قراءة في كيفيّة انبعاث قصيدة حميد عقبي، “ما نزال أطفالاً”!

 صبري يوسف | أديب وتشكيلي سوري – ستوكهولم

أولا – القراءة النقدية

يكتب الشّاعر، والمخرج اليمني حميد عقبي الشِّعر كمَن يبحثُ عن مساراتِ دهشةِ الرّوحِ، وهو في أبهى تجلِّياتِهِ. لا يمسكُ بخيطِ القصيدة أثناءَ انبعاثها، لأنّ هذه القصيدةَ انبلجت عنده بطريقةٍ إشراقيّة عفويّة متدفّقة من دون أن يخطِّطَ لها، فلم يجدْ نفسَهُ إلَّا وهوَ أمامَ حالة انبعاث بهجة الحرف من وهجِ تدفُّقاتِ الخيالِ، فولدتِ القصيدةُ بطريقةٍ ابتهاليّة انسيابيّة خلّاقة، أشبهُ ما تكون رؤية حلميّة حنينيّة شوقيّة مكتنزة في عوالمِهِ الباطنيّة، فانبعثَتْ كإشراقاتٍ إلى مساحاتِ لاشعورهِ، ثمَّ أمسكَ قلمَهُ أو حاسوبه أو ما وقعَ في متناولِ يدِهِ، ليدوِّنَ ما انبعثَ من فضاءاتِ الخيالِ والأحلامِ المعشّشة في حنايا اللّاشعور، لأنّهُ ما كانَ يعرفُ أصلاً ماذا سيكتبُ، لأنّه كان في حالة تدفُّقاتيّة مفاجِئة، وغامرة بالفرح والجموح والتّجلّي، وهكذا حالة غالباً ما تكون ناجمة عن شحنة مشبّعة بالتَّأمُّل ومخزّنة في بواطنِهِ نتيجة تراكم أفكار مشرقة في ساحةِ الشّعور، تلقَّاها بطريقةٍ أو بأخرى ثمَّ توغَّلتْ إلى واحاتِ اللّاشعور كي تغفو هناك، ثمَّ تنبلجُ بطريقةٍ خاطفة دونَ أيّةِ مقدّمات. وبما أنَّ محورَ هذه القصيدة ينبعُ من فضاءاتٍ روحيّة إنسانيّة تأمُّلاتيّة، ومهداة إلى الشَّاعر القس جوزيف إيليا، هذا الشّاعر البديع الَّذي شاركَ في ندوة حول فلسفة الموت، الخاصّة برحيل والد الشّاعر والمخرج حميد عقبي، حيث ألقى القس الشّاعر بعض القصائد خلال النّدوة، افتتحها واختتمها، ويبدو أنّ ما قاله توغَّل في ذاكرة الشّاعر حميد عقبي، وظلَّت هذه المشاعر المتوغّلة في أعماقِهِ غافية في بواطنِهِ، تتحينُ الفُرصة لتخرج بشهقةٍ شاعريّة مفاجئة، وإذ به يجدُ نفسه يكتبُ نصَّاً عن عوالم الطُّفولة والبراءة والصّفاء وكل ما هو روحاني وطفولي وبرئ، حيث وجد نفسَه في لحظاتِ انبعاث القصيدة، محرَّضاً لما يعتريه من هواجس في هذه الفضاءات الرّهيفة، فكتبَ قصيدته مستوحياً من عوالم الرُّوحانيات والبراءة والقداسة وهيبة الموت وسموِّ الرّوح، ما جاء في سياقِ القصيدة، وأشار في نهاية القصيدة إلى أنّهُ في انتظارِ بسمة الرّب وعطاءاته الوفيرة. وكل هذا يشير إلى أنَّ الشّعر والإبداع بشكل عام ينبع من حالات إشراقيّة، تكون كامنة هذه المشاعر في أعماق الشّاعر، وتحتاجُ هذه المشاعر الكامنة في اللّاشعور إلى ومضة، أو إشراقة ما، وحالما تومضُ هذه الومضة تنسابُ القصيدة وكأنّها نسمة منعشة منبعثة من مهجة الرّوح إلى نورِ الحياة، وأكثر ما يعانقُ الرُّوح في مذاقِ الإبداعِ هو الشِّعرُ، وأرى أنَّ الشِّعرَ هو نوعٌ من التنبُّؤ وينبعثُ من حبورِ الرّوحِ والحلمِ والخيالِ، وكل هذه الانبعاثات محتبكة بخصوبةِ الرُّوحِ المتجلِّية، وعندما تولدُ القصيدة بهذه الطَّريقة، غالباً ما تكونُ رهيفة وشاهقة وخلّاقة، لأنّها تنبعُ بكلِّ انسيابيّتها وعفويَّتها ورشاقتها، وقد قرأتُ ما جاءَ بين سطورِها وما كان متوارياً في فضاءاتها الّتي لم يدوِّنها الشّاعر، لأنّ القصيدةَ عندما تولدُ في هذه الحالات، لا يستطيعُ الشّاعرُ الإمساك بالكثير من الخيوطِ الإشراقيّة المتدفّقة، فيكتبُ ما يمسكُ به، ويتوارى ما لا يمكن التقاطه، فيتلمّس القارئ اللّبيب توهُّجات ما توارى لحظات وهج الانبعاث!

ثانيا – القصيدة: مانزال أطفالاً – حميد عقبي

الإهداء: إلى الشَّاعر القس جوزيف ايليا

يغترفُ الرَّبُّ من ينبوعِهِ
ينثرُ ألواحَ قوس قزح
كنّا أطفالاً تغرينا شهقةُ السَّماوات
همهماتٌ في الأعلى
وتصفيقٌ …
أصبحَ لكلِّ عاشقٍ ملاكاً
يشدُّ من أزرِهِ لينسجَ قصيدةً
يواسيهِ في  ليالي الهجرِ
يقبضُ روحَهُ إن طالَ الفراقُ ..

يغترفُ الرَّبُّ من ينبوعِهِ الآخر
قبضةً من نجومٍ
يزرعُها فوقَ الرَّوابي والغاباتِ
تزهرُ للعشاقِ
تظلِّلُهم فلا خوفَ عليهم
تعالي نبحثْ عن عشبةِ اللّاخوفِ
اللّاحزنِ
اللّاوجعِ

وعدتني يا أبي بلقاءٍ قريبٍ
ظننَّا أنَّ الحربَ شاخَتْ
أنّنا سنقبرُها
نهيلُ التُّراب ونبتني قبراً إسمنتيّاً
نوصدُهُ عليها
قلتَ لي صدّقني
لماذا أصغيتَ لصفيرِ قطارِ المغادرة ؟
تسبحُ أحلامُنا المشروعة
يصفِّقُ الأطفالُ
قوسُ قُزَح يكحِّلُ عينَ الشَّمسِ
تكلِّلُ أعناقَ السُّحبِ بعناقيدَ مغريةٍ
يدي ظمأى
الكأسُ على الطَّاولة
نصفُهُ ضوءٌ ونصفُهُ فراغٌ
الزّجاجةُ تنتظرنُي
يتلصَّصُ النَّدى
ليلٌ ساكنٌ
وأنا المسكونُ بالهواجسِ
أنتظرُ العودةَ
همساتٌ بلغةٍ غير أرضيّة
ترقُّباتٌ لهلالِ العيدِ
مانزال أطفالاً
ننتظرُ ضحكةَ الرَّبِّ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى