للذكرى

نداء يونس | فلسطين

نبحث عادة عن نهايات تراجيدية لحكايات أسطورية، لكن أكثر النهايات تراجيدية ليست الموت، لا الجروح ولا الفقد بمعناه الفيزيائي ولا الخسارات المعلنة بملصق إشهاري، بل أشياء بسيطة جدا كما نمر على إشارة قف في نهاية شارع ما ولا يستوقفنا سوى حمولتها الدلالية ولثوان فقط، جملة بسيطة مثل “هذا النص للذكرى”.
مثل أماكن التخزين في بيوت الأمهات يمتلئ هذا الجسد بالأشياء الخربة والضرورية (لكن ليس لهذه اللحظة- الآن)، ويختنق بالأشياء التي يمكن أن نحتاجها يوما وأشياء لا معنى لها؛ السؤال يتعلق بتلك المساحة التي تشغلها الذكرى، لا كيف تزيد بل كيف تنقص، وأنا تؤلمني المساحات التي خصصتها للذكرى/ الزجاج.
ربما لا نربح الحب أبدا، لكننا على الأقل حددنا من نحب ومن لا نحب، وهذه طريقة مبتكرة كي ننزف بفخر ونموت بأسطورية ملهمة، كما في حالة أننا لم نكسب الحرب لكننا استطعنا أن نعرف أعداءنا واحدا واحدا.
منذ وقت كنت أحلم بأفعى كأنها نحتت من المرمر تحاول أن تلدغني جهة القلب وعندما تقترب يتحول جذعها ورأسها إلى غبار ثم تتخلق وتعاود الكرة.

أمس حلمت بأفعي تشبه دودة أرضية عملاقة برأسين، واحد منهما مكان الذيل وكانت تنسحب كلما تحاول لدغي.

قال لي صديق يفسر الأحلام ثلاثة تفاسير أحدها أن هذه الأفاعي صديق يأتي مدعيا المحبة لكنه يخفي الغيرة والحسد، وقلت ليس أكثر من هذا.
الحب أيضا أفعى، إما أن تلدغ أو لا تلدغ، ولا أصدق حلما لم يلدغني في الحب.
التأويل سيد لأنك ترتهن له، كما الخديعة والذكرى، ثم ماذا؟
الكلام شبكة للصيد نكتفي بشرائها وكما قال د. وليد الشرفا “لا تتعب نفسك بمراقبة البحر ولا بتدريب الصياد، اشتر الشبكة وكفى”، وكلانا يقصد شيئا أبعد من تثبيت الكلام كإشارة “قف” في آخر شارع وعينا.
النصوص التي للذكرى تتحول إلى زجاج، أو أنها تصبح خفافيش ترتطم بكل الضوء الممكن وتجرحه.
أشتري بالمال لقيمات، وبالحب لقيمات أيضا.
الخسارات كثيرة، لكن أفضل أسبابها أن تكون سببا للشتيمة كما قالت صديقة ما.
قلت “لا أعرف من الحدود سوى جسدي”، لكن هذا أيضا مرعب، فهذه المعرفة تحديدا توجب استدعاء الشرطة اللغوية والاجتماعية كي أترجم لحظة واحدة في الحب.
في حوار ما لم يكتمل، لأن المصلحة أقوى من الشعر ومن اللغة، قلت إنني أريد أن أكون ظلال للظل، ظلا لشيء الشيء، مسلة للعدم، لكن امتياز التخفف ليس متاحا بذاك الترف المتوقع.
– وهذا النص للذكرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى