الرئيسية / فكر / إعلام التفكيك والتفريق

إعلام التفكيك والتفريق

د. أحمد رفيق عوض | فلسطين

    يتحول الإعلام بكل أنواعه وأشكاله إلى أداة فتّاكة من أدوات القولبة والتأطير والضبط الاجتماعي والسياسي، وإعادة ترتيب الأولويات وتغيير قائمة الاعداء والأصدقاء والخصوم.

  ليس من الضرورة إطلاقاً أن يتمتع المشاهد بقدر عالٍ من الذكاء ليكتشف أن الإعلام العربي المرئي بالذات يخلو إلى حد كبير من رؤية متكاملة أوشاملة أوذات أهداف قومية جامعة, ولهذا ليس من الغريب اطلاقاً ان تشاهد قناة عربية ولكنها تبث طيلة الوقت أفلاماً غربية وقيماً غربية وسياسة غربية, وكأنها قناة تخترع جمهورها أو تعيد تركيبه أو قولبته.

   المفجع في الأمر أن هذا الاعلام يفقد صلته بالواقع تماماً عندما يخترع الحاجات والأهداف والوسائل أيضاً, ولهذا السبب بالذات,فالمشاهد العربي يجبر على أن يرى عدة أنواع من الاسلام وعدة انواع من العروبة وعدة أنواع من الرؤى التحررية والتنموية, وقد يقول قائل ان هذا التنوع مفيد ويشير إلى التعافي السياسي والمجتمعي.

     و لكن-للأسف- فإن هذا التنوع المضطرب و المرتبك و المشوش في معظمه يصدر عن ذات المصادر,بمعنى أن “السيد” أو “المعلم” واحد وهو قادر على أن يصنع الحزب ونقيضه و الفكرة و ضدها،

    وهذا ما يذكر برواية الروائي العظيم عبد الرحمن منيف “شرق المتوسط”, فالاعلام العربي المرئي في معظمه يترجم الاضطراب والتفكك السياسي, ويعكس تماماً غياب الهويات أو تبعثرها أو اعادة تشكيلها أو اختراعها أو اصطناعها أو تشويهها و هي هويات ملتبسة و جزئية تفكك وحدة الشعب و وحدة الوطن و وحدة المرجعيات و وحدة الأهداف أيضاً.

    وبما ان الاعلام هو جزء أو ذراع من اذرع النظام السياسي أو المجتمعي, فإن هذا الاعلام يسقط في هوة التقليد والتماهي والتشبه واعادة انتاج النماذج الاقوى أو الاكثر هيمنة ونفوذاً, بكلمات أخرى, فإن معظم هذا الاعلام يتشابه الى حدٍ كبير في ما يقدم و لكنه يختلف في طريقة العرض والسرد ليس إلا.

   وفي هذا فإن الاعلام يقوم عملياً بخيانة نفسه وخيانة قضيته الصغيرة الكبيرة, الخاصة و العامة.

    تجب الاشارة هنا الى ان التكنولوجيا تقدم عملياً احدى الوسائل الناجعة في ايقاظ الهويات النائمة او اعادة تجميع الجماعات او اعادة تعريفها لذاتها, و قد يفسر هذا تكاثر القنوات الفضائية بطريقة اسرع من تكاثر الفطر بعد موسم ماطر, الاعلام في هذه الحالة يقدم السرد- الذي تحتاجه كل جماعة حسب المنظّرهومي بابا- و يقدم المصطلح ويعيد هالات الاسلاف وهيمنتها.

    كثرة و تعدد القنوات العربية برأيي جزء من منظومة كاملة جديدة لرؤية مجتمعات جديدة في المنطقة العربية , هذه الكثرة هي جزء من عمليات التفتيت والتذرير واثارة النعرات وايقاظ المختلف وطمس المشترك في مقدمة لتفجير المنطقة برمتها, و حتى اكون واضحاً وصريحاً جداً, فإن ما أراه مخيفا تماماً.

  فهذا الاعلام المختطف والمرتهن والموظف والمستخدم هو أحد ما يلي؛ فإما إعلام رسمي حذر و شكاك ومتوجس ويخلو حتى من البهجة والتفاؤل, يعتقد بالتأبيد والازلية والوحدانية المنجية, ولأنه يخلو من الشرعية و الاقناع والتمثيل فهو لا يرى حرجاً بأن يكون الغرب وسقوفه وقيمة جزءاً من منظومته أيضاً, وهكذا نربح اعلاماً رسمياً مضطرباً ما بين ادعاء الأصالة وزيف المعاصرة, اعلام يحرمك النقد و القدرة عليه, و يحرمك من المشاركة الا في طلب الأغاني و المسلسلات.

    أما الأخطر والادهى من ذلك كله, فهو الاعلام ذو الأجندات, الاعلام الممول والمشبوه, والمرتبط فعلاً و قولاً, و هو اعلام لا يتورع عن ايقاظ الفتن في المنطقة العربية و بين شعوبها, قنوات تخصصت في الردح و القدح الأعمى و البغيض و المقيت والمقزز, اعلام يستعيد قصصاً انتهت وحروباً تم الاتفاق بشأنها

     إعلام يكتشف فجأة الفروق بين الأديان والمذاهب والطوائف والأعراق والجهات والتاريخ, اعلام سلفيات وأصوليات علمانية و دينية, اعلام الاختلاف و الخلاف لا اعلام الجدل العميق و المسئول, اعلام مشبوه لأنه لا يحكي عن الاحتلال الاسرائيلي العنصري ولا عن الفقر ولا عن الظلم ولا عن نسبة الجهل والتصحر والمرض في العالم العربي والاسلامي,ولا يحكي عن أولويات الأمة وأهدافها القريبة, ولا عن الازدحام والتلوث وقلة البحث العلمي ونسبة العنوسة وتناقص الطاقة واختطاف القرار وتشقق الأمة ومحاصرتها وتبعيتها للمحتل من كل نوع وجنس, اعلام لا يحكي عن الضياع والغياب وقلة الهيبة وقلة الاحترام, اعلام كاذب وملفق وغبي ومتعصب, وحتى لا يفهم كلامي بشكل خاطئ, فإنني اعني كل هؤلاء الذين يدعون انهم يمثلون المذاهب أو الطوائف أو الاثنيات-التي تكاثرت فجأة دون سابق انذار-.

  وللوضوح و للصراحة, فإنني و لأنني اعرف نفسي باسلامي وعروبيتي وفلسطينيتي, فإنني اؤمن ايمانا قاطعاً بأن كل هذه القنوات التي تضخ الفتنة, بكل شكل وبكل نوع وبكل أنواع اللحى الطويلة والقصيرة و ما بينهما, انما تخدم اعداء امتنا كلهم بلا استثناء, لا يعنيني كما لا يعني الجامعي المغربي العاطل عن العمل والاردني المغترب و اليمني الذي لا يحصل على دولار في اليوم والمصري المثقف الذي يعمل سائقاً, لا يعنينا هذا الخلاف المفتعل الآن, والذي لا يخدم أحداً سوى أولئك الذين يريدون تغيير أولويات الصراع وأولويات الضرر وأولويات الخطر, ان ما يعنينا الآن هو التحرير والتعمير والتنمية والحرية والكرامة والتخلص من الهيمنة الأجنبية – بكل انواعها وبكل لغاتها-.

    لنعترف ان انظمتنا السياسية اثبتت فشلها وها هي تعاني ما تعاني , فإن حرف الصراع و تشتيت الرؤية والتباس العدو أو تغييره يعني احباطاً أو التفافاً على حركة التاريخ الطبيعية.وما بين الاعلام الرسمي والاعلام المقنع والمشبوه, هناك انواع اخرى من الاعلام يعكس حالة الالتباس والارتباك والتوهان, فهنالك الاعلام الذي يدعي الموضوعية في زمن لا يسيل فيه الا الدم العربي ولا يغتصب الا الشرف العربي, فتتحول الموضوعية الى موقف معادٍ ومشبوه ومشكوك فيه.

    ففي زمن الهزائم والانسحاق فإن عرض وجهة النظر الأخرى تشبه استماعنا لوجهة نظر مغتصب اختنا وهو يقول انها كانت مغرية, وهذا الاعلام العربي الموضوعي موهوم تماماً, فالموضوعية للأقوياء الذين يريدون الاحتلال والقتل, الموضوعية هنا تقنية المحتل لأنه يساوى بين الجلاد والضحية, وبهذا يستطيع ارتكاب جرائمه لأنه يقتل المرجعية الاخلاقية لأي خبر أو قصة أو فيلم.

   وهناك الاعلام المتعوي والاستهلاكي والمغرق في الجهالة والاثم والدعارة والتجارة وما بينهما, وهناك اعلام النصب- نعم النصب- والدجل.هل الصورة قاتمة الى هذا الحد؟! ولله الامر من قبل ومن بعد.

عن عالم الثقافة

شاهد أيضاً

القابلة.. قصة قصيرة

 منال رضوان | قاصة مصرية (ذات يوم سيسود الصمت) لم يتركها الأمس حبلى بأحلامها،  وسط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: