فلسفة الأسرة في الإسلام

محمد عبد العظيم العجمي | كاتب مصري

 

يتضاءل حجم الأسرة في النظم الغربية (المادي والمعنوي) حتى يصل إلى هذا الكيان (المجتمع) ـــ وليس المؤتلف ــ حسب قوانين الحتمية الطبيعية التي جمعت الأب والأم مع الأولاد وربطت بينهم برباط واه يكاد ينفك كلما تراكمت عليه عوامل الزمن وتباعدت المسافات، فما إن يستقل الأولاد بحياتهم المادية والاجتماعية حتى تبهت هذه العلاقة شيئا فشيئا ـــ وقد تنقطع ـــ وقد يمتد بعضها بهذا الوهن الذي يشبه وهن بيت العنكبوت؛وقليل من هذا العلاقات يدوم، وكثير منها ينفك قريبا ثم تستمر تحت ظل الرباط الذي إذا عقد لا ينبغي له أن ينفك طالما عقدته السماء (كما يدعون).!!

أما في النظام الإسلامي الذي أراد أن يؤسس ويؤصل لهذا الكيان لعظم ما يقع عليه من مهمات وما يعتريه من ملمات، وعظم ما يستقبله من تبعات الحياة؛ فإن الشارع في الإسلام قد تولى إقامته بنفسه، وعقد رباطه الذي سماه “ميثاقا غليظا”؛ وقد تتبع خطوات إشادة هذه الصرح قبل وبعد التأسيس؛ والقيام عليه وتقعيد القواعد الأصولية لإدارته بعد إقامته، ثم تولى ما يتفرع عنه من الذرية والفروع والأحفاد.. بل وقد حض على صلة ما يتأتى على هذه العلاقة من علاقات ووشائج أسرية (أرحام) واجتماعية، فسمى [الأب والأم والأخ والأخت والعم والعمة والخال والخالة والجد والجدة].. ثم من بأن جعل منا الأنساب والأصهار والأختان والحفدة [الحفيد: هو ابن الإبن أو الختن ــ والختن هو: قريب الزوجة ــ الصهر: زوج الإبنة أو زوج الأخت].

“وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)” [الفرقان].

وقد منّ الله على خلقه بهذه النعم السابغة المميزة فقال “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)”[النحل]، ومن لطائف الإشارات في الآية أن الله ربط بين الرزق من الطيبات وبين الأزواج والبنين والحفدة، مما يسترعي أن الرزق قد يكثر مع الأولاد وغير الأولاد .. لكنه لا يطيب ولا يهنأ ولا يمرأ إلا مع الأزواج والأولاد والذرية والحفدة، وهذا من عظيم منة الله على خلقه، وخطاب آخر لمن يربطون بين سعة الرزق وقلة الأولاد، فهذا تعلق فاسد لا يستقيم مع معنى الآية، وإن استقام فقد يتحقق مع الكثرة دون القلة.

هذا الإنسان الذي يدلف إلى الحياة وحيدا ضعيفا قليلا صغيرا، ما تلبث أن تمر السنون غير الطوال، حتى يصير في منعة ونعمة وعزوة وعز، ومال وعصبة، ورئاسة وريادة .. كل هذا في زمن لا يتعد الأربعين أو الخمسين سنة..في صحيح مسلم عن أبي هريرة قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ ثم ذكر الحديث فقال يقول الله لعبده يوم القيامة “فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ(معنى: فلان) أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ، وَتَرْبَعُ، فَيَقُولُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟.. الحديث”.

لقد نظر الإسلام إلى الأسرة على أنها:[ذلكالكيان المجتمع المؤتلف المستمر المنضبط بضوابط الشرع والأخلاق والقيم، والمرتبط بهذا الميثاق الغليظ]، والممكن في تكوين المجتمع المسلم؛ ثم يستقبل من وارادات الحياة من الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية والاستراتيجية ما يجعله أصلب عودا وأشد باسا.. إنه كيان يؤسس لمجتمع قوي متماسك مترابط، وعدة استراتيجية وتنموية في السلم والحرب وردءا للدين وحفظا للعرض وصيانة لمكارم الأخلاق، وتعاونا على البر والتقوى.

وقد تعددت حكمة الله تعالى فيهذا الكيان الأسري: فمنها أن جعله لإعمار الكون والاستخلاف في الأرض “هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره” .. “وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم”، هذا عن الاستخلاف العام ، أما خصوصية الاستخلاف فهي التي جاءت في قوله “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)”[النور].

وكذا: لإقامة شرع الله وعبادته على الوجه الذي يرضيه “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، وقد من الله على عباده المؤمنين في أكثر من موضع بالكثرة بعد القلة، وهي الكثرة الناتجة من مصدرين المصدر الأول: الدخول في دين الله أفواجا من القبائل والملل المختلفة، والمصدر الثاني: فهو الذي ذكر في الآية من البنين والحفدة الناتجة عن الأسرة المسلمة.

وأما الكثرة فبرغم مجيئها في التنزيل مذمومة في مواضع، إلا أن هذا تبعا لما يصدر عنها من الإعراض والصد عند دين الله اغترارا بالقوة التي تتأتى من الكثرة ؛ لكن الله قد من علينا كذلك بالكثرة في أكثر من موضع مما يوحي أنها من نعمه وخيره الذي أرسله إلى عباده، من ذلك قول نبي الله شعيب لقومه “واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم”، ثم خطاب الله تعالى لنبيه بقوله “وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)”[الأنفال].

وفي الآية أيضا ربط بين النصر والكثرة والرزق من الطيبات مما يؤكد دلالة سورة النحل على أن العيش يطيب أكثر، وقد لا يطيب إلا مع الكثرة وهو ما عناه القرآن في آية أخرى بقوله “وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)”[الفرقان].

كما أمر الله بإعداد القوة لمواجهة أعداء الله، فجاءت كلمة القوة منكرة لتشمل عموم القوة التي منها (القوة البشرية )، التي لا تسطيع نظم ولا فلسفة إنكار أوليتها كقوة معتبرة ، وعامل معتبر في إعداد القوة،والتعويل عليها كعامل أولي من عوامل النصر والإنتاج واستمرارية الحضارة.

هذه اللبنة الاجتماعية التي اجتمعت ب “تخيروا لنطفكم”، ثم عقدت بهذا “الميثاق الغليظ”، ثم تسقى من معين المودة والرحمة والسكن، لا تعد هذا الإعداد اعتباطا ولا لتحقيق سعادة وقتية ولا متعة دنيوية عابرة، إنما أعدت هذا الإعداد المنتقى تحت سمع الشارع وبصره لا لشيء إلا للأغراض العظيمة، ولا ينظر إليها الشارع هذه النظرة البشرية الضيقة القاصرة:أنها كيان مجتمع لتحقيق أكبر قدر من الرفاهية الاجتماعية والمادية بأقل عدد من الأبناء.

إن المَهَمة أعظم من رفاهية مادية ومعنوية؛ فربما تمتنع الرفاهية والمتعة والبسطة في الرزق، ثم تنتج الأسرة ثمرة اجتماعية علمية يثرى بها المجتمع أكثر، ويصبح أقوم قيلا من هذه الأسرة التي ربيت في ظل الرفاهية .. ليست الرفاهية هدفا في تربية الأسرة المسلمة، وإن كنا لا ننكر أن المال عنصر قوّام في بناء الأسرة .. لكن الذين أقاموا حضارة الإسلام الأولى كانوا حفاة عراة رعاة للشاة والبعير، يجوبون أطراف الفيافي شمالا وجنوبا بحثا عن الماء والكلأ والنار.. فلما جاء الإسلام هدروا إلى حضارة فارس والروم الظالمةــ المصنوعة على عين ــ فاقتلوعوها وأقاموا بدلا منها حضارة علمت الدنيا العلم ونشرت دين الله ومكارم الأخلاق في ربوع الأرض، وحقق الله بها سنة الاستخلاف والتمكين؛ وإن كان أوائلهم قد خرجوا من الدنيا حفاة كما دخلوها.

هذه الفلسفات المستوردة التي تربط الإنسان بعوامل الإنتاج وتنظر للأسرة على أنها كيان مادي، قيمته بقدر ما يملك وينتج ويحقق من الاقتصاد فلسفات فاسدة، تخرج بالشريعة لدينا عن مسارها، كتلك التي ما فتأت تحرض المرأة حتى أخرجتها عن صيانتها بحجة (الحرية )، وهذه النظرة الضيقة القاصرة لا تحقق قوة ولا منعة ولا علما ولا حضارة؛ إنما تتحقق الحضارة آخرا بما قامت به أولا “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) “[الحجرات].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى