محكمة تجميد العدل العليا

المحامي جواد بولس | فلسطين

يوم الاربعاء الفائت ، وصلت ساحة المحكمة العليا، على غير عادتي، مبكراً ًبعض الشيء. كانت أخريات الصباح ترحل مثقلة بتناهيد الشرق، وشمس أيلول تتهيأ لتتوسط سماء القدس. كنت مترددًا كيف علي أن أواجه القضاة وبينهم سيجلس قاضيا مستوطن لا يخفي نوازعه السياسية بل يعبّر عنها، متخفيًا بمهنية زائفة، في عدة قرارات شارك في صياغتها، مخالفًا رأي الاكثرية فيها تارة، أو مضيفًا على رأيهم، من جعبته سهامًا واخزة، تارة أخرى.

سرت في الساحة التي كانت، على غير العادة، خالية من الناس. كانت جدران البناية الرخامية ترتفع شاحبة وكأنها أسوار سجن عتيق. لوهلة حسبت المكان مهجورًا، لولا حركة حارسين، من وحدة أمن المحاكم، جفلا حين دفعت زجاج باب المدخل الثقيل. ببرود واضح عرضت بطاقتي وتلوت على الحارس تفاصيل القضيتين المسجلتين باسمي، ثم قمت بشكل عفوي بعرض شارتي الخضراء التي تفيد بسلامتي من الكورونا، من على شاشة هاتفي؛ فسرّ الشاب من جاهزيّتي ومن كوني مواطنًا ملتزمًا. ثم سألني، متممًا واجباته الأمنية، ان كنت أحمل سلاحًا ؟ فمددت سبابتي باتجاه فمي فتابعها، بدهشة، ثم تبسم.

جلست على أحد المقاعد الخشبية وأمامي ينحني بهو المحكمة بقوس صخرية ضخمة، مستوحاة من شكل حائط الهيكل الكبير. كانت مضاءة من أشعة الشمس التي تسرّبت من نوافذ عاليه، وتدلت كأثداء من السماء، ثم ارتمت على رخام الأرض، فصار أبيض كلون الدهشة. حدّقت في الفراغ الفاهي وتذكّرت أن البناية اقيمت على هضبة لتكون أعلى من بنايتيّ الحكومة والكنيست المجاورتين، وذلك برمزية معمارية لسيادة القانون والعدل كما عبّر عنها الذين بادروا لانشاء المبنى؛ فالدهاليز فيها مستقيمة كما يتوجب على الحق والقانون أن يكونا، أو كما جاء في سفر المزامير “بارّ انت يا رب واحكامك المستقيمة”، وكذلك الدوائر استوحيت كرموز  توراتية لعلاقتها بمفهوم العدالة وحتميتها في الموروث الديني اليهودي.

كنت أقرأ عن حملة التحريض المستفزة ضد ترشيح قاضي المحكمة المركزية في تل ابيب، ابن مدينة يافا، خالد كبوب، أمام لجنة تعيين القضاة ليصبح قاضيا في المحكمة العليا. لقد بدأ التحريض ضد ترشيح القاضي كبوب من قبل جمعية يمينية قامت باعادة نشر خبر قديم حول مشاركته، قبل عام تقريبًا، في حفل اقيم في مدينة يافا وفيه كرّمت جمعيتان فلسطينيتان من القدس، اسم والد القاضي الذي كان يشغل منصبًا رسميًا كرئيس لجنة الاوقاف في المدينة حتى وفاته في العام 2006.  لن اسهب في تفاصيل هذه المسألة رغم أهميتها، فهي جديرة، لما تثيره من أسئلة وتداعيات على عدة مستويات، بمقالة خاصة.

قرأت آراء المحرضين وقرأت أيضًا مواقف المدافعين؛ فانتابني غضب شديد، لأن العالم يلهث وراء الخبر الرخيص والتحريض ويترك ما يجب أن يقضّ مضاجعهم بحق ؛ فاذا كانت هنالك حاجة لمحاسبة أية جهة على خطايها، فهي بدون شك هذه “المحكمة العليا” التي يجب ان تحاسَب على قبولها بضم قضاة يستوطنون اراض فلسطينية محتلة، ويخرقون القوانين ويشاركون بارتكاب ما يجمع قانون الامم على تعريفه كجريمة حرب واضحة.

قررت أن أكون صداميًا مع القضاة؛ وذلك رغم شعوري بالاحباط والتعب؛  فهم، هكذا تذكّرتهم، لم يكونوا سعاة حق ولا دعاة انصاف؛ وأنا لم أذق منهم ولا مرّة، خلال أربعين عامًا، هي عمر  وجعي أمامهم، طعم العدل، بل كانت الخسارة دومًا من نصيبي، وكان القهر والحسرة حصة مَن جئت لأدافع عنهم.

دخلت القاعة قبل موعدي. كانت مندوبة نيابة الدولة تدافع عن قرار شرطة اسرائيل باغلاق ملف شكوى قدمها مجلس قروي فلسطيني في محافظة نابلس ضد جمعية دينية يهودية دعت من خلال اعلانات منشورة الى حملة تجنيد اموال من اجل البدء في بناء مستوطنة على اراضي فلسطينية خاصة. لم يستوعب القضاة، هكذا فهمت من خلاصات ما سمعته بعجالة، موقف الشرطة الذي لم يكن مدعومًا بأي مبرر أو مسوّغ قانوني وذلك بعكس موقف جمعية “يش دين” (يوجد قانون) وهي الجهة الملتمسة باسم مجلس القرية الفلسطينية، والتي دعّمت موقفها بجدارة قانونية وبما تملكه من مصداقية مهنية اثبتتها تقاريرها في كشف موبقات الاحتلال ووكلائه من جمعيات استيطانية أو محاكم عسكرية وغيرها.

كانت القاعة خالية الا من مندوبتين عن جمعية “يش دين”، وبعض اعضاء الجمعية الاستيطانية ومندوبة عن الشرطة. كان القضاة الثلاثة غاطسين في مقاعدهم وتلف وجوههم كمامات زرقاء، مثل كمامات سائر الحاضرين؛ فبدوا، من بعيد، كثلاثة كائنات خرافية في قصة من عالم الخيال. ملأ النعاس القاعة، وكادت رتابة صوت مندوبة الدولة أن تنيم الحاضرين، لولا احتجاجات القاضيين على كلامها، التي كانت تسمع، من حين لأخر، كهمهمات رجال اطفاء متعبين. لم يتدخل القاضي المستوطن بمجريات القضية، بل حافظ على نعاسه ملقيًا بخده الايسر على كف يده، برسالة منه لجميع الحاضرين تفيد انه خارج “لعبة” زميليه القاضيين. تلوا قرارههم بسرعة ” الحانقين” وأعلنوا عن استراحة لمدة نصف ساعة.

كلّفتُ بالدفاع عن الاسيرين مقداد القواسمة، من مدينة الخليل، وعلاء الاعرج، من مدينة عنبتا، المعتقلين اداريًا في سجون الاحتلال على انهما ناشطان في صفوف “حركة حماس”، ويشكلان خطرا على أمن وسلامة الجمهور . كلاهما مضرب عن الطعام احتجاجًا على اعتقاله تعسفيًا ومن دون تهم عينية، ويطالبان بنيل حريتهما بشكل فوري.

بعد انتهاء الاجراءات بحقهما في المحكمة العسكرية، تقدمت بالتماسين للمحكمة العليا، وطلبت فيهما الافراج عنهما . قدّمت النيابة العامة الاسرائيلية ردها على الالتماسين مطالبة بردهما وابقاء الاسيرين رهن الاعتقال وذلك على الرغم من تسلّمها لتقريرين طبيين يصفان خطورة وضعيهما، بما في ذلك تأكيدًا على انهما يواجهان احتمال الوفاة او اصابتهما بضرر جسدي غير قابل للعلاج.

عاد القضاة الى القاعة، فسألني رئيس الجلسة اذا استلمت التقرير الطبي الخاص بالاسير علاء الاعرج؛ فبناء على ما جاء فيه فإنهم يتجهون نحو تعليق/تجميد امر الاعتقال الاداري بحقه. ثم تحول القاضي الى النائب العام وسأله حول موقفه في هذه المسألة، رغم انها مسألة محسومة بناءً على السوابق التي حصلت في الماضي بحالات مشابهة. دهش القاضي عندما سمع رفض مندوب النائب العام لموقف المحكمة، فطلب منه القاضي ان يستفهم من مسؤوليه في وزارة القضاء عن موقفهم النهائي. أظهر القاضيان غضبهما من موقف النيابة المتحدي للمحكمة، فاضطروا لاصدار امر احترازي طالبوا فيه النيابة تقديم مسوّغاتها لرفض مقترحهم، على ان تتم مناقشة القضية في اليوم التالي.

لم يكن في القاعة سوانا نحن، المحامين ومندوبي المخابرات العامة، فالاسيران لم يحضرا بسبب سوء حالتيهما الصحية، والعائلات الفلسطينية ممنوعة، على الغالب، من دخول اسرائيل. انتقل القضاة لسماع ملف الأسير مقداد القواسمة الذي يرقد في حالة خطر قصوى في مستشفى ” كابلان” الاسرائيلي. توجه القاضي لمندوب النيابة سائلًا عن موقفهم ازاء امكانية تعليق امر الاعتقال بحق الاسير مقداد، فلم يعطه النائب ردًا ايجابيا في البداية، الا انه تراجع في اللحظات الاخيرة ووافق على مقترح المحكمة فصدر قرارها بتعليق امر الاعتقال.

خرج القضاة مسرعين كالصدى. وقفت، أمام الحجارة الصماء، محاولًا أن ألملم بقايا روح وأمضي. شعرت بوحدة قاهرة وتمنيت، لحظتها، أن احتضن أحفادي وبينهم أبكي.

تنبّهت الى هرمي. أردت أن أصرخ، لكنني خفت أن يخونني دمعي. أبكيت؟ لا أذكر فأنا لم اهزم الا مجازًا. أضحكت؟ لا أذكر، فأنا لم أنتصر الا مجازًا . هكذا حاربتهم كل دهري: في صدري لغم والسراب حلمي.

كانت أم مقداد تنتظر اتصالي فسارعت واخبرتها ان مقداد انتصر، فامثاله يصنعون أقدارهم وغصاتنا. ثم قلت لصحفي كان برفقتي أن يكتب: ان تعليق/تجميد الاعتقال الاداري لا يعني الغاءه، لكنه بالحقيقة اخلاء مسؤولية ادارة سجون الاحتلال والمخابرات عن مصير وحياة الاسير القواسمة وتحويله الى ” أسير ” غير رسمي في المستشفى، حيث سيبقى تحت حراسة “أمن” المستشفى بدلًا من حراسة السجّانين، وسيبقى فعليًا أسيرا لا تستطيع عائلته نقله إلى أي مكان، علمًا بأن افراد عائلته والاقارب يستطيعون زيارته كأي مريض وفقا لقوانين المستشفى. ان قرار “التجميد” يشكل “اختراعا” خطيرا لجأت اليه نيابة الاحتلال ودعمته المحكمة العليا كحل قضائي خبيث يفضي عمليًا الى ترحيل المسؤولية عن حياة الاسير بحجة انه من اليوم فصاعدًا مجرد مريض يعالج في المستشفى.

فليكن قلت في سرّي.. لكنه حيّ ويقاوم .

 يتبع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى