العربية والفطرة

رضا راشد | باحث في اللغة والأدب |  الأزهر الشريف

في السابعة عشرة من عمري اتفق لى حدثان متتاليان أثارا دهشتى :
أولهما ما حدث عقب صلاة الفجر يوما ، حيث كان المصلى الملحق بالمسجد يترك مفتوحا مع دورة المياه طوال الليل ؛رحمة بمن يريد قضاء حاجته، فدخل كلب ذات ليلة وتغوط في المصلى ،وإذا برجل أمي يقول لمؤذن المسجد بالحرف الواحد: “يجب أن نغلقَ بابَ المسجدِ كي تطمئنَّ قلوبُنا ”
فراعنى أنه نطق الجملة صحيحة نحويا ولم يلحن في اي شيء منها، مع يقينى أنه- رحمه الله – لم يسمع بشيء يسمى النحو أصلا.،وإنما جرت الجملة على لسانه فطرة وسليقة.
والثانى:كان بعد أيام من الحدث الأول؛، حيث كنت أسير عصرا بدراجتى، وإذا بي أسمع طفلا يلعب مع أترابه يتراوح عمره ما بين السابعة و الثامنة يقول وكأنه يخطب:
إن العلم ( بنصب العلم) ،مع أنه ربما لا يدري شيئا عن إن ولا أخواتها وماذا تفعل…إلخ .
فاستنتجت من هذين الحدثين- وقتئذ – أن العربية إنما تتسق مع الفطرة السليمة، وأن جزءا منها ربما يجري على الألسنة دون توقف على علم باللغة ولا دراية بالنحو .
وقد غاص هذان الحدثان في يم النسيان حتى كان صباح اليوم فسمعت طفلا في السابعة من عمره يقول بالنص :
“لا يزال الوقت مبكرا”،
مع أنه لا يعرف شيئا عن النحو ،فطفا على سطح الذاكرة ما كان في الماضي قد غاص في قاع يم النسيان وجال الفكر في هذا الأمر الغريب: كيف بمن لم يتعلم النحو أن يجري لسانه بالجملة أو الجملتين من الكلام دون لحن ؟!
وتذكرت ما كان يشكو منه بعض العوام من أن خطيب مسجد كذا لا يجيد العربية وأنه ينصب المرفوع ويرفع المجرور ..وهكذا فيأخذنى العجب ؛من أن كلامه صحيح مع يقينى بأن من ينتقده لا يعلم من علوم العربية إلا ما يعلمه حلاق القرية قديما من علم الطب وأتساءل:
من أين تأتى لهذا الرجل العامي أن يدرك ما وقع فيه الخطيب من أخطاء نحوية ؟فلا أجد جوابا إلا أن هذا الرجل سليم الفطرة ،وأنه لسلامة فطرته أحس بنبو في الأذن من كلام الخطيب ،وأنه على العكس يستشعر راحة في نفسه ولذة في أذنه إذا ما استمع لكلام صحيح لغويا بليغ بيانيا .وما ذاك إلا نصيب العربية من الفطرة
ومثل هذا ما لاحظته أيضا في سفرتى لسريلانكا حين كنت أقف متكلما بين طلابي ومنهم صغار نصيبهم من العربية ضئيل أو بين العوام وهم أعاجم لا يعلمون شيئا فأرى استمتاعهم بما يسمعون من العربية فتأكد لى ما استنتجته من قبل من أنه لا تفسير في رأيي إلا أنه الإحساس الفطري باللغة وأن للعربية جلالا وجمالا يستشعره الناس بفطرتهم .
وفكرت.. فإذا الأمر ليس بعيدا وأن له من العقل والمنطق نصيبا ؛ذلك أن اللغة والدين صنوان لا يفترقان توءمان لا يتخاصمان، لأننا ما تعلمنا حدود ديننا إلا من خلال هذا اللسان العربي المبين.

وكأن الله تعالى ما اصطفى هذا اللسان العربي ليكون أداة البيان لهذا الدين إلا لعلمه بما بينهما من اتفاق واتساق .وإذا كان هذا الدين يتفق ومقتضى الفطرة السليمة بحيث جعلت -عند الجهل -معيارا للحلال والحرام ((البرما اطمأنت إليه نفسك والإثم ما حاك في صدرك وكرهت ان يطلع عليه الناس )) فليس بعيدا أن تكون هذه اللغة المعبرة عنه مما تتفق والفطرة أيضا .
ليس معنى هذا أننى أدعو الناس لترك تعلم العربية اكتفاء بالفطرة، وإلا لرأينا من يدعو الناس لترك التفقه في الدين ؛ اكتفاء بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم السابق في تحديد معيار البر ومعيار الإثم وإنما مرادى من هذا الاحتجاج على من يزعم أن تعلم العربية صعب، وأن التحدث بها صار مستحيلا…. ووإلخ هذا الهراء .
أخى الحبيب :
اعلم أنك حين تتعلم العربية وتتحدث بها ، فإنما يلتقي ما تعلمته منها بما هو مركوز في فطرتك وجبلتك منها ،فيتعاضد هذا بذاك فتجري العربية على لسانك سهلة طيعة لينة
ولم لا ؟!
ألم يقل ربنا عز وجل ((ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر )) فلعل من تيسير الله للذكر تيسيره لتعلم اللغة التى نزل بها الذكر …والله أعلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى