الرئيسية / نقد / قراءة انطباعية لقصيدة “حوار المنافي” للشاعرة ثناء حاج صالح

قراءة انطباعية لقصيدة “حوار المنافي” للشاعرة ثناء حاج صالح

بقلم الأديب الشاعر ياسر أبو سويلم الحرزني| الأردن

أولا – القصيدة: (حوار المَنافي )

وصمتـُه أتاحَ غيمةً جديدةً لأسئلةْ
وكانَ ضَمّ صدرَ غيمهِ.
ونامْ..
وجئتُ من أصابعي..
لنومِه الذي بـُروجُه مُقـَفّـلة ْ
لأندفَ الغيومَ ليـلكاً
وأفزعَ الحمامْ

///

ومالَ بـَردُ خدِّه على رخامِ طاولة ْ
وحنَّ لا يضيءُ من حنانه وداعْ
وكان طعمُ صوته مُشتِّياً كمقصَفٍ
وقهوة ٍ وأصدقاَءْ ،
وضاعْ
سأنتشي بصمته على الوداع وردةً ..
بصمته سأنتشي بصُحبةٍ تباع
ْ
///

ففيمَ يَستحيلُ بُركةً بكاهْ ؟
يُحيطُها الحشيشُ أنجماً تنوسْ ؟
ومالكُ الحزينُ ما يزالُ واقفاً
يجوس في الضفافِ قسوةَ المياهْ
أصابعي جبينه تجوسْ

///
ومالَ ضوءُ وجهه على زجاج مِدفأة
وأشرفتْ يداه تتّكئ
على جذوع نارْ
يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تحنّ؟
لكي تشابهَ الغصونَ في حديقة الغيابِ إذ تجفّ
يداه ما الذي
إنِ انتشى بلَمسِها البعيدِ يرتجفْ ؟
وما الذي
تبثه العيونُ في العيونْ
فتزدهي وتختلِف؟

///

أذاهبٌ!
غيابك القليلُ لا يفي
سأترككْ..
ْسأتركُ الزجاجَ والغيومَ والرصيفْ
وأنتفي
أنا التي سأختفي
وقد يجوزُ لارتعاشها يديكَ أن تجيءْ
وقد تصير غابةً يلفُّها دخانُكَ الكثيفْ
دخانكَ ال يلفلفُ الجذوع َ يرتفعْ
وتدخل العيون ُ في ضبابه ِ تضيء
وتدخلُ البروقُ يلتمعْ ْ
دخانك البطيءْ
ووحدها يداي لن تجيءْ

///

بعيدةٌ..
فلا تَشُدَّنيْ لأقتربْ
لأسألَكْ
ولا تلامسِ الشموعَ في أصابعي
ولا تحاورِ الدموعْ
وليس لي..
وليس لكْ..
وإنَّما
مباركٌ على دمائنا الصقيعْ

///
وأنتفي لأتركَكْ..
لأستريحْ
وأترك الغيومَ في وسادتي لريحْ..
وأنتفي
وحيدةً وعابرة
هزيلةً كشهقةِ الغريق
وحينما تَمُرُّ بي
تَّمُرُّ بي كنَجمةٍ مسافـِرةْ
سَأفسَحُ الطريقْ

////

 تجربة إيقاعية جديدة ، كانت تراودني فكرة تنفيذها منذ سنوات ( شعر الوتد ) قصيدة خالية من الأسباب تماما ..كل إيقاعها يقوم على تكرار الوتد. (ثناء حاج صالح)

ثانيا القراءة

(1)
قراءة المقطع الأوّل

وصمتـُه أتاحَ غيمةً جديدةً لأسئلةْ
وكانَ ضَمّ صدرَ غيمهِ.
ونامْ..
وجئتُ من أصابعي..
لنومِه الذي بـُروجُه مُقـَفّـلة ْ
لأندفَ الغيومَ ليـلكاً
وأفزعَ الحمامْ

يبدو بأنّ هناك قصيدة أخرى سبقت هذه القصيدة (قد تكون “ثانية” وسبقت واحدتها ، وقد تكون “صفريّة” سبقت الإثنتين !)
زمانها : قبل هذه القصيدة ، في تمام العاشبة وعشر حدائق، ومكانها : قبل واو العطف في حارة الشعر.
أمّا الغيمة الّتي أتاحها صمته فهي كبيرة وشاسعة بمساحة الحيرة والترقّب والتوقّع الواقعة بين بداية نفَس هاء “صمته” مروراً بالصدر وما حوى ، وانتهاء ببداية أخرى لنفس جديد زفرته هاء “الأسئله”..حدث كل هذا وصاحب المعنى في غفلة عمّا حدث لأنّه حضن صدر غيمه ونام، ولكنّها نومة حداثيّة “إن جاز التعبير” ، فعوضاً عن أن ينام هو في صدر غيمه، أو على صدر غيمه فقد طاب لصاحب المعنى أن ينيم صدر غيمه في حضنه “يا سلام”.. كلّ هذا كان بداية لضوضاء كبيرة جدّاً حدثت في هدوء تام جدّاً جدّاً جدّاً
إذ قررت الشاعرة أن تصفع وعي ولا وعي القراءة بوعي لغتها الّتي كتبت بها هذه القصيدة على وجهها لتقول لها : انتبهي لمجيئي وكيفيّته ! فقد جاءت من أصابعها ! كيف ؟هكذا جاءت من أصابعها ، كما تجيء شاعرة من أصابعها كيف ؟ لا تسألوا كيف ؟هكذا .. “يا للروعة” أنا أعرف الّتي تأتي على رؤوس أصابعها لكن الّتي تأتي من أصابعها فقد عرفتها فقط في مطلع هذه القصيدة الرائع.. “يا للغريب الجميل”.. جاءت من أصابعها وخرجت من نفسها تمشي الهوينى على مهلها وبهدوء حذر كي لا تزعج نوم صاحب المعنى في بروجه المقفله نفس ثالث جديد من هاء “المقفله” تخافتها أن : إششششش “بشويش” لماذا هذه الـ”إششششش” لأنّ الشاعرة تريد كما قالت في مطلعها أن “تندف الغيوم ليلكاً وتفزع الحمام” في هدوء تام جدّاً جدّاً و “جدّاً” الثانية هذه تعني : “بشويش” ترى لماذا تريد الشاعرة أن تندف الغيم ليلكاً وتفزع الحمام” ؟! لا أدري، ولعلّي أخمّن أن أيّ شاعرة مبدعة في حارة الشعر وفي تمام العاشبة وعشر حدائق تريد أن تفعل ذلك سيّما أن صاحب معناها ضمّ صدر غيمه ونام .. ربّما!!الله الله لمن جاءت من أصابعها وندفت قطن الغيم ولله درّ الشاعرة الحلّاجة.

(2)

(قراءة المقطعين الثاني والثالث)

ومالَ بـَردُ خدِّه على رخامِ طاولة ْ
وحنَّ لا يضيءُ من حنانه وداعْ
وكان طعمُ صوته مُشتِّياً كمقصَفٍ
وقهوة ٍ وأصدقاَءْ ،
وضاعْ
سأنتشي بصمته على الوداع وردةً ..
بصمته سأنتشي بصُحبةٍ تباع

….

ففيمَ يَستحيلُ بُركةً بكاهْ ؟
يُحيطُها الحشيشُ أنجماً تنوسْ ؟
ومالكُ الحزينُ ما يزالُ واقفاً
يجوس في الضفافِ قسوةَ المياهْ
أصابعي جبينه تجوسْ

واو ثانية في مطلع السطر ، وهي ليست “واواً” بقدر ما هي همزة وصل ضفرتها الشاعرة واواً (والشعر ضفر وظفر) كي تربط بها تسلسل أحداث ضوضاء المقطع الأوّل والّتي أرادتها الشاعرة أن تحدث في هدوء تام حين جاءت من أصابعها ، وعقدت العزم في خضمّه أن تندف الغيوم ليلكاً ، وتفزع الحمام.. ترى هل فعلت الشاعرة ما عزمت على فعله ؟ لا أدري
ولا أريد أن أجتهد بتخمين أمسي معه شاهد زور يأخذّه القرّاء إلى خيمة القصيدة راكباً وبعد الشهادة يتركونه يعود راجلاً (إن لم يعد حافياً ) ولكنّ الشاعرة تدري ! وكذلك ما بعد “واو” السطر الأوّل الّذي يقول أنّ برد خدّ صاحب المعنى مال على الطاولة وهنا صفعة ثانية من وعي لغة الشاعرة على وجه (خد) القراءة لا لتقول لها انتبهي بل لتعبر عن ثورتها وغضبها لسبب لا يعلمه إلا هي فيما تنوي كتابته فيما يلي من سطور أمّا القراءة فقد انتبهت بـ”وعيها” لتواكب وعي لغة الشاعرة الّتي ما زالت تمارس دور البطولة المطلق في القصيدة ، لتقرأ :
وحنّ لا يضيء من حنانه وداع
واستدركت بـ”لا وعيها” الساذج فاستحضرت بكائيّات الشعر في الوداع والفراق والرحيل فاستعبرت وأدارت لوعي لغة الشاعرة خدّها الثاني وسامحتها وهي تعيد :
ومالَ بـَردُ خدِّه على رخامِ طاولة ْ
وحنَّ لا يضيءُ من حنانه وداعْ
ولا أخفيكم بأنّي أتذاكى الآن بهذا الهذو كمحاولة لتهرّب غير مباشر لصعلوك كلام من ترجمة شعوره الحقيقيّ الواضح جدّاً بهما وبجمالهما من وجدان قراءته إلى هذه السطور ، أو لعلّه فشل في ذلك فاختار ألا يكون شاهد زور كصاحبنا ولكنّني أستطيع أن أقول مرحى لزئبق المعنى الّذي يخاتل القراءة ويراوغها كثعلب متمرّس لا بأس أمّا لغة الشاعرة فقد كانت لطيفة جدّاً حين جاءت لتأخذ القراءة من لا وعيها إلى وعيها وحين وجدتها تستحضر بكائيات الوداع (وهي مديرة خدّها لصفعة جديدة) احترمت طقوس استحضارها وأنشدت لها : “وكان طعمُ صوته مُشتِّياً كمقصَفٍ وقهوة ٍ وأصدقاَءْ ، وضاعْ (شتاء ، مقصف ، قهوة ، أصدقاء) لم يستطع خيالي الّذي كان يعرج كثيراً وهو يتمشّى في قصيدة شاعرتنا أن يستحضر لهذه الأسماء إلا “في قهوة عالمفرق” لفيروز ولكن لم يلبث الفعل (ضاع) أن استدرك بطيف للخنساء ، ولكنّني حين تذكرت أنّ لا وعي القراءة كان واقفاً هناك في القصيدة يسجع ويرجّع لنيّة الشاعرة في البكاء ببكاء يليق به .. (نقطتان نعم ، فتذكّروهما جيّداً لأنّي سأعود لأهذي بهما بعد قليل) كانت الشاعرة تقول بأنّ طعم صمته كان شتائيّ النكهة كمقصف وقهوة وأصدقاء وما أقسى ما فعلت الشاعرة هنا لتبرر وجود “كان” في أوّل سطرها الشعريّ بمفردة “وضاع” وختمت بدفلاها المرّ جدّاً سطرها سطرها الّذي كان بطول حياة كاملة !! وإن كان ثمّة من يتسائل كيف لي أن أزجّ بمفردة “نكهة” للصمت ، أقول له : دع الشاعرة تجيب عن كيفيّة وجود “طعم” له ، وأنا سأجيب بعدها.

(نقول بسم الله للمقطع الثالث ، ولا تقلقوا لم أنس النقطتين)

ففيمَ يَستحيلُ بُركةً بكاهْ ؟
يُحيطُها الحشيشُ أنجماً تنوسْ ؟
ومالكُ الحزينُ ما يزالُ واقفاً
يجوس في الضفافِ قسوةَ المياهْ
أصابعي جبينه تجوسْ

نعم كان لا بدّ من رمي حطب المقطع الثالث لنار القراءة احتراماً لإرادة الشاعرة ورغبتها وإذعاناً لسلطة الـ “فاء” الّتي سبقت “فيم” وكأنّها تريد للكلام أن يبقى ليؤنس كلام المقطع الثاني ويخفّف عنه ويواسيه حين يبدأ الصوت بارتجال سجعه وترجيعه ولسبب آخر (ولعلّه من تأويل قراءتي) وهو لكي يكتمل نصاب البكاء ويصبح واجباً وفرض عين ! البكاء فرض عين ، ونافلتها قذى وعوار وإسبال لسجدة سهو البكاء (كتحية وكرامة لمرور إسم عمّتي الخنساء بهذه القراءة) وكذلك لسبب ثالث وهو أنّ الشاعرة مارست ما يسمّى إعادة تدوير أو استدامة لمشهد أرادته أن يكون دائريّاً على سطور مستقيمة أفقيّا ، وقد فعلت ذلك بمضارعة الفعل “يستحيل” في سطرها الأوّل
ففيم يستحيل بركة بكاه
ولم تقل “استحال” (هي حرّة فيما قالت وأنا حرّ فيما قلت وفيما سأقول) طبعاً هناك علامة استفهام بعد السطر الأوّل لم ترق لي وكنت أودّ خلو السطر (وغيره من السطور) منها ومن أيّ علامة ترقيم ، لا لشيء سوى أنّ الكلام قادر على التعبير عن نفسه بدونها ومن سياقه نفهم أنّ هذا السطر يراد به السؤال أتذكّر هنا مقولة لأديب (نسيت اسمه) يقول : إن وضع علامة تعجّب في نهاية الجملة ، كأنّك تلقي نكته وتقول للمستمعين هيّا اضحكو فقد قلت لكم نكتة (المعذرة هذه دعابة على الهامش كفلسفة رديئة مستقطعة) (ولعلّي أذكّركم ونفسي بأنّ لا وعي القراءة ما زال هناك في الأعلى عند أطلال المقصف واقفاً على أهبة البكاء)

ففيم يستحيل بركة بكاه ؟
يحيطها الحشيش أنجماً تنوس ؟ يا للروعة ويا للسطر المركّب باحتراف عارفة كنت أريد أن أقول بأنّ بكاه استحال بركة وأنجماً تنوس ، أمّا الحشيش فما هو إلا ديكور لتأثيث الصورة الشعريّة ولكن (الكثير من “ولكن”) علامة الأستفهام في نهاية السطر بعد “تنوس” وجّهت صفعة ثالثة لوجه القراءة وأنا هنا أسأل سؤالاً بريئاً إن لم يكن ما قلته عن استحالة البكاء إلى بركة وأنجماً تنوس صحيحاً فهل أرادت الشاعرة بمضارعة الفعل “يستحيل” الإشارة إلى استمراريّة مفعوله أيّ أنّه بعد أن جعل البكاء يستحيل بركة يحيطها الحشيش أخذ المشهد كاملاً ليجعله يستحيل إلى أنجم تنوس؟ أي كأنّها تتسائل (وهي عارفة) : أأنجماً تنوس ، وتحاشت كسر الوزن بحذف إحدى الألفين وأكدت استفهامها وسؤالها بإضافة علامة الإستفهام الجواب في صدر الشاعرة وإن كان نعم فإني سأرفع لها القبّعة (ولطالما رفعتها لها) وبعده سأعتذر من خاطر الحشيش لتشبيهي إيّاه بالديكور مهلاً هل سمعتم صوت صفعة رابعة لقد سمعت صوت صفعة رابعة ، ماذا عنكم ؟ لا عليكم ، إنّها مجرّد صفعة قويّة تلقّيتها للتوّ من السيّدة القراءة تبعها تأنيب وعتاب يقول : لست ساذجة إلى هذه الدرجة لأصدّق هذوك وثرثرتك الرديئة وأكذّب بداهتي واسمع : تجاهل وغضّ الطرف عن علامة الإستفهام الثانية بعد “تنوس” واعتبرها خطأ مطبعيّاً سيتجلّى لك المعنى المذهل واضحاً من غير سوء ودع “ففيم” تمارس أشغالها لتصيب السطر الثاني بعدوى تساؤلها الكبير حتّى نهايته ودع الكلام يفسّر بعضه بعضاً فالشاعرة تتساءل بحسرة شاعرة عن سبب وكيفية استحالة بكائه الّذي كان كبركة ماء يحيطها الحشيش إلى أنجماً تنوس فأمسى هذا المشهد المبتلّ الأخضر الخصب أثراً بعد عين وأقفر كما “أقفر من أهله ملحوب ..” كي تؤثّث بالجدب مسرحاً لمالك الحزين الّذي سيجيء في السطر الثالث على هيئة شاعر جاهلي ليقف على أطلال هذه البركة الّتي عفا رسمها وإذا لم تنته ، تقول القراءة ، فإنّي سأقول لهذوك وثرثرتك مقالة ذي القروح : ألمّا على الربع القديم بعسعسا كـأنّي أنادي أو أكلّم أخرسا (طيّب ، طيّب فهمت ) وها اعتذاري من خاطر الحشيش وها قبّعتي ما زالت مرفوعة للشاعرة مرحى

ومالك الحزين ما يزال واقفاً
يجوس في الضفاف قسوة المياه
أصابعي جبينه تجوس
سامح الله الشاعرة على ما فعلت بقارئ مثلي قابل للكسر جدّاً بصوت شعر ومرحى لهذه الكتابة الواعية والمثقفّة جدّاً على هذا التوظيف الرائع لاستحضار مالك الحزين ممّا أتاح لها رسم صورة معبّرة جدّاً بأقلّ عدد ممكن من الكلمات قسوة المياه ! ما علاقة قسوة المياه بمالك الحزين تأويل قسوة المياه كفيل بالإجابة ، وأنا أوّلتها بالجفاف ، ومالك الحزين سمّي بهذا الإسم لأنّه يعيش دائماً قرب المسطّحات المائيّة وحين تجفّ فإنّه لا يغادرها ويبقى حولها منكّساً رأسه ، ممّا يوحي بأنّه حزين (وقد يكون كذلك) وهذا سبب تسميّته بمالك الحزين كلّ هذا الإستحضار وهذا المشهد المدهش ارتجلته الشاعرة لكي تصف حالها حين راحت تجوس جبين صاحب المعنى (هل تعرفون ما الّذي أفعله الآن ؟ أصفّق للشاعرة ، والله) ولعلّكم تقولون الآن لا كما قال جرير عن عمرو بن أبي ربيعة : ما زال هذا القرشيّ يهذي حتى قال الشعر بل : ما زال هذا الحرزنيّ يهذي حتّى نسي النقطتين هههه لا لم أنس كنت قد توقفت عند حفلة السجع والترجيع الّتي أبت القراءة إلا أن تواجب (نعم تواجب) الشاعرة بها ، وأعيد ما قلت وأنسخ النقطتين : (شتاء ، مقصف ، قهوة ، أصدقاء) لم يستطع خيالي الّذي كان يعرج كثيراً وهو يتمشّى في قصيدة شاعرتنا أن يستحضر لهذه الأسماء إلا “في قهوة عالمفرق” لفيروز ولكن لم يلبث الفعل (ضاع) أن استدرك بطيف للخنساء ، ولكنّني حين تذكرت أنّ لا وعي القراءة كان واقفاً هناك في القصيدة يسجع ويرجّع لنيّة الشاعرة في البكاء ببكاء يليق به قام خيالي واستوى على ساقين وتذكّر مرثيّة متمّم بن نويرة لأخيه مالك ، وما ذكّره بها هو إسم مالك الحزين (توارد أسماء لا أكثر) في المقطع الثالث وزاد عليها فعلي السجع والترجيع فاستحضر ثلاثة أبيات لا أحسب متمّم إلا نزفها نزفاً واحتضرها احتضاراً ، وأبت القراءة إلا أن تحيّي بهما الشاعرة الّتي أبت إلا أن تتمّم نصاب البكاء بـ”فاء” “فيم” في بداية المقطع الثالث

وما وجد اظار ثلاث روائم
أصبن مجرّاً من حوار ومصرعا
يذكّرن ذا البثّ الحزين ببثّه
إذا حنّت الأولى سجعن لها معا
إذا شارف منهنّ قامت فرجّعت
حنيناً فأبكى شجوها البرك أجمعا

هل لهذه الأبيات ومعانيها علاقة بقصيدة الشاعرة لا أدري لعله مالك القصيدة الّذي ذكّرني بمالك متمّم ولكنّي أحببت أن أكون أميناً معكم في نقل كلّ ما كان يدور في رأسي وأنا أقرأ قصيدتها ولعلّي أستدرك وأقول : لهف نفسي على مالك الحزين الّذي لم يجد من يردّ عليه السجع الحزين ويرجّع معه كما رجّعت الإبل كلّها وجاوبت بالبكاء الشارف الّتي سجعت ورجّعت فبكت وأبكت وسامح الله متمّم بن نويرة وتغمّده بواسع رحمته كيف صبّ الشعر (كل الشعر) في هذه الأبيات وسامح شاعرتنا وأطال في عمرها كيف أوجعتنا بقول ورسم ونحت هذه الصورة الرائعة، أختم قراءة هذين المقطعين بالصلاة على الحبيب محمّد عليه وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وأتمّ تسليم وتحيّة كبيرة للشاعرة

(3)
(قراءة في “قسوة المياه” وعن حالات المادّة)،

ففيمَ يَستحيلُ بُركةً بكاهْ ؟
يُحيطُها الحشيشُ أنجماً تنوسْ ؟
ومالكُ الحزينُ ما يزالُ واقفاً
يجوس في الضفافِ قسوةَ المياهْ
أصابعي جبينه تجوسْ

،

أدري بأنّي تعرّضت لـ “قسوة الماء” خلال قراءتي للمقطع الثالث ولكن بعد استغراق عميق في المصطلح شعرت أنّني لم أقرأه كما ينبغي ولم أوجب له ما يجب وهأنذا أحاول من جديد ليس نكاية بحسن نيّة قراءتي البدويّة الّتي كلّما صفعتها الشاعرة بلغة وعيها تقوم بتسوية وتصفية حسابها بتوجيه صفعة لي نكاية بي وبالشاعرة لا بأس أمّا الشاعرة هنا وفي هذا المقطع ، فقد ذهب خيالها بلغتها وبالقصيدة إلى أقصاه وخصوصاً فيما يتعلّق بـ”قسوة الماء” ولا أعتقد أنّها تعني بها جفاف الماء ونضوبه سواء بفعل حرارة الشمس وتبخرّه ، أو بتسربه عبر شقوق السطح إلى باطن الأرض ، أو بتجمّده ، لأنّ كل هذه الإحتمالات يكون الماء فيها غير فاعل وبلا إرادة (إن جاز التعبير) أمام قوى ومؤثّرات خارجيّة لا طاقة له بها سواء كانت حرارة زائدة جدّاً أو منخفضّة جدّاً أو بفعل الجذب، ولا أعتقد أن مصطلح “قسوة” سيكون عادلاً هنا أمّا ما رمت إليه الشاعرة هنا ، فلا يعدو كونه صدى لصوت اختراق خيالها حاجز المعقول وتلويحها بقطف معنى رائع قطفته للتو من بساتين الدهشة الواقعة في نطاق اللا معقول وكلّ ما هو غرائبي جميل، ورمته في القصيدة، ولأن ما يجري على المادّة يجري على الماء فإنّ حالات الماء (والذي تنطبق عليه جميع حالات المادّة) لن تتجاوز كونها إمّا سائلة أو صلبة أو غازيّة وهذه الحالات الثلاث ملموسة ومدركة ومرئيّة سائل في حالته الطبيعيّة يتحوّل إلى صلب بفعل التجميد أو إلى غاز (بخار) بفعل الغليان أمّا تجلّي الشاعرة هنا بإضافة حالة رابعة وهي “القسوة” فهي لا تقصد بها القسوة الماديّة أي الصلابة (كأن يكون جليداً) فلو كانت تعني ذلك لما أشكل الأمر على وجدان مالك الحزين الّذي يعرف الجليد ويألفه بل كانت تعني القسوة المعنويّة (كأنّ نقول فلان قاسي القلب) ، وتجلّت وأضافت هذه الحالة المعنويّة كطور وحالة يمرّ بها الماء مثل مروره بحالاته الماديّة الثلاث الّتي سبق ذكرها إذن كيميائياً للماء حلات ثلاث أضافت لها الشاعرة بسلطة الشعر حالة معنويّة رابعة ونحن في حضرة قصيدة ولا سلطة تعلو فوق سلطة الشعر (قولوا : تمام يا فندم) (شكراً ) وإن صحّت قراءتي ، فلا أملك إلا أن أقول طوبى لمالك الحزين ما أكثر حزنه وما أشدّ حيرته تعلمون أيضاً أن مالك الحزين يبقى يراوح فوق المسطّح الّذي جفّ ماؤه ولا يبرحه حتّى بعد جفافه يبقى مطأطئاً رأسه وحزيناً (كما يبدو) لذهاب الماء وجفافه حزين نعم ولكنّه لا يشكو من وجع الحيرة ، لأنّه يعرف أنّه يقف فوق يباس أرض جفّ منها الماء، وهذا الجفاف مألوف لديه أمّا مالك الشاعرة الحزين (أقصد مالك القصيدة) فإن حزنه مضاعف بسبب الحيرة، لأنه يقف فوق شيء لا يعرف ما هو ، شيء يشبه الجفاف، وهيهات أن نقنعه بأن ما يقف فوقه هو “قسوة الماء” غير المرئيّة والمدركة فيزيائيّاً بالحواس نعم كان يقف فوق ماء تحوّل بسلطة الشعر إلى حالة القسوة المعنويّة واستحال للرائي جفافاً نعم كان يقف على سطح قسوة الماء كان يقف على حالة شعريّة ! وهيهات أن يعي. الحديث فيما سبق كان عن الماء وعن حالاته الثلاث ولكنّ الشاعرة كانت تتحدث عن ماء العيون (البكاء) وهذا يجعل إضافة الحالة الرابعة معقولاً ومنطقيّاً
ألم تقل :
ففيم يستحيل بركة بكاه
نعم قالت وهذي بينّة قراءتي (ادّعائي) وعلى الشاعرة إن أنكرت اليمين، ولديّ بينّة أخرى سأحتفظ بها ، لأنّ قراءتي حريصة ولا تحبّ أن تكشف كلّ أوراقها، وبيّنتي الثانية وشاهد قراءتي هي مفردة “ضفاف” أيّ أنّ حادثة الجفاف الّذي نعرفه لم تقع ! ألم أقل لكم أنّني لطالما رفعت لها القبّعة ما اجمل الشعر !

(4)(قراءة المقطع الرابع)
………………………….
“ألا بسم الله الرحمن”
كما غنّى المرشدي* (رحمه الله)
نترك مالك الحزين يتسكّع على غير هدى أو يقين في مقطعه في القصيدة وهو يحاول سدى حلّ أحجية قسوة المياه الّتي كان يقف عليها ، ونعبر لنطرق باب المقطع الرابع علّ القراءة الّتي استعاذت من مخلوقات الهذو وأن يحضرون ، تقرأ وتوجب ما يجب
ومالَ ضوءُ وجهه على زجاج مِدفأة
وأشرفتْ يداه تتّكئ
على جذوع نارْ
وهنا أسمع صوتاً من تلقاء مالك الحزين يقول : من وقف على وقوفي على المبهم الجميل سيمرّ من هذا الشرك الجديد الّذي نصبته الشاعرة للقراءة : يا قراءة المدفأة من ذوات الصدر
(شكراً يا مالك)
مال ضوء وجهه على زجاجة قلب الشاعرة
والجذوع ضلوع
(نعم ضلوع ولكنّها في القصيدة كانت ترتجل ناراً وحريقاً)
مد يديه إلى نارها لتطرد عنها رجفة البرد
يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تحنّ؟
إن صدق تخميني وتأويلي ، فلا عذر ليديه بعد هذا القِرى (قرى النار الّتي وقودها الضلوع) الّذي أولمت به الشاعرة قربة شعر لبرد يدي لصاحب المعنى
وقرباناً كي يستحي (البرد) ويكفّ عنها لعلّها بعد كلّ هذا تحنّ

(جميل جدّاً)
،
(جميل جدّاً ولكن)
لكي تشابهَ الغصونَ في حديقة الغيابِ إذ تجفّ
ترى لماذا تريد الشاعرة ليديه أن تشابه غصوناً في الحديقة حين تجفّ ؟!
(صوت ثاني لكنّه من تلقاء القراءة هذه المرّة يقول : “فيتو”)
وأنا أؤيّده بـ”فيتو” ثان
صادق عليه السطر الّذي سبقه ، ومشفوع بتأمين السطر الّذي يليه
يداه ما الذي
إنِ انتشى بلَمسِها البعيدِ يرتجفْ ؟
يا لروعة السؤال وشاعريّته
ويا لجمال التركيب الّذي زاده روعة وجمالاً، برحى لمخلوقات الهذو الّتي حبست ومرحى للشاعرة

(5)

قراءة ثانية لـ “لكي تشابهَ الغصونَ في حديقة الغيابِ إذ تجفّ

محاولة ثانية لمراودة هذا السطر عن معناه
علّ القراءة تعيد النظر في “الفيتو” الّذي رمته عليه

يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تحنّ؟
لكي تشابهَ الغصونَ في حديقة الغيابِ إذ تجفّ

وإذا ما اجتهدت وجعلت السطر الّذي سبقه منطلقاً لقراءة هذا السطر ومرجعاً للقراءة
أجد أنّ “لكي” تكررت في هذا السطر كما في السطر الّذي سبقه
مما يجعل السؤال “يداه ما الّذي يعوزها إذن” واجب التكرار
وعليه فقدر قرأت السطرين هكذا :
يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تحنّ؟
يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تشابهَ الغصونَ في حديقة الغيابِ إذ تجفّ ؟
حسناً
أصبح لدينا سؤالان بدلاً من واحد ، وهذا يوجب وضع علامة استفهام ثانية للسؤال الثاني

وبهذا تصبح إحالة السؤال الثاني على ما سبق السطر الّذي سبقه واجبه بسلطة “إذن”
حين قالت الشاعرة
ومالَ ضوءُ وجهه على زجاج مِدفأة
وأشرفتْ يداه تتّكئ
على جذوع نارْ
و”إذن” الّتي في السؤال تقول الكثير
تقول أنّ السؤال مبرّر جدّاً وشرعيّ وحقّ مكتسب للشاعرة بعد كلّ ما فعلت
وتقول أيضاً أنّ المعنى واضح جدّاً في وجدان الشاعرة
أين المشكلة إذن ؟
المشكلة أن المعنى أشكل عليّ وعلى القراءة ولم نستطع إجازته
(؛طيّب ؟)
حسناً دعوني أحاول مع هذا السطر مرّة ثانية
الإشكال في هذا السطر هو اختلافه عن سياق سواه من الأسئلة
الّتي طرحتها الشاعر على صاحب المعنى بعد حفلة النار التي أشعلتها الشاعرة لتطرد برد يديه وكانت ضلوعها هي الحطب
حسناً
حين تساءلت الشاعرة في هذا السطر :
يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تحنّ ؟
فهي كانت ترتجي بمفردة “تحنّ” ردّة فعل (معنى) إيجابيّة
وهنا وجدّتها تخاطب نفسها

وحين تساءلت في هذا السطر :
يداه ما الذي إنِ انتشى بلَمسِها البعيدِ يرتجفْ ؟
وجدّتها هنا تخاطب القراءة لكي تصيبها بعدوى التساؤل وتجعلها تتساءل معها
وفي الحقيقة هذا لم يكن تساؤلاً بقدر ما كان مديحاً وإكباراً للمسة يديه أرادت الشاعرة إحاطة القراءة علماً به
أي كأنّها تقول
:
أنّ كلّ من (ما) حظي (وانتشى) بلمس يدي صاحب المعنى بعيدتي الملمس سيرتجف
(وسأضع أيضاً من كيسي وعلى حسابي علامة تعجّب بعد علامة السؤال)
وهذا أيضاً معنى إيجابي
يؤّيد حكمي عليه بالإيجابيّة ما تلاه :
وما الذي
تبثه العيونُ في العيونْ
فتزدهي وتختلِف؟
ولا بدّ هنا من علامة تعجّب ثانية بعد علامة السؤال لأننا ما زلنا في أجواء مديح صاحب المعنى

نعود إلى السطر المشكلة :
يداه ما الذي يَعوزها إذن لكي تشابهَ الغصونَ في حديقة الغيابِ إذ تجفّ ؟
الغياب معنى سلبي
الجفاف معنى سلبي
ولكن
ولكن المشكلة في مفردة “تجفّ” وعلى ماذا تعود
إن كانت عائدة على الحديقة ، فإنّ المعنى الناتج سيكون سلبيّاً بما لا يتوافق مع باقي المعاني الناتجة عن غيره من أسئلة في المقطع
إذ أنّ الشاعرة تريد ليديه أن تشابه الغصون في حديقة تجف
وهذا يحيل المعنى إلى خانة الهدر

أمّا إن كانت “تجفّ” عائدة على الغصون (وهذا ما أودّه) ، فإنّ المعنى الناتج (حسابياً) سيكون إيجابيّاً وبما يتوافق مع المعاني الناتجة الأخرى
كيف ؟
(هكذا..)
الغياب معنى سلبي
الجفاف (الّذي يعود على الغصون) معنى سلبي
وفي الرياضيّات فإنّ سالب السالب موجب (أي حاصل ضرب رقمين سالبين هو رقم موجب)
وفي القصيدة (الشعر) فالشاعرة تريد بتساؤلها الإستفهامي ليديه أن تشابه الغصون الّتي تجفّ في حديقة الغياب لتورقا وتزهرا في حديقة أخرى (الحضور)
أي تريد أن تنهي وجودهما في الغياب وتعود بهما إلى الحضور
(وكلّ هذا بافتراض أنّ “تجفّ” تعود على الغصون)
.

وسأترك القراءة الأولى (صاحبة الفيتو) على حالها ، وأنشر هذه كقراءة ثانية
وكمحاولة لإنصاف المقطع الرابع

والقصيدة تعجب (بدون تشديد الجيم وبضم التاء)

(6)
قراءة المقطع الخامس)
…………………………….

أذاهبٌ!
غيابك القليلُ لا يفي
سأترككْ..
ْسأتركُ الزجاجَ والغيومَ والرصيفْ
وأنتفي
أنا التي سأختفي
وقد يجوزُ لارتعاشها يديكَ أن تجيءْ
وقد تصير غابةً يلفُّها دخانُكَ الكثيفْ
دخانكَ ال يلفلفُ الجذوع َ يرتفعْ
وتدخل العيون ُ في ضبابه ِ تضيء
وتدخلُ البروقُ يلتمعْ ْ
دخانك البطيءْ
ووحدها يداي لن تجيءْ

بسم الله

أذاهب !
غيابك القليل لا يفي (وعلامة تعجّب تحيّة من القراءة)
سأتركك (نقطتان)
والنقطتان قد تعنيان الحركيّة في استمرار الشاعرة بفعل ما ألزمت نفسها به بسين التسويف الّتي سبقت “أتركك” ، ولكنّهما تعنيان على وجه التأكيد والجزم أنّها في كلّ خطوة كانت تلتفت وراءها لترى وقع كلامها وذهابها على صاحب المعنى
وما أجمل ما أوحى به هذا الكلام !
وما أوحى لي إلا بأمّ برمت من شقاوة طفلها ومشاغبته ، فهددته بتركه والذهاب عنه ، واختبأت خلف الباب تتنصّت عليه وتراقب ردّة فعله (وهذه مجرّد صورة متخيّلة للمقاربة ولا علاقة لها بمعنى الشاعرة الحقيقي)
لن تتركيه يا شاعرة
والكلام الّذي قمت بتوزيعه على ثلاثة سطور لن أقرأه إلا بنفس واحد وبسطر واحد حتّى لو قمت بتوزيعه على سبعة سطور ، هكذا :
أذاهبٌ
غيابك
القليلُ
لا
يفي
سأترككْ
..”
(أمّا النقطتان ففي سطر واحد لأنّ “الترك” لا يكون إلا بمسير أفقيّ هكذا ..)
حتّى لو كانت ألف كلمة فإنّها يجب ألا تقرأ إلا بسرعة وبنفس واحد وبسطر واحد
أي كأنّنا نقرأ سطراً من حرفين
ولكن “ساتركك” الّتي ارادت الشاعرة أن توصلنا لها بسرعة فيجب أن تقرأ بتمهلّ شديد مثلما لو كنّا نقرأ عشرين سطراً
أي كأنّنا نقرأ حرفاً من سطرين
لا أدري إن كانت الشاعرة قد أفلحت مع صاحب المعنى بما قالت ، ولكنّها لم تفلح (وهي وجه فلاح) مع قراءتي الّتي أوجعها سؤالها التعجّبي “أذاهبّ” وتبرير عدم عدالة ذهابه بـ”غيابك القليل لا يفي” ، وبدون إعطاء كليمها أي فرصة للردّ أردفت بقرارها “سأتركك”
لا ادري لماذا تخيلت أنّها قالت ما قالت وهي مغمضة العينين ، كأنّها لا تريد لأي مؤثّر خارجي يمنعها من الوصول إلى “ساتركك”
(حلو؟ ، يحلّي أيامكم)
سأتركُ الزجاجَ والغيومَ والرصيفْ
والحمام وطعم صوته والمقصف والقهوة والطاولة وحديقة الغياب
ومالك الحزين ، وأكثر من نصف القصيدة
نعم سنبدأ بالنصف الثاني (أو الثالث !) من القصيدة
نعم
فالقصيدة الرائعة نصفاها أكثر من نصفين
(لا عليكم فهذي قسمة الشعر ، وقسمة الشعر عادلة رابحة)
وأنتفي
أنا التي سأختفي
في القصيدة يا شاعرة ، في القصيدة فقط
وليس أبعد من “خلف الباب ” يا أمّ ذاك الصبي”
أمّا صاحب المعنى فليس هنا ولا يقرأ هذو قراءتي
فمن المفيد إذن أن تكون القراءة محايدة وتحتفظ بحكمها على نوايا أهل القصيدة لنفسها
وعليه دعوني اتحفظ قليلاً على صورة أمّ الصّبي الّتي هذت بها قراءتي

إذن لدينا الآن ثلاثة قرارات في هذا المقطع : الترك ، النفي ، الإختفاء
وقد يجوزُ لارتعاشها يديكَ أن تجيءْ
يداه الّلتان اشرفتا على جذوع نار
يداه اللتان لم تعرف الشاعرة ما الذي يعوزها لكي تحن
يداه اللتان لم تعرف الشاعرة ما الذي إن انتشى بلمسها البعيد يرتجف
يداه اللتان أرادتهما الشاعرة أن تجفّا في حديقة الغياب
(يبدو أنّنا تجاوزنا تخوم نصف القصيدة الثاني وبدأنا في المسير في نصفها الثالث)
والشاعرة ما زالت تقرأ حرفاً من سطرين
وقد تصير غابةً يلفُّها دخانُكَ الكثيفْ
تصير غابة ؟
يداه ؟!
كيف ؟
ودخان كثيف ؟
من أين ؟
“كيف ، ومن أين” استحضرتا لذهني صاحبيّ السجن ، وعلى يوسف السلام
ولا اعلم أنّ هناك أيّ رابط بينهما ، الّلهم إلا من جهة سهولة التاويل
لا ليس سهولة التاويل ، بل من جهة تذكّر ما أوردته القصيدة في نصفها الأوّل
يداه تصير غابة ، كيف ؟
هكذا لأنّهما شابهتا الغصون الّتي تجفّ في حديقة الغياب
والدخان الكثيف ، من أين ؟
ألا تذكرون حين أولمت الشاعرة ليديه وأعدّت لهما مأدبة من حريق ضلوعها الّتي اتّكأت عليها يدا صاحب المعنى
(شكراً لأنّكم ما زلتم تتذكرون )
دخانكَ ال يلفلفُ الجذوع َ يرتفعْ
وتدخل العيون ُ في ضبابه ِ تضيء
وتدخلُ البروقُ يلتمعْ ْ
دخانك البطيءْ
ووحدها يداي لن تجيءْ
ولكن يبدو أن يدي صاحب المعنى أتّكأتا على الضلوع المشتعلة أكثر مما يجب وأكثر من حاجة بردها ، فوقعت حادثة الدخان الّذي بدأ في الإرتفاع
ولكن حركة ارتفاعه تمهّد لمشهد شعري قوامه الحركيّة في الأفعال
يرتفع
تضيء
يلتمع
يرتفع الدخان
وتضيء العيون نتيجة دخولها في ضبابه
ويلتمع (دخانه البطيء) بفعل دخول البروق
وتختم أمّ الصّبي هذا المشهد الحركي الرائع بصوت خافت يأتي من تلقائها وهي منفيّة ومختفية وراء الباب ، ولا يمكن قراءته إلا بمنطق الحديث الّذي يقال دائماً بمنطق خطاب موجّه للصغار :
ووحدها يداي لن تجيء
تمام ؟
(لا والله مش تمام)
لأنّ “لن” هذه أربكت القراءة. ولكنّي عزمت على القراءة أن تقرأ بحسن نيّة ، وألا تقفو ما ليس لها به علم
إذن
سيجيء كلّ شيء ما عدا يداها
ولكن لماذا خاطبت صاحب المعنى بصيغة التهديد الجميل وقالت له (وهنا دعونا نستحضر السطور الأولى والّتي قلنا عنها بأنّها سطراً من حرفين) ، قالت لصاحب المعنى :
حسناً أتريد الذهاب ، وغيابك القليل ألم يف ؟، ساتركك ، وأنتفي وأختفي
لا بأس إذن
فسيأتي ويجيء كلّ شيء إلا يديّ
الشاعرة بهذا تريد أن ترسّخ في وعي القراءة ما تشكّلها يداها من ضرورة وأهمية لديه.
ولكن بعيداً عن هذا
ما رأيكم في :
وتدخل العيون في ضبابه تضيء
أليس سطراً مدهشاً وقال الكثير الكثير ؟!
تذكّرت أنوار السيّارة الّتي حين تعبر في الضباب يقوم صاحبها بإنارة المصابيح كي يتمكّن من الرؤية
صورة رائعة
بوركت الروح الشاعرة

تنويه : أرجو ألا يعلق مصطلح “أم الصّبي” في ذهن القراءة طويلاً ، فهو خاص فقط بالسطور الّتي حاولت القراءة مقاربتها ، وليس له علاقة بتاويل او تخمين شخصيّة أو كينونة صاحب المعنى.

(7)
(قراءة المقطع السادس)
…………………………………

بعيدةٌ..
فلا تَشُدَّنيْ لأقتربْ
لأسألَكْ
ولا تلامسِ الشموعَ في أصابعي
ولا تحاورِ الدموعْ
وليس لي..
وليس لكْ..
وإنَّما
مباركٌ على دمائنا الصقيعْ

بعيدة .. فلا تشدّني لأقترب
تذكرون حين قالت الشاعرة في المقطع السابق :
“أذاهب ، غيابك القليل لا يفي ، ساتركك .. ، سانتفي ، وأختفي”
حسناً فلنتابع إذن
بعيدة ..
تتبعها نقطتان ، وكأنّ الشاعرة بهاتين النقطتين تغمز للقراءة وتقول لها لا تصدّقي ما قلت ، فهذا
الكلام أقوله بمنطق صاحب المعنى (من خلف الباب الّذي اختبأت وراءه) ، ولو كنت بعيدة بما يكفي لوضعت النقطتين قبل “بعيدة” أو لحذفتهما
وشاهد ثان
“فلا تشدّني لأقترب”
كيف تكون بعيدة وثوبها في متناول يدي صاحب المعنى !
ولكن هل قام صاحب المعنى بشدّ ثوبها لتقترب ويستبقيها عنده ؟
لا لم يفعل ، ولكنّها قالت ما قالت وكأنّها ترجوه أن يفعل !
صورة جميلة جدّاً
ويمكن اعتبارها دليلاً قاطعاً على أنّ الشراكة بين الكتابة والقراءة تكون دائماً مثمرة
وعلى أنّ رهان الشاعرة على تفاعل القراءة مع قصيدتها كان رهاناً موفّقاً إذ انتج هذه الصورة الشعريّة الرائعة ، وجعل معناها ممكناً
ألم أقل لكم أنّ القراءة هي من يجعل القصيدة ممكنة
نتابع
مهلاً وقبل ان نتابع
ماذا لو كانت اليدان هنا مجازاً ، وصاحب المعنى بعيد؟
لو كانتا مجازاً فإنّ هذا سينسف تأويلي السابق ، لأنّ المجاز عابر لمنطق المسافة وللزمان والمكان ولأيّ منطق آخر محدّد ومحكوم بالواقعيّة
ما رأيكم أن أحاول ترميم الضرر الطفيف الّذي حصل في القراءة
وأستدرك على تاويلي السابق بتثبيت النقطتين بعد “بعيدة”
وأصدّق كثيراً أن مجاز يديه يستطيع وبكلّ سهوله تجاوز عائق المسافة ليشدّها من ثوبها ، كما يفعل من يريد أن يستبقي عزيزه إذا همّ بالرحيل
(ألم أقل لكم أنّ القراءة تهذي احياناً ..)
نتابع

“لأسألك”
!
!
تسأله عن ماذا ؟
لا أدري !
فالقصيدة فيما تبقّى منها لم تفصح عن شيء
ولكنّني سأجتهد بمقولة أنّ القصيدة يشرح بعضها بعضاً ، وعليها سأكف عن التخمين وأعود لما سبق مفردة “سأسألك” ،ولعلّي أجتهد أنّها ستسأل (مخاطبة صاحب المعنى) :
ففيم يستحيل بركة بكاك ؟
يداك ما الّذي يعورزها إذن لكي تحن ؟
يداك ما الّذي يعوزها لكي تشابه الغصون في حديقة الغياب إذ تجف ؟
يداك ما الّذي إن انتشى بلمسها البعيد يرتجف ؟
وما الّذي تبثّه العيون في العيون فتزدهي وتختلف ؟
أمّا
“أذاهب ! ، غيابك القليل لا يفي”
فإنّ القراءة كشريك رسمي للشاعرة في هذه القصيدة قد قرّرت إضافة علامة سؤال قبل علامة التعجب ، وقررت إضافة هذا السطر إلى قائمة الأسئلة :
أذاهب ، غيابك القليل لا يفي ؟!

“ولا تلامس الشموع في أصابعي”
!
وأرجو هنا أن تذهبوا إلى قراءة المقطع الأوّل وأن تجيبوا على تساؤلي حين تساءلت :
ترى كيف تجيء شاعرة من أصابعها ؟
نعم فقد جاءت من أصابعها (الخمسة على الأقل) على هيئة شموع (خمسة على الأقل)
لنومه في بروجه المقفلة
وربّما
وربّما
أيضاً لتجوس بها جبينه
كما جاء في المقطع الثاني

“ولا تحاور الدموع
وليس لي ..
وليس لك ..
وإنّما
مبارك على دمائنا الصقيع”

“وإنّما” لا يمكن أن تعود أو تشير إلا إلى ما بعد “أن” الّتي افترضتها القراءة بعد “وليس لي و ليس لك”
هكذا
وليس لي أن ..
وليس لك أن ..
وليس للقراءة أن تخمّن ما بعد “أن” إلا كلاماً يدور في فلك هذا العتاب الجميل وفي سياقه
أمّا “الصقيع”
الّذي باركته الشاعرة على دمها ودمه ، فأعتقد أنّها تقصد صقيع المنافي لها
وصقيع يدي صاحب المعنى الّذي حاولت الشاعرة أن تطرده عنها بإشعال ضلوعها ، والّذي سيعاود يديه لا بدّ بعد قرار الشاعرة في الذهاب والمغادرة.

هذا ما للقراءة من براء ذمّة
وللشاعرة ما في صدرها

.
.

وسقى الله قبر ليلى بنت لكيز الّتي قالت
:
تزوّد بنا زاداً فليس براجع
إلينا وصال بعد هذا التقاطع
وكفكف باطراف الوداع تمتّعاً
جفونك من فيض الدموع الهوامع
ألا فاجزني صاعاً بصاع كما ترى
تصوّب عيني حسرة بالمدامع

ولعلّ شاعرة أشيائها في حلب تقاطعت معها في بعض أشجانها ومواجعها
لعلّها

…………………………………………

وأنتفي لأتركَكْ..
لأستريحْ

(8)

قراءة في مطلع المقطع السابع والأخير)
……………………………………………….

“وانتفي لأتركك.. لأستريح”
احتراماً لهذا السطر ولما حواه من شعر أفردت له هذه القراءة المنفصلة
(وقبل ان أبدأ أرجو ممّن يتابع هذه القراءة أن يعود لقراءة القصيدة ، وحين يصل إلى نهاية المقطع السادس وقبل ان يشرع بقراءة المقطع الآخير أن يتوقّف لبرهة فيما يشبه فاصلاً صوتيّاً قبل أن يقرأ “وانتفي لأتركك” قراءة تشبه حديثه لنفسه ، وأن يتوقف لبرهة ثانية قبل ان يواصل)

هذا السطر ارتقى بالقصيدة إلى مستوى جديد
هذا السطر بثلاث كلمات حمل الكثير من الشعر ، ولكنّ هذا الشعر لن يحدث (برأيي المتواضع) إلا بقراءته بالطريقة الّتي أاقترحتها عليكم
هذا السطر أفشى سرّ الشاعرة وكلّ رموز وأسرار حوارها السابق واللاحق
أتعلمون لماذا ، وكيف ؟
لأنّه ببساطة أشار إلى المكان الّذي دار فيه الحوار الّذي قرأناه في القصيدة
،
“القصيدة الحقيقيّة تستريح (أو تتكّئ) بين الكلمات”
وهذا الكلام ليس من عندي بل هو مقولة للكاتبة والممثّلة الأمريكيّة من أصول إيطاليّة
“فانا بونتا” قالته في معرض حديثها عن الشعر وفي محاولة لتعريفه ، حيث قالت :
“The true poem rests between the words”
وبقدر ما أطربتني مقولتها ، بقدر ما كنت أتمنى أنّي كنت عندها لأقنعها بإجراء تعديل طفيف عليها لتصبح
:
الشعر الحقيقيّ يتسكّع بين الكلمات
(لكن يالله مالها نصيب )

واحتراماً لمقولتها ، أقول أنّ هناك قصيدة حقيقيّة ثانية كانت تغفو بين كلمات السطر الّذي اشرت إليه
ولن تصحو أو تحدث إلا بقراءة مخلصة لهذا السطر
ولا يمنع أن أضيف بأنّي صادفت الكثير من الشعر الّذي كان يتسكّع في هذا السطر

،

“وأتركك لأنتفي ..”
وكم كنت أتمنى أن يبدأ هذا السطر بنقطتين أسوة بالنقطتين الّلتين انتهى بهما
هكذا
.. وأتركك لأنتفي ..
أو هكذا
( ………. ) وأتركك لأنتفي ( ………. )
كفاصلين صوتيّين
والشعر إنشاد
والإنشاد صوت
والصوت كان صمتاً
والصمت صوم كسر صيامه بحروف مغمّسة بنفَس
والصمت قوّال
وكلمتان في خضّم صمت كثير ندرة
ندرة يحتفي بهما الصمت ويقولهما كثيراً
يقولهما في قصيدة
والصمت قوّال (إن أحسنت الإنصات له)
،
ترى أين تذهب أصواتنا الّتي لا يسمعها أحد ؟!
^
(بين قوسين سؤال شخصي خطر لي الآن ..)
،
وهذا السطر شكّل مفصلاً مهمّاً في القصيدة ، لأنّ الشاعرة كانت تقوله بصمت وهي مغمضة عينيها (كما تودّ القراءة) فيما يشبه انكفاء وارتداداً للداخل
ولن أحاصركم بتأويلي وقراءتي أكثر من ذلك

(بعد إيش؟)

كلّ ما تقدّم كان اجتهاداً من القراءة لتبرير وتوضيح سبب إفرادي لقراءة منفصلة لهذا السطر الّذي أصابني بمساسه وأثّر في وجدان القراءة كثيراً
وعلى هامش هذي القراءة ، لعلّي أقول ، وبرأيي المتواضع: ” إن طريقة كتابة النصّ وتوزيع كلماته على بياض الورقة مهمّ جدّاً ، ويؤثّر كثيراً في كيفية تلقّي هذا النصّ وقراءته”

والسلام على حضرة شاعرتنا الثناء

(9) (قراءة المقطع السابع والأخير)
…………………………………………

“وأنتفي لأتركَكْ..
لأستريحْ
وأترك الغيومَ في وسادتي لريحْ..
وأنتفي
وحيدةً وعابرة
هزيلةً كشهقةِ الغريق
وحينما تَمُرُّ بي
تَّمُرُّ بي كنَجمةٍ مسافـِرةْ
سَأفسَحُ الطريقْ”

“وأنتفي لأتركك..
لأستريح”
ليس لديّ الكثير لأضيفه إلى قراءتي السابقة لهذا السطر سوى التأكيد على أنّه سطر مدهش وقصيدة انبثقت وولدت من رحم هذي القصيدة
ولعلّ لاميّ التعليل تقتضيان أن نقرأ هكذا :
وأنتفي لأتركك
وأنتفي لأستريح
أنتفي وأتركك وأستريح
ثلاثة أفعال قاسمها المشترك أنّ فاعلها واحد
نحويّاً الشاعرة هي الفاعل لهذه الأفعال الثلاثة
فعليّاً وعلى وجه التحديد في “أنتفي” و”أتركك”
لم تكن الشاعرة أكثر من نائبة فاعل ، أو فاعل منقوص السلطة
“وأنتفي”
فعل مضارع قامت به الشاعرة كردّة فعل لفعل سبقه لفاعل أقوى وأعلى منها سلطة
أي أنّها قامت بردّة فعل لفعل لم يترك لها فاعله المجهول إلا خيارات محدودة أحلاها مرّ
فاختارت أن تردّ عليه بفعل النفي أو الإنتفاء
إذن لن أحمّل الشاعرة وزر قرارها بالإنتفاء لأنّها أمام سلطة أقوى منها ، وهذه السلطة (الفاعل المجهول) تتحمّل وزر فعلها ، أو بمعنى ادٌقّ وزر ردّة فعلها
ممّا يقتضي معاملة فعل “وانتفي” معاملة المبني للمجهول ، والشاعرة نائبة فاعل مرفوعة بكفّين يلهجان بشرح الحال وقول الحكاية وبإنشاد القصيدة
وما يسري على “وأنتفي” يسري بالضرورة على “وأتركك”
إذن
نحن أمام نموذج أو حالة مؤطّرة سلبت ممّن أجبروا على العيش بداخله الإرادة بقرار من قوّة أكبر وسلطة أعلى ، وعليه فإنّهم لا يتحمّلون نتيجة الأفعال الّتي يقومون بها داخل هذا الصندوق أو هذا النموذج
وعليه دعونا نترك منطق النحو والصرف جانباً ، ونتعامل مع أفعالهم بمنطق خاص يليق بهذه الحالّة الخاصة
(طيّب ؟)
“وأنتفي لأتركك”
إذن الشاعرة ستقوم بهذين الفعلين مرغمة مكرهة وغير مختارة
هل كان صاحب المعنى مع الشاعرة في هذا النموذج (نموذج القهر) ؟
نعم
لماذا كانت الشاعرة تهدّده بأنّها ستنتفي وتتركه إذن ؟
الجواب طويل ، وموجع جدّاً !
الجواب واضح جدّاً في رأسي ، ولكن الأكثر إيلاماً أنّني لا أثق أنّ لغتي ستتمكّن من شرحه وترجمته
شأنه شأن الكثير من المعاني ألّتي تذبحنا وتعجز لغتنا عن شرحها وترجمتها
المعاني المؤلمة تتحدث دائماً بلغة مختلفة لا تشبه لغتنا !!!
لغة لا نعرف من رطنها إلى وجع حزّ نصلها في أوردتنا ، ولا نستطيع أن نفهم ونعرف حجم الضرر الّذي أحدثه هذوها إلا حين نرى نزيفنا ، فنقول هذي الدماء نعرفها !!
(المعذرة لهذا الفسلفة)
والجواب هو
كلّما ضاقت المساحة زاد احتمال تقاطع الأشخاص وارتطامهم ببعضهم البعض
فيتعاتبون ، ويتشاجرون لكي يتصالحوا ، فيتقاطعون ويرتطمون ببعضهم من جديد ، لا لشيء سوى ليتعاتبوا ويتشاجروا ليتصالحوا …
لتزجية الوقت ربّما
أو كما يقولون في الشام (فشّة خلق)
نعم
(فشّة خلق)
فالصندوق (النموذج) الّذي يحتوي الشاعرة وصاحب المعنى
ضيّق جدّاً بالمقارنة بالشاسع الوسيع
ضيّق جدّاً بحجم صدر مكتظّ بأوجاعه وبصور وأصوات أحبته ، ومسكون جدّاً (إن جاز التعبير) بالبيوت والشوارع والناس وصباح خير الصباحات والفصول والمطر
وبروائح توابل حلب وقهوة صباحاتها ، وبالغناء والقدود والياسمين والحمام والأحلام والشام ..
ضيّق جداً لكنّه مكتظّ بالدنيا
ضيّق جدّا بحجم صدر وسع الدنيا وضاق عن أنفاسه
(فشّة خلق) !
نعم
كلّ هذا الحوار حدث في صدر الشاعرة
وكلّ هذي القصيدة كانت صدى لهذا الحوار ودخاناً لحريقه
(حريق ضلوعه)،

“لأستريح”
أعلّل النفس بالآمال أرقبها …..
،

” وأترك الغيومَ في وسادتي لريحْ..
وأنتفي
وحيدةً وعابرة
هزيلةً كشهقةِ الغريق”

تتذكرون الشاعرة الحلّاجة الّتي جاءت من أصابعها في مطلع القصيدة لتندف الغيوم وتفزع الحمام
ها هي في ختام القصيدة قرّرت كنائب فاعل كما أسلفنا لفعل الترك أن تترك قطن الغيم وعبّأته في وسادتها للريح تطيّره وتذهبه أدراجها
وتنتفي وحيدة وعابرة ، هزيلة كشهقة الغريق
ولا أدري لماذا “استدعت “شهقة الغريق” السيّاب رحمه الله وقوله :
“جوع إليه كجوع كلّ دم الغريق إلى الهواء”
(طوبى للشعراء)

” وحينما تَمُرُّ بي
تَّمُرُّ بي كنَجمةٍ مسافـِرةْ
سَأفسَحُ الطريقْ”
وحينما تمرّ بي فإنّ مرورك ليس كأي مرور ، وليس على هيئة مرور “هريرة” في قصيدة الأعشى “مرّ السحاب لا ريث ولا عجل” ولعلّ مرور النجمة المسافرة هو من استدعى “مرّ السحاب” في ذهني
بل أن الشاعرة أرادته في قصيدتها أن يمرّ كنجمة مسافرة
وأنبأته أنّه حين يفعل ذلك فإنّها ستفسح الطريق
وما أجمل هذه الصورة الّتي اقتنصها الخيال في وضع الطيران
فالمعنى الّذي تقمّص دور نجمة مسافرة سيمرّ بشاعرته الّتي ستصادفه في الأعلى وستفسح له الطريق
وما أحوج هذا السطر إلى نقطتين كنقطتي نزف تفيدان بأنّ القصيدة والنزف ما زالا يواصلان الحدوث في صدر الشاعرة ووجدانها
وعادني في هذه اللحظة ، صوت لهدبة بن الخشرم يقول :
فإن يك صدر هذا اليوم ولّى
فإن غداً لناظره قريب
نعم
فهذي القصيدة الرائعة لن يتمّم نصاب روعتها إلا نهاية مفتوحة لا تفضي إلا إلى عود على بدء ، ودوران يدور على دوران ، وفي كلّ دوران تجدّد نفسها ممّا يتيح للمعنى فرص كثيرة لإعادة إنتاج نفسه ، ومخاضات جديدة لكي يولد من جديد
ويواصل صوت هدبة إنشاده
وتدوير معناه (لأنّ هذين البيتان يمنعان القراءة من الذهاب إلى آخر القصيدة بفعل الدوران نتج عن فعل رياح الشمال وجواب رياح الجنوب) :
ألا ليت الرياح مسخّرات
بحاجتنا تباكر أو تؤوب
فتخبرنا الشمال إذا أتتنا
وتخبر أهلنا عنّا الجنوب

(وطوبى للشعراء)

والف مرحى
لشاعرتنا الإستثنائيّة الّتي قرّرت ألا تشبه أحداً في الشعر
وأبت إلا صوتها الخاص ، وقصيدتها الّتي تشبهها

وأنا إذ أبارك لها هذي القصيدة بهذا الإيقاع المختلف ، أتمنى أن أكون قد وفقت بقراءتي ومقاربتي لها
وأعتذر عن أي هذو أو سهو ، وعن تواضع وقصور هذه القراءة
وفوق كلّ هذا
فرحي الكثير كوني كنت شاهداً على ميلاد هذه القصيدة بعد نشرها في الفينيق، وعلى مغامرة تجريب إيقاعها الجميل الّذي أحيّي شاعرتنا عليه

وسلام على حضرة ثناء في الكاتبين
وعلى حضرة معناها في المنتظرين
وتبّت يد هشّت الحمام ونفته من بروجه
وذبحت الياسمين

تمّت بحمد الله
وبالصلاة والسلام على نبيّه ورسوله

*القراءة منشورة في أكاديمية الفينيق http://www.fonxe.net/vb/showthread.php?t=77175

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

حدود القصيدة

د. علي الدرورة | رئيس منتدى النورس الثقافي الدولي هل للقصيدة حدود؟، نحن نعلم بأنّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: