الرئيسية / نقد / ميكانيزمات الابداع وبوليفونيّة الملكة الشّعريّة..قراءة في نصوص ملتقى قصيدة النثر العربية

ميكانيزمات الابداع وبوليفونيّة الملكة الشّعريّة..قراءة في نصوص ملتقى قصيدة النثر العربية

د. محمود خليف خضير الحياني | ناقد عراقي

سررت كثيرا عندما أرسل لي الصديق حميد عقبي، ملفا يحتوي مشاركة أكثر من ثلاثين نصا شعريا والتي ستشارك في الملتقى الأول لقصيدة النثر العربية في رحاب المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح والذي سينطلق مساء الخميس السابع عشر يونيو ويستمر إلى العشرين منه، وأقدم لكم هذه المادة حول بعض النصوص المشاركة وربما تكون لنا مداخلات عدة خلال وبعد هذا الملتقى الذي ينظمه حميد عقبي ـ رئيس المنتدى العربي الأوروبي للسينما والمسرح بفرنسا.
تحررنا الاستطيقا من الكون المحسوس ، والثّابت ، والسّاكن، والجامد ، وسجن الماديات، وكلّ ما يمكن أن نتلمسه في الحياة ، فالحياة تسكننا وتحيط بنا ، وتحولنا إلى اشياء كونية، واشباح زائفة تبحث عن متعة الاستهلاك الجمالي الزائف، والسريع ، ولكن عالم الكلمات يمارس سحره بوصفه شعلةً متوهجةً تُثير فينا احساسا يُجذبنا إلى عوالم خيالية تذوب فيها ذات المتلقي، وتستجيبُ لكلّ اشراقاتها ، فعبقرية الكلمات ، والعبارة ، والاشارة لا تتقيد بمعجم لغوي، وقاموس سياقي . إنما لكلّ نص ابداعي مكتبته الثقافية ، والجمالية . فتعدد الاصوات الشعرية ، أو فضاء البوليفونية هو في الاساس مملكة من الشّعر الذي يمكن أن نتلمسه في هذا المجموعة الشعرية التي انطوت على سِفر من طوبوغرافية اشتملت على خريطة جمالية هي بمثابة وطنا ثقافيا لكلّ الشّعراء المبدعين ، فسمو الكلم ، وبهاء، وجمال التعبير يُشير إلى البوح ، والاعتراف ، والرسم بالكلمات صور تمثل محاكاة لمضمرات النفوس، وانعكاسات للواقع المشوه ، فلعبة الجمال هي حيلة تفكك ، وتُعيد البناء . إنّها عالم داخل العالم ، نظام لغوي يغير نظام لغوي آخر . إنّها لعبة الشّاعر في خرق وانتهاك المألوف ، وتحويل الواقع إلى اللا وقع ، والقبيح إلى الجميل . إنّها اضاءة ، ونور اوقدتها جذوة عبقرية الشّعراء. هم مرآة النفوس الحائرة ، والاسئلة الغيبية ، والوسطاء بين السّماء ، والارض حسب نيتشه . فالتعاشق بين الكلمة والحرية هي نفثات ، وتلاوة ناسك وعابد في صومعة الابتهالات الجمالية ، وتهور المغامر الذي انعتق من الكهف الافلاطوني ، لكي يروض اشباح الزيف ، أنّهم الباحثون عن الحقيقة . حقيقة الوجود ، والانسان . فتأثيث الوجود هو حالة استنطاق مستمرة للإمكان، وللخلود والابدية ، فلحظة الاستجابة التي يتلقى اشارتها أو ندائها المتلقي تفرض عليه الإنارة ، والانكشاف ، فالكون يتحول إلى ثقب اسود يمتص كل مشاعر وعواطف المتلقي، فالإرادة، والعبقرية المتحررة كلها بيت الوجود وسفر الانعتاق، والتجاوز . فاللغة الشعرية تستبيح مكنونات الانسان لكي تتحد مع الابدية ، فتمحو كل عرضية معلنة أن محو الاثر بقاء للذات. فهي تسكن الجمال كاشفة ومكشوفة عنها السّر، فسّر الكلمات هو الرّحم الذي يولد منه الدلالة والمعنى التي تجلت في هذه التجارب الشعرية في هذا الديوان الذي كان حُبلا بعوالم ، واصوات كشفت المحجوب والمسكوت عنه.
فالمضمرات، والانساق الغائب كلّها نصوص مهاجرة تبحث عن حوار يعيد اليها تشكيلها، فهي لحظة التقاء الامكان بالتحقق، والقوة بالفعل . ففعل الكلمات تحول في معظم هذه القصائد إلى سرديات، وحكايات كشفت في نصها الانثوي عن النقص، وعدم الاكتمال، والتعديم المستمر، ففي تجربة الشاعرة المصرية عزة رياض هناك وثبة، وبحثا دائما عن الحب الحقيقي في قولها :
أطفال المضاجع الباردة
يأتون ضعافا
يمكثون بلا حراك داخل الأرحام
يخرجون للعالم بشق البطون
متجنبين ثورات الأنطلاق
لا يخصهم كذبات النشوة
ولا ضجيج الوصول
طقوس كاذبة
لشرعية الفرح
يشتغل هذا النص على حقيقة وجودية تجلت في البحث عن الحب الحقيقي، والمشاعر العاطفية التي اخضعتها براجماتية الواقع لتكون سلعة ، فأصبحت المرأة ورحمها كأنها حاضنة ووسيلة للولادة، فالولادة الباردة وطقوسها عملت على أن تتحول الحياة إلى لعبة استهلاكية، وفي تجربة الشاعرة الجزائرية نوميديا جرّوفي صوت انثويا يمثل دعوة حادة لمخاطبة الضّمير في قولها :
موت الضّمير..
سقطت المعايير
و سقطت من كفّة الميزان أعشاش العصافير
تيبّست الحلوق
تعلّقت الحناجر
وسقطت الكلمات في بئر الذّهول
قتيل..قتيل
ألغام في أجسادنا
ألغام في خرائطنا
ألغام في تاريخنا
و ألف اغتيال
يتشكل النّص من خطاب يُعري كل القيم والموروث التاريخ الذي مارس دورا كبيرا في أن يمثل مرجعية تنهض على العنف والقتل، فالأنثى ترفض القتل؛ لأنها هي التي تعطي الحياة. هي الأم، والزوجة، والحب، والحنان . وتتدفق في تجربة الشاعرة المغربية ريم نجمي قانونا للحب وعشق الحياة في قولها :
ألوان
كثيرا ما أتذكّرُ
لَوْنَ أوّل فيلم شاهدناهُ معًا
ولونَ القُبْلة الأولى
ولون صوْتكَ في الهاتف وأنتَ تتحَدّث
عَنْ طِفْلٍ أصْبحَ فَراشة
أنا-كُلّما فَكّرتُ في ذلكَ
يَلوحُ في قَلْبي
قَوْسُ قُزَح
أصابع
أصَابِعُكَ
تَجْعَلُنِي أرتَعشُ.
نظيفةٌ كَغيمة بَيْضَاء.
فهذا المقطع يؤثث لذاكرة المكان ، وما يمكن أن نتلمسه من لحظة الاحساس بلحظة الحب ، والوفاء الذي شرعت المرأة في تحقيقه عن طريق هاجس النقاء ، فعالمها هو عالم اللحظة الأولى، والبراءة ، والبحث عن تطهير الذات عن طريق الاعتراف ، بذاكرة الحب التي لم تحجب في ظل النسيان .
أما الشّاعرة اللبنانية اخلاص فرنسيس، فقد اختارت أن تذوب وتنصهر في كسرتها الافلاطونية (فضيلة الحب) في قولها:
طالما اخترتني
من بينِ كلِّ النساءِ
لا بدَّ أنْ أصبَّ الفصولَ
في جسدِكَ المائلِ للغروبِ
وأقطعَ الأغصانَ اليابسةَ
لا بدّ أن تعيَ أنَّ الأقدارَ
تجري من مقلةِ طفلٍ
يتقلّدُ الرّيحَ
وامرأةٌ تضفرُ الغيمَ
يسجل هذا المقطع صرخة امرأة اختارت أن لا تكون وحيدة في الحياة، لكونها تتوق إلى الكمال والتكامل بوجود الآخر ، فهي تكشف عن نوع من التصالح ، والتوازن .
وتبتدأ الشاعرة الأردنية رولا العمري قصيدتها (فاكهة ممنوعة ) بالكشف عن زيف الواقع :
كل امرأة كتبت حرفا
أنجبت سطرا و ترجمت في كلماتها فكرة
مسحت معالم وجهها
و اتخذت من المجهول هوية
كانت تحجب صوتها
ليعلو صوت الكلمة بلا زيف
يستثمر النص انساق القمع ، والتهميش لكي تطلق نداء الوجود الذي سطرته المرأة في الكلمات التي حجبت ، ومسحت كل معالم وجهها ؛ لكي تكون هويتها الغائبة في كلماتها المتفردة التي تنطق بالحرية ، ولكن من وراء حجب الكلمات .
وتشكل تجربة الشاعر المصري مؤمن سمير مرآة معكوسة للقهر ، والاستلاب، والتحدي في ” رسائلُ الضَفَّةِ الأخرى”
أودُّ أن أقفزَ فوقَ النهرِ
لأُمْسِكَ بالضَّفَةِ الأخرى
وأستأنفَ طريقي
للقلعةِ الكبيرةِ…
النهرُ يعوقني
و الجميلةُ المأسورةُ
رسائِلُها تُشكشِكُ عظامي..
تنشغل أنا الشّاعر في البحث عن التحرر ، والانتقال من حال إلى حال ليبلغ معراجا جديدا ، فالعبور هو يوتوبيا الشاعر وحلمه في تحقيق ذاته بعيدا عن العبثية .
ويداعب الشاعر الليبي مفتاح العلواني سحر الكلمات في قوله :
يوجد الشعر في
كل شيء..
في شقوق يدٍ متعبة..
وزوايا الأبواب العتيقة..
وبقايا البن
في فنجان مثلوم..
يتلاعب الشاعر بقانون الكلمات باحثا عن العبثية، ولعبة النرد التي تعشق الفوضى، وتلج إلى عمق العدمية الوجودية .
فكل التجارب الشّعرية في هذا الديوان يتجلى فيها نوعا من الثنائيات التي تتصالح من الاضداد، والمتناقضات، فنتلمس الموت والحياة، والحب والكراهية، والغياب والحضور،و المركز والهامش، والعدمية والعبثية، والفراغ والهجران ، والنقص والاكتمال، والفرد والجماعة، والقهر والظلم، والعبودية والحرية، والارادة والهشاشة الانسانية، والزيف والحقيقة، والجّمال والقبح

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

القابلة.. قصة قصيرة

 منال رضوان | قاصة مصرية (ذات يوم سيسود الصمت) لم يتركها الأمس حبلى بأحلامها،  وسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: