زحمة القوائم الانتخابية والطريق إلى التجديد الشامل

نهاد أبو غوش | رام الله – فلسطين

زحمة القوائم الانتخابية والمدخل إلى التجديد الشامل بعد نشر أسماء وتفاصيل القوائم الانتخابية البالغ عددها ستا وثلاثين قائمة، صار في وسع الجمهور التعرف على هذه القوائم وخلفياتها، وتركيبتها الفكرية والسياسية وحتى خلفياتها الجهوية والعشائرية ومكوناتها الجندرية والعمرية. ويمكن لنا من الاطلاع على هذه القوائم أن نستشف عددا من الملاحظات الفارقة، وأبرزها أن ثماني قوائم فقط ذات خلفيات حزبية وسياسية مرتبطة بالفصائل التي نعرفها، وهي ثلاث قوائم منبثقة عن حركة فتح، وواحدة لحركة حماس، وأربع تمثل فصائل اليسار، ويمكن إضافة قائمتين لهما وجهة سياسية معروفة هما القائمتان اللتان يرأسهما كل من الدكتور سلام فياض وحسن خريشة، بينما القوائم المتبقية وعددها أكثر من خمس وعشرين قائمة تمثل حراكات مطلبية وقطاعية، وبقايا حركات احتجاجية، وتشكيلات عشائرية وجهوية، أو قوائم شكلها أفراد كقناطر للوصول إلى المجلس التشريعي .
وإذا افترضنا أن الحركتين الكبيرتين بمجموع قوائمهما الرسمية والمنشقة، سوف تستأثران، وفق معظم الاستطلاعات والتقديرات، بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي المقبل، فهذا يعني أن باقي القوائم، بكل ما أوتيت من قدرات وعزيمة، سوف تتنافس على اجتياز عتبة الحسم أولا، وهي ليست عتبة سهلة على الإطلاق وقد تحتاج إلى نحو ثلاثين ألف صوت. ثم على انتزاع ما أمكنها من مقاعد قليلة في المساحة الضيقة التي أبقتها حركتا فتح وحماس بعد استحواذهما على أغلبية مقاعد المجلس.
هذه المعادلة تعني ببساطة شديدة أن أصوات الجمهور الغاضب من الحركتين الكبيرتين، والمحتجّ على أدائهما، سوف تتوزع على عدد كبير من القوائم والتشكيلات، وأن معظم هذه القوائم سوف تفشل في اجتياز نسبة الحسم، ما يعني إحراق عشرات آلاف الأصوات وتبديدها، والمستفيد الرئيسي من ذلك هما حركتا فتح وحماس، بسبب نسبة أصواتهما التي تمكنهما حسب المعادلات الحسابية من الاستحواذ على النصيب الأكبر من حصة الأصوات الضائعة.
سوف تشهد الانتخابات المقبلة، إذا جرت ومع التشديد على أن ذلك بات مجرد احتمال، عددا من المعارك الطاحنة، فيما بين القوائم الكبرى، وعنوان هذا التطاحن هو عدد المقاعد، إلى جانب عدد كبير من المعارك الفرعية بين الكتل الصغيرة وعنوان معاركها اجتياز نسبة الحسم أو عدم اجتيازها. وسوف تستخدم في هذه المعارك على الأرجح، وسائل وأدوات مشروعة وأخرى غير مشروعة، وذلك بناء على التجربة التي خبرناها وبتنا نتلمس مؤشرات مبكرة على استخدامها ومن بينها استخدام المال السياسي والنفوذ السلطوي إلى جانب حملات التشهير، ولا شك أن عدم السيطرة على الفضاء الأليكتروني تعقد من مهمة مراقبة الدعاية وحصرها في أوقات محدودة.
وتزداد مهمة القوائم الصغيرة صعوبة في اجتياز نسبة الحسم، نظرا لافتقاد معظمها لخبرات العمل التنظيمي والإداري في خوض مثل هذه المعارك، فالانتخابات بحاجة لفرق بشرية من الكوادر والمتطوعين للاتصال بالناس، وإقناعهم وحضهم على التوجه لمراكز الاقتراع، وتسهيل نقلهم إذا تطلب الأمر ذلك. وغني عن القول أن معظم هذه القوائم تشكلت على عجل، بناء على تلمس القائمين عليها لحاجة التغيير من جهة، وعلى التوافق العابر بينهم على تأليف القائمة من دون اشتراط التوافق الفكري والسياسي الشامل، وبالاستناد إلى المعرفة الشخصية والحضور العام، وربما نتيجة نشاط بعض الأفراد في العالم الافتراضي، ولكن من دون خبرات عملية ومن دون امتلاك “ماكينة” انتخابية، تساعد اصحاب الشأن في تحويل التعاطف العام إلى اصوات يمكن عدها واحتسابها في الصناديق، ومن المؤكد أن انسحاب اي قائمة يعزز فرص القوائم الباقية في التمثل، وخاصة المشابهة لتلك المنسحبة .
ومن المهم كذلك تفحص ما تكشفه كثرة القوائم الانتخابية، ومقارنتة ذلك بما يعتمل في قلب المنظومة السياسية الفلسطينية، فالعدد الكبير للقوائم يؤشر إلى اتساع الفجوة بين الجمهور العريض من جهة وبين مكونات المنظومة السياسية بما فيها الفصائل والأحزاب، فهذه القوائم وجمهورها لا ترى في القوى السياسية التقليدية وقوائمها الانتخابية من يمثلها. من اللافت أن سبعة من الفصائل التاريخية، لن تشارك في هذه الانتخابات، مع أن معظمها ممثل في الهيئات القيادية العليا في منظمة التحرير وخاصة في اللجنة التنفيذية والمجلسين الوطني والمركزي، مفهوم أن حركة الجهاد الإسلامي تقاطع الانتخابات لأسباب مبدئية، بينما جبهتا القيادة العامة والصاعقة بدتا وكأنهما غير معنيتين بالانتخابات وكأنهما ليستا مع هذه الانتخابات ولا ضدها، وأربعة من الفصائل التقليدية ( جبهة النضال الشعبي وجبهة التحرير العربية وجبهة التحرير الفلسطينية والجبهة العربية الفلسطينية) راهنت على خوض الانتخابات على لائحة حركة فتح الرسمية، فكان أن جاء مرشحوها في مواقع جدّ متاخرة، ولا فرصة حقيقية لها في التمثيل. كما ان إخفاق قوى اليسار الخمسة في تشكيل قائمة موحدة سوف يضعف فرصها منفردة ومجتمعة في التمثيل، وحتى لو اجتازت نسبة الحسم، فسوف يكون تمثيلها هزيلا ومحدود التاثير، ذلك أنها خسرت سلفا فرصة تمثيل الجمهور العريض الذي قد يدعم قوى اليسار مجتمعة ولكنه لا يدعم أيا منها منفردا، وهو جمهور طامح لوجود قطب ثالث يكسر حدة الاستقطاب بين الحركتين الكبيرتين.
سوف تكون الانتخابات المقبلة، إذا جرت، احد العوامل والمناسبات المهمة لتجديد دماء وحياة النظام السياسي الفلسطيني، وفرز مكوناته وغربلتها، وإعادة موضعة القوى وفق حجومها الجديدة، ووضع أسس جديدة لبناء الشراكة الوطنية غير تلك التي تآكلت وبهتت وهي المقرة منذ خمسين عاما. ربما لا تكون هذه الانتخابات هي الفرصة النهائية والوحيدة، فالحياة تظل غنية بالفرص، ولأن المعيار الأهم لوجود فصيل أو عدم وجوده لشعب تحت الاحتلال هو ميدان المواجهة مع الاحتلال، لكن الانتخابات تبقى فرصة مهمة وسيكون مدخلا لعهد جديد في حياة الحركة الوطنية الفلسطينية، وربما لتجديدها الشامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى