلا إذا عقدنا ندوة نتحدث فيها عن حقوق المرأة” ص44، فالسؤال جاء بطريقة (عادية) لكن هناك اسئلة تهكمية/ساخرة مثل: “أية شرعية دولية علينا أن نحترق ونؤمن بضرورة احتراقنا حتى نكون محترمين للشرعية الدولية، أن نذبح ونقبل يد من يذبحنا حتى ترضى عنا الشرعية الدولية” ص49.
ومنها ما جاء بشكل جواب: “لم يعد احد يتحدث عن الاحتلال، بات شغلنا الشاغل الحديث عن المرأة والطفل والعامل والطالب” ص45.
ومنها ما جاء بشكل نتيجة: “…أن نتحول إلى جواسيس، الممول الأمريكي طلب معلومات عنا جميعا،… من حق الأمريكان أن يعرفوا أين تذهب أموالهم،… علينا أن نستجيب لمطالبهم” ص74، “ورش عمل تعلم الناس السرقة بشكل غير مباشر” ص98، “لن ينتج من هذه الأموال سوى جواسيس، وإن اعتمدنا على حسن النوايا فسيكونون أناسا فاسدين” ص109.
ومنها ما جاء بشكل استنتاج: “كلها دكاكين بضاعتها متشابهة، نساء، أطفال، تربويون، عمال، باختصار شديد بضاعتهم هو الإنسان، الإنسان الفلسطيني وحقوقه بكافة فئاته وشرائحه بضاعتها” ص108، “…أوروبيون لا تعنيهم قضيتنا ولا قضية سجنائنا بقدر ما يعنيهم رضا السجانين أنفسهم” ص112، “فالنضال المتربط بمبلغ من المال ليس نضالا ولن يؤدي إلى نتيجة” ص122، “قد يموت أسرى في العذيب دون أن يبوحوا بهذه المعلومات، بينما باسم البحث العلمي نسلم لهم هذه المعلومات دون جهد يذكر” ص140. فرغم أن السادرة تحمل موقف من “مؤسسات المجتمع المدني) حتى أنها تذكر كتاب “سناء المصري” “تمويل وتطبيع” إلا أن تعدد اشكال تقديم فكرة الفساد في (المؤسسات) ابعدها عن المباشرة والتقرير الصحفي، وهذا يحسب لها، حيث استطاعت تقديم مادة (تقريرية) بشكل روائي.
المكان
وهناك جانب آخر مهم في الرواية يتمثل في علاقة الساردة بالمكان، وهذا الأمر يمثل أحد أبرز معالم الروية الفلسطينية، التي تعطي المكان أهمية ومكانة كحال الأحداث والشخصيات، وأن تفتتح الرواية بالحديث عن المكان: “لماذا ترحلون عنها؟” ص11، له أكبر دليل على أهمية المكان، ونجد أثر المكان الإيجابي في لغة الساردة والألفاظ التي تستخدمها: ” هل جربتم مذاقها الحقيقي؟ هل شرب أحدكم قطرات الندى، هل رشفها حتى آخرها عن حبة تين نضجت للتو، من لم يجرب هذه المتعة فليجربها، ..لها مذاق قريتي أو لقريتي مذاقها، …لها ذات المذاق ذات المتعة، دائمة الاشتهاء مستحيلة الارتواء، …شفافة كأنها صفحة ماء على امتداد نهر” ص11، فاللغة البياض والناعمة: “مذاقها (مكررة)، الحقيقي، شرب، قطرات، الندى، رشفها، تين، نضجت، المتعة، المتعة، دائمة، الاشتهاء، الارتواء، شفافة، صفحة، ماء، امتداد، نهر” تشير إلى أثر المكان على الساردة، فرغم أن موضوع الرواية قاس ومؤلم، إلا أن حضور المكان أثر ايجابيا على اللغة، بحيث جاءت فاتحة الرواية بيضاء وسلسة تتماهى معه.
فالمكان هو الذي يمنح الحس بالجمال، والتمتع به، والغربة عنه تفقد الإنسان الإحساس بل شيء، تحدثنا عن “أم يزيد” العائدة من الغربة في الخليج بقولها: “…لباسها هو هو، لهجتها هي هي، حتى لا تذكر إذا كانت أحبت الكويت أم كرهتها، لم يسألها أحد ذلك السؤال، ولم تحدث هي أحدا عن ذلك، الأيام تمشي سريعا، والناس كما الأشجار، ينخر السوس جذوعهم شيئا فشيئا وتذبل أوراقهم وتذوي أغصانهم، لكنهم لا يدركون أنهم يسيرون رويدا رويدا أو سراعا نحو حتفهم أو في أفضل الاحتمالات نحو شيخوختهم وهرمهم” ص37، إذا ما توقفنا عند الألفاظ المستخدمة في هذا المقطع، وقارناها بتلك التي جاءت في فاتحة الرواية، يمكننا أن نجد الفرق بينهما، فالفاتحة كانت بيضاء بامتياز، وهنا يشوب المقطع السواد: “كرهتها، ينخر، السوس، تذبل، حتفهم، هرمهم” وهذا يعود إلى ابتعاد/غياب المكان.
ومن الآثار السلبية على المكان، أفعال البشر/الناس، الذين يحدثون تغييرات في المفاهيم الاجتماعية تنعكس على سلوكهم وافعالهم، تجعل العيش فيه قاسي ومؤلم: “فيه كثير من القهر يصلح للكتابة عنه، لكنه لا يصلح للعيش فيه” ص31.
لم تقتصر السلبية على المكان العام، الوطن، بل تعدته إلى المكان الخاص، مكان العمل، تحدثنا “حياة” عن مكتبها في المؤسسة التي تعمل بها: “وبدت كل لحظة في هذا المكان بمثابة مطرقة تدق في رأسي، تزلزلني، تشعرني أنني متورطة في شيء ما وعلي أن أخرج من هذه الورطة ولا “أغطس أزيد”” ص102، من هنا، إذا ما قارنا فاتحة الرواية الجميلة المتعلقة بالمكان واللغة التي قدمت بها، يمكننا أن نصل ـ من خلال الألفاظ المجردة ومن اللغة ـ إلى الفكرة التي أرادتها الساردة، فكرة أن المكان الجمال تحول/انقلب إلى مكان بشع، لا يصلح للحياة.
الأسماء ودلالاتها
ويمكننا أضافة رمزية أسماء النساء اللواتي قدمن بصورة إيجابية، “حياة، شروق، سراج” وكأن الساردة من خلال اختيارها الاسماء أرادت أن تعطي فكرة: (تطابق المعنى مع الاسم)، على النقيض من اسماء الرجال الذين غالبا ما قدموا بصورة سلبية أو أهملت اسمائهم، باستثناء بعض الاسماء مثل “يزيد اليوسف، وحازم” الذي لم يعد “حازما”، والذي تخلى عن حزمه.
الرمز
ومن جمالية الرواية وجود شيئا من الرمز كما هو الحال عندما تحدثت “حياة” بطلة الرواية عن مفهومها لكلمة “الفندر”/الممول/الداعم: “…لأن كلمة فندر بالمفهوم الشعبي في بعض المناطق ومنها قريتنا تعني “كشف عن العورة” لست أدري ما أصل الكلمة، لكنني كنت اسمعها في طفولتي كثيرا، خاصة في زمن كان الأطفال يسيرون في الشارع حفاة وأشباه عراة، يعلقون: فلان فندر أو فلانة فندرت” ص63، فالساردة أرات أن تقول: إذا كان معنى كلمة “فندر” معيب منذ طفولتها، فكيف سيكون مقبول في شبابها ورشدها؟.
كما أنها تكشف كذبة “قبة البرلمان والنواب” بقولها: ” جالت عيناي في أعلى البرلمان من الداخل والخارج، بحثا عن القبة التي عادة ما يلصقونها باسم البرلمان ربما ليكسبوه هالة من القدسية، فيقولون “تحت قبة البرلمان.
لم أجد للبرلمان قبة لا من الداخل ولا من الخارج، قلت لنفسي: حتى لو وجدت قبة بحجم قبة الصخرة لن يكون هذا دليل قدسية ما دام المجتمعين تحتها لصوص” ص104، التركيز على كلمة “قبة” يشير إلى أن الساردة تهتم بالتفاصيل الدقيقة لما هو متداول، وتتوقف عنده، مبينة أن هناك تلاعب في الكلمات، يراد به خداع الناس وتمرير ما هو فاسد بصورة مقدسة.
كثرة الخطايا المحيطة ب”حياة” جعلتها تشعر بأنها مخطئة وتحتاج إلى تطهير، تصف لنا عملية التطهير بهذا الشكل: “…وعندما استيقظت في الصباح وجدت أن الأمطار قد توقفت بعد أن غسلت الشجر والحجر، وأحسست أنها أيضا قد غسلت روحي من آلام الأمس، علي أن أتظهر من آثامي وإلى الأبد. منحني هذا الإحساس نشاطا أفضل من المعتاد” ص 115و116، نحن نعلم أن فكرة الاغتسال منذ القدم تحمل معنى التحول/التغيير الإيجابي على صعيد الجسد وعلى صعيد الروح/الفكر.
الأب والأم
واللافت في الرواية انها تشير إلى جنس الساردة، فهي تنحاز للمرأة/للأم، وتقدمها بصورة إيجابية، بصورة المرأة التي تنكر ذاتها في سبيل الآخرين، تحدثنا عن أمها الفقيرة والمعدمة: “الماء والمطر من أبجديات أمي ومن أسباب الفرح عندها، تفرح للمطر وهي لا تملك ما يدفئ جسدها أو أجسادنا نحن أسرتها، تعزي نفسها بأن الربيع يأتي بدفئه بعد الشتاء، وأن الصيف يأتي بحرارته وشمسه يعوضنا عنم البرد” ص83و84، فالأم التي تحمل مثل هذه الأفكار بالتأكيد هي أم لكل البشر وليس لأسرتها فقط، فهي تتحمل قسوة البرد، وتتحمل ألم أفراد أسرتها الصغار، لأنه سيكون هناك ربيع يحمل الخير للناس وصيف سيدفئهم.
وتحدثنا عن أم الأسرى وما تبذله من جهد وعطاء: “…عمار معتقل منذ عشر سنوات وحنين مذ سنة، وأردفت: كان عمر حنين عشر سنوات حين اعتقلوا عمار، كل أسبوع زيارة، أزور كل واحد منهما مرتين في الشهر، مرتين أذهب لسجن عسقلان ومرتين لسجن النساء في الرملة، سواء كان الطقس حارا أم باردا، كنت مريضة أو بخير” ص113، بينما يتم إهمال الأب وتغيبه، كإشارة إلى موقفها السلبي منه، وهذا من نجده في متن الرواية التي قدمت الرجل/الأب بصور سلبية: “…كنت أخرج للعب مع أولاد الحارة، يغضب أبي فأتمرد على غضبه، يضربني أحيانا ويصرخ في وجهي وفي وجه أمي: ما بدي بنتي تطلع من البيت أنا حر كيف أربيها، أرتجف أحيانا وهو يرعد،… والولي لي ولأمي إن عاد ولم يجدني في البيت” ص56، وهي لا تكتفي بهذه الصورة السلبية للأب، بل تنتقد نظام العائلة الكبيرة/النظام الأبوي برمته: “ولدت أمي لأب هاجر إلى أمريكيا اللاتينية في أواخر العشرينات، تركها وجدتي في كنف عائلة كبيرة يعيش فيها الجد وزوجاته وإخوته وزوجاتهم، تكاد لا تعرف الأخ من ابن العم، فالكل ينادون من هو أكبر منهم بأخي وأختي أو عمي، جدي لأبي هو الآمر الناهي في كل شيء، له سلطة لا ترقى إليها كلمة أحد” ص56و5، فنجد العداء لعالم الذكور ولكل ما يتعلق بهم.
الطبقي
تنحاز الساردة للفقراء وتدافع عنهم وعن قضيتهم، وفي المقابل تعري الطبقة الفاسدة، وتكشف دورها التخريبي والانهزامي في المجتمع: “الشهداء ليسوا أبناء الوزراء والمسؤولين في أغلب الأحيان، وليسوا من الأثرياء” ص161، هذا الطرح يشير إلى أن هناك أفكارا ماركسية تحملها “حياة”، ورغم أن المشهد واقعي وقريب من الحقيقة، إلا تقديمه بهذا الشكل يشير إلى الجذور الفكرية التي تحملها.
وتحدثنا عن بيئة الفقراء في مخيم جنين وردة فعلهم على المعونة الامريكية بعد أن اجتاحته قوات الاحتلال وفعلت فيه العجائب: “أثلج صدري وصدورنا جميعا ونحن نرى أطفال وشباب مخيم جنين يرفضون هدايا وكالة التنمية الامريكية” ص183، من هنا يمكننا القول أن الطرح الطبقي حاضر في الرواية، ويقرب المتلقي من حقيقة أن الفقراء/الكادحين هم شعلة التمرد/الثورة ووقودها في الوقت ذاته.
الرواية من منشورات وزارة الثقافية الفلسطينية، الطبعة الأولى 2020.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الأستاذ رائد حواري . تحية وتقدير على قراءتك الموضوعية لروايتي ، أسعدني ذلك، لكنني لا أ وافقك على مسألة تتعلق بالفقرة الأخيرة وهي مسألة العداء للذكور استنتجتها من اختزالك للذكور في روايتي بانتقائك لأسماء محددة. فإيماني المطلق أن المرأة والرجل هما نتاج ذات المجتمع، أنا ضد التربية الذكورية في المجتمع ولست ضد الرجل. ففي الرواية ذكور آخرون إيجابيون هناك نساء سلبيات لم تذكرهم بقصد خدمة استنتاجك ” عداء الكاتبة” للرجل أو ربما بغير قصد، وأتمنى أن تكون الثانية. الذكور الإيجابيون الذين لم تأت على ذكرهم هم ، غاردينيا امرأة سلبية ويقابلها يزيد سراج رجل وهو إيجابي، زوج الساردة،، الرواة عن مجزرة جنين أغلبهم من الرجال، أطفال الحجارة والمقاليع وشبان الانتفاضة وشهداؤها وأسراها ومحاصروها من الذكور. الذين لا يمكن أن أكن لهم إلا الحب والتقدير أتمنى عليك أخي رائد، أن تكون إيجابية في قراءتك لهذا الجانب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى