المونديال.. دعوا الحلم ينبعث مجددا

أجدور عبد اللطيف| المغرب

اتخذت النسخة الحالية من كأس العالم أبعادا لم تعرفها النسخ المميزة التي سبقت، لا لشيء إلا لكون المسابقة هذه السنة تقام لأول مرة في التاريخ في بلد ينتمي للشرق الأوسط، وحتى نضع النقاط على الحروف لبلد مسلم، ناميا في نظرهم وإن لم يكن مسلما، فقد رأينا كيف تجهض الصنائع الفرنسية الخسيسة كل محاولات التنمية والانعتاق بأفريقيا جنوب الصحراء بإغراق هذه البلدان في الانقلابات والفساد والأسلحة.

دعونا من ذلك كله ولنركز على عنصر الإسلام كآخر دين يتشبث معتنقوه بضراوة بقناعاتهم ومبادئهم، ويأبون الانسلاخ منها كما انسلخت الشعوب الأفريقية والأمريكولاتينية والآسيوية، معطىً يشكل عقبة مستفزة بوجه أذرع العولمة التي تسعى لقولبة البشر جميعهم في أنماط موحدة لا تؤمن سوى بالفيسبوك والكوكاكولا والماكدونالدز والبيبسي والنتفليكس، ولا تدين بغير الدولار واليورو والجنس.

لنعد على مضض لكرة القدم، أليست اللوائح الدولية للعبة تنص على ضرورة تحييد اللعبة عن أية تحيزات عرقية عنصرية أو جنسية أو دينية أو غيرها كما تنص على ضرورة احترام الثقافات المحلية للمناطق المنظمة بها الفعاليات الكروية على اختلاف مستوياتها؟ إذن لم إصرار بعض الدول الأوروبية على رأسها فرنسا والدنمارك والمانيا على إقحام هذه التحيزات والآراء الخاصة بها في كرة القدم تحت غطاء تقديم الدعم للمقهورين؟ أليست هي نفسها الدول ذواتة التاريخ الطويل في معاداة الأديان والأخلاق تحت مسمى الحرية! إن الحرية كما نعرفها ألا تحاول عبر لعبة شعبية تعلم جيدا كون جمهورها الساحق من الأطفال والمراهقين، وبشكل إعلامي ممنهج أن وتؤثر على اختيارهم، وهو طرح يتنافى بشكل جذري مع منطق الحرية.

رغم صحة بعض الاتهامات التي تتحدث عن وفيات العمال المهاجرين أثناء التحضير لهذه البطولة، وباعتراف مسؤولين قطريين يقدرون الوفيات بين 400-500 شخص! وهذا بالطبع مما يحز في النفس بشكل جارح، أن يموت المئات “لعب”، ليستمتع ويلهو الميسورون، إنه نوع من الرق والعبودية الجديدة، لكن الأمر سار على ورشات الأشغال في جميع بقاع العالم فلم تسليط الضوء على قطر فقط مع تحمل هذه الأخيرة مسؤوليتها أمام الله والتاريخ في الأرواح التي راحت ضحية الخبز.

غير ذلك فحسب هذا البلد ذلك التنظيم الخرافي غير المسبوق، المفعم بالرسائل العميقة الصادقة في لم الشتات وتقريب الرؤى واحترام القناعات، والتزام كلّ حدود حرياته لما تبدأ حريات الآخرين وقناعاتهم.

تعرضت قطر لهذه الحملة المغرضة نظير شجاعتها في قول لا، وفي إعلانها جهارا أن المبادئ لا تُساوَم، في وجه دول دأبت على تلقي السمع والطاعة إلى وقت قريب، و لعل الخشية كل الخشية من انتقال عدوى “اللا” لبقية الدول العربية والنامية، خصوصا وقيادة قطر تلعب دورا عملاقا في الجمع بين ما تفرق من أطياف الدول الإسلامية تركيا والسعودية والإخوان ومصر وفلسطين والجزائر والإمارات واليمن والمغرب وإيران بل والبلدان الآسيوية والإفريقية التي تطبعت بالإسلام، إنهم أدرى منا بأن هذه الأمة تمتلك بذور الثورة والنصر، وأنها في دورة خلدونية لا بد أن تبيد، ما فعلته قطر أنها بلد يؤمن بأننا أمة واحدة ندين لرب واحد، ولنا تاريخ ومصير مشترك، ولنا مستقبل موعود نطمح إليه معا.

إن قطر، ومن بعدها السعودية وتونس والمغرب، بغض النظر عن مآلات مشاركتها الآنية في هذه النسخة من هذه “اللعبة” ، فتحت لنا جميعها نافذة رفيعة لنحلم بغد أجمل، نقارع فيه هؤلاء على كل الأصعدة، لنحلم بل لنطمح لتماسك الإخوة وعودة الدفء لأوصال وزعها الإستعمار وفلوله،ولأمة تتحرر من التقزيم الذي طالها من غرب متعجرف يرى في نموذجه الأخلاقي (إن كان يتوفر عليه) والسياسي والمجتمعي النموذج الوحيد الممكن مفترضا بغرور أنه مركز الكون، أمة تملك أمرها بزمامها، تقف عندها حدود دينها وأخلاقها وأعرافها الضاربة في الأرض والموروث الرمزي والمادي، أمة لا تخشى إلا الله ولا تعرف للتلون والتحلون قبولا ولا مهاندة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى