من نوادر الشعراء

خالد رمضان| تربوي مصري – عُمان
الشعرُ ديوان العرب، وسجلُّ مفاخرها، ومٱثرِها، ناهضوا به الأممَ، وبلغوا به القممَ، رفع شأنَهم، وخلّد ذكرَهم. والمتأملُ في حياة هؤلاء سيجدُ ولا شكّ بونًا شاسعا بين ما وصلوا إليه، وما نحن عليه، فقد قالوا وأطالوا، وأبدعوا، وارتجلوا، وأحسنوا، ومما يُروى في ذلك.
أن الشاعرَ الأموي كثيّر عزة دخل على الخليفةِ الأموي عبد الملك بن مروان، وكان كثير عزةَ شاعرا مجيدا ملأ شعرُه الدنيا، وجاب الٱفاق شهرةً ومجدا، فلما دخل على الخليفةِ فكأنّ الخليفة استقله، واستصغر شأنه لأنه لم يكن ملء السمع والبصر، بل كان نحيفا ضعيفا قليل الجسم ، فقال له الخليفة مستهجنا : أأنت كثير عزةَ ؟! فأجاب الشاعرُ: نعم، فقال الخليفة: (أن تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه)، وهذا المثل يقال لمن علا ذكره، وساء شكله، وشانت خِلقتُه، فردّ عليه كثير عزةَ قائلا: (يا أمير المؤمنين، كلٌّ عند قومه شامخُ البناء، رحب الفناء، عظيم الثناء)، ثم أنشد يقول:

ترى الرجلَ النحيفَ فتزدريه
وفي أثوابه أسدٌ هصورُ
ويعجبُك الطريرُ إذا تراه
ويخلف ظنَّك الرجل الطريرُ
بغاثُ الطير أطولها رقابا
ولم تطل البزاةُ ولا الصقورُ
خشاشُ الأرض أكثرها فراخا
وأم الصقر مقلاةٌ نزورُ
وقد عظُم البعيرُ بغير لُبّ
فلم يستغنِ بالعِظم البعيرُ
يُنوّخُ ثم يُضربُ بالهراوة
فلا عُرفٌ لديه ولا نكيرُ
فما عِظَمُ الرجالِ لهم بزينٍ
ولكن زينَهم أدبٌ وفيرُ

فأُعجب الخليفة به، وقربه إليه.
ويُروى أن أحد الشعراء دخل على أحد الأمراء، فهاله الموقف، موقف الأمير وبهائه، وحرسه، ومكانته، فبدلا من أن يقول للأمير: كيف أمسيت؟ قال له : كيف أصبحت؟
فقال له الأميرُ: أصباحٌ هذا أم مساء ؟
ولكن الشاعر كان حاضر الذهن، يقظ الفكر، فاستدرك قائلا:

صبحته عند المساء فقال لي ما ذا الصباحُ وظن ذاك مزاحا
فأجبته إشراقُ وجهك غرني حتى تبينت المساء صباحا

فأُعجب الأمير بسرعة بديهته، وقربه إليه.
وهكذا تتجلى عبقرية الشعراء في مواقفَ عدةٍ ، أذ كيف يخرجون من هذي المواقف المحرجة بذكاء ودهاء وسرعة فائقة.
وفي المقالات القادمة سنذكر مواقف مشابهة لهذه المواقف، وفقنا الله وإياكم لكل ما يحبه ويرضاه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى