بين يدي ديوان .. ’’ بنات الخطيئة ’’

زياد محمد مبارك – كاتب سوداني

 

     نثرت الشاعرة سامية القاضي في شاطئ الشعر أصدافها، أربعين من قصائد النثر الذي ألقى ظله على مشهد الشعر الحديث المتحرر من سلاسل العروض وأصفاد القافية. ولعل ما يجعل هذا الجنس من الشعر الذي ينثر ولا ينظم رائقا ومناسبا للأغراض المستجدة تباعده عن التكلف وتركيب الألفاظ جريا وراء أجراسها لا اتباعا لمعانيها؛ مما ينهك القصائد ويطرحها بواد غير ذي شعر. وهذا ما تكشفت عنه أصداف الشاعرة من لآلئ نثرية إذ مازها وضوح المعاني وجودة التصوير الشعري ورصف الاستعارات السائغة المعبرة بعيدا عن الإغماض وتكلف التعبير والمجازات القصية المرهقة للتصورات الذهنية. أضف إلى ذلك طفو الحس الوجداني فوق أسطح الجمل الشعرية بحيث بدت كسفائن تحمل فيضا مختلطا من مشاعر الذات الشاعرة لتنفرد كل قصيدة بشعورها الخاص الخاضع للظرف والغرض.

     وبعد؛ فقد اختطت الشاعرة عنوان قصيدتها (بنات الخطيئة) كناية عن الشعر عينه، تعني قصائدها.. (يسقط ورق التوت على القصيد/ فتولد من ضلعي/ بنات الخطيئة). لتؤكد بذات التعبير – بوهج شعري لافت – بنقلة لهذه الخطيئة من تفاعلها الذاتي إلى تفاعل أشمل عام في قصيدتها (سأطلق العصفور من صدري قبل أن أعيد الأمانة للتراب)، وإن حملت الخطيئة مفارقاتها بين المعنى – المنتثر في مقصود بنات الخطيئة – واللا معنى المقترن بالخطيئة المجردة بدون انزياحها الاستعاري الذي توسلت به الشاعرة إلى معانيها الأخرى سابقا.. (في الظلمات/ الكل يعاقر سلاف الخطيئة/ تقتلهم أجسادهم المترهلة/ من تخمة الرذيلة/ تتدلى نزواتهم السرمدية/ فتسقط رؤوسهم الفارغة/ خارج المعنى/ كشجرة حين تضاجعها الريح/ تهب أوراقها قربانا للخريف).. ومهما يكن فالشاعر يوظف اللفظ حيث يشاء.

     تمتد المفارقات الثنائية بصورة كثيفة في قطع الديوان بصورة صيّرتها ثيمة واضحة، أو أشبه بذلك.. وبصورة خاصة في ثنائية الحياة وما يقابلها من مترادفات الموت/ الفناء، الاحتراق… والحياة كذلك بما يشاكلها من أسبابها كالبذور، الانبعاث، الخلود… والشاعرة هنا مغرمة بالعنقاء الأسطورية المنبعثة من رمادها حية كلما احترقت، وهذا يدور حول ما رددته بإشاراتها إلى أن الشعر مما يخلد ولا يفنى. وهذا ليس ببعيد عما رصدته الشاعرة من متعلقات الذاكرة في مستويات الذات، المكان، الطين وذاكرة الزيتون التي حاكت لها قصيدة بذات العنوان. فالذاكرة تخلد – مجازا – كثيرا من المكتنزات التي ألقت آثارها، والشاعرة ذات هاجس بما لا يفنى بصورة عامة في قصائدها.

     العناوين لوحدها قصائد، وهذه العتبات للنصوص الشعرية متوهجة ومسبوكة باشتغال مائز. رافدة للقصيدة وقبل ذلك تسقط مباشرة على النص وتلتحم معه مثل الضوء بالضوء كونها مجتزأ منه، مقتبسة ثم معلقة كعتبات.. لذا فقد تجزأت كجمل شعرية وهذا ما زان تلك المداخل إلى باحات القصائد.. (أنا امرأة تراود الريح أغصاني فلا أميل)، (ما زلت غريبة في أرض الشعراء)، (ظلي كالطيف يخيم في السماء)، (كطائر الفينيق أتشكل من رمادي وأعود)، (ليتني أتسلق حطامي وأطير)، (انهض ففي عينيك ينام طيف مسافر)، (في كل هذا البؤس أراني حفنة من دخان)… وهكذا درجت في بقية العناوين بفروع الديوان.

     هناك ثيمات عبرت عنها الشاعرة مرتكزة على أشياء بعينها تعددت في توظيفها في مختلف الدلالات، وتمثلت في حقل دلالي شمل (النار، الرماد، العنقاء، الريح، الذاكرة، الحروف، الضوء، الظل…)، كما سيلاحظ قارئ هذه المجموعة الشعرية الاتكاء المكثف على هذه الثيمات في التصوير الشعري ذي الالتقاط المتعدد للثيمة الواحدة؛ تعدد الرؤى كما يلاحظ في هذه الاشتباكات الشعرية التي يحمل فيها اللفظ، الجملة والتركيب ببلاغة الانزياح لتكون الإشارة رهن الشاعر، معتقة عن اللفظ والجملة والتركيب إلى حد ما يسمح به الانزياح. وهنا تسطع براعة الشاعرة، أو سطعت كما قرأت.

     لم تخل المجموعة من التطعيم بالحكاية التي امتزجت بروح الشعر الحديث وفجرت منه طاقات متجددة للتعبير بحيث صارت مساحة القصيدة أوسع من بوح الشعور وتدبيج اللفظ فشملت في حظيرتها الحكي والسرد والوميض. وهذا الأخير اقتطع جزءا غير هين من الديوان ليتوهج فيه.. وهو – الوميض – أي تقطيع القصيدة إلى مقاطع، ومضات، تمثل كل منها ومضة شعرية، وحدة قائمة بذاتها، مكتملة المعنى، متوهجة ومدهشة وإلا فلا تومض. بينما تساوقت بقية المجموعة في بنائية متنامية متصلة لا مقطعية.

     النوع الآخر من التطعيم الذي جنحت إليه الشاعرة فهو القبس الأسطوري، تطعيم بعض النصوص بشخصيات الميثولوجيا الأسطورية مستلهمة إياها من ثقافات قديمة كالإغريقية اليونانية.. (اوريفيوس، كاليوبي، أبولو، بيجاسوس، اوديسياس، بروكست) وهذه الآلهة ترمز لما عرفت به في تلك الأساطير، من آلهة للشعر والموسيقى والعنف… الخ، مما نسبته الشاعرة في حواشي القصائد التي نضحت هذه الرموز. واستلهمت كذلك شخصية اخيل من إلياذة هوميروس الإغريقية المشتهرة عن طروادة. وشخصية أردين من الأساطير الجرمانية الشمال- أوروبية القديمة.

     كما فارقت قصائد يسيرة التعبير الذاتي عما يعتلج في الذات الشاعرة لتحمل القصائد رسائلها للمخاطب، وهنا تعبر الذات الشاعرة عن ذاتها ولكن للآخر؛ من طريق آخر.

     وتلوح بالحديث عما سبق مفارقة رائعة نسجتها الشاعرة، وهي القائلة (ليتني أجمع بين الأضداد/ وأجدل من المتنافرات حلما) تجلّت – المفارقة – في القصيدتين (انهض ففي عينيك ينام طيف مسافر)، و(الخارج من صمته).. فبدأت الأولى مخاطبة (أيها القابع داخل صمته). والثانية جاء مطلعها، وأيضا للمخاطب (أيها الخارج من صمته).. وفي هذا الخطاب الثنائي المفارق المتضاد جاءت الإشارة لهذا وذاك بما يناسب الحال. وبتعبير يشف عن الذات الشاعرة، وعن رؤياها (للقابع داخل، والخارج من)/ صمته.. فلهذا (دع صوتك يخبرنا عن مسالك الريح/ دع صوتك ينفذ من هنا/ ليحل زلزالا هناك). ولذاك (صوتك القادم من العتمة/ يبحث في شوق عن الصدى/ بضاعتك صوت وصراخ).

     وبعد؛ فهذه مجموعة أنيقة، وصوت شعري يأخذ قارئه إلى أعماق شعورية ورؤى فلسفية مجرِّبة لديها ما تقوله وفيها ما يستحق أن يقرأ.. ولا أظن أن من يقرأ في أنحاء المجموعة ألا يجد نفسه هنا أو هناك.. مبذورا، محترقا، منبعثا، منثورا للريح… أو في أية حالة من حالات هذي القطع الشعرية. وأخيرا؛ حسن ما سطرت الشاعرة في هذه المؤونة الشعرية فكذا اختصرت كثيرا مما يمكن أن يقال ويعد رجما بالحدس والتخمين..

أنا امرأة

طاعنة في الحكمة

فإن أردت فهمي

انس كل شيء وتذكر

فقط اسمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى