مقال

تقديم ديوان “عاشقة و لا أنظر في النّهر ” لآمال موسى

أ.د.  سامية الدّريدي | جامعة تونس

الشّاعرة

الأستاذة آمال بلحاج موسى أكاديميّة وشاعرة؛ هي أستاذة جامعيّة في المعهد العالي للصّحافة وعلوم الإخبار حاصلة على الأستاذيّة في الصّحافة و علوم الإخبار وشهادة الدّراسات العليا في علم الاجتماع الثّقافي و شهادة الدّراسات العليا في علم اجتماع المغرب العربيّ وشهادة الدّراسات المعمّقة في علم الاجتماع والدّكتوراه في علم الاجتماع الدّيني و السّياسي، نشرت العديد من المؤلّفات العلميّة في اختصاصها كتبًا ومقالات في مجلّات علميّة محكّمة من أهمّها:

(1) بورقيبة والمسألة الدّينيّة: إلى أيّ حدّ طغى التوتّر في علاقة الدّينيّ بالسّياسيّ؟ سيراس للنّشر ، تونس 2006

(2) كتاب مشترك مع الأستاذ الدّكتور عبد القادر الزغل، حركة النّهضة بين الإخوان والتّونسة ، سيراس للنّشر ، 2014

(3) الشّباب التّونسي والتديّن في الحياة اليوميّة، مؤسّسة مؤمنون بلا حدود ، 2019

 وكانت عضو اللّجنة القطاعيّة لعلم الاجتماع في تونس و هي عضو منتخب في المجلس العلميّ لمعهد الصّحافة وعلوم الإخبار منذ 2017و عضو في وحدة بحث حول “المجتمع والمجتمع الموازي” بكليّة الآداب والفنون و الإنسانيّات بمنّوبة منذ 2009

وهي أيضا، شاعرة ذات تجربة ثريّة تعكسها دواوينها الكثيرة  ذات العناوين اللّافتة المُغرية بالقراءة وهي:

  • أنثى الماء تونس 1997

و قد قدّمه الأديب التّونسي الكبير محمود المسعدي صاحب “السدّ” و “حدّث أبو هريرة قال “

  • خجل الياقوت القاهرة 1998
  • يؤنّثني مرّتين تونس 2005
  • مثلي تتلألأ النّجوم تونس 2010
  • جسد ممطر دمشق 2010
  • الحياة لم تضع بعد مساحيقها دار كلمة للنّشر 2017 و طبعة ثانية مصريّة 2020
  • وحدي في شرفة النّساء عمّان 2021
  • ديوان عاشقة و لا أنظر في النّهر سنة 2021

تُرجمت أشعارها إلى عديد اللّغات وتحصّلت عل عديد الجوائز المحليّة و العربيّة كجائزة زبيدة بشير وجائزة المرأة العربيّة سنة 2007 التّي تمنحها منظّمة المرأة العربيّة وجائزة ليريتشي بيا الإيطاليّة الأوروبيّة للشّعر، والجائزة الأخيرة عالميّة نعني جائزة “كاتيلو” العالميّة للشّعر سنة 2022  التّي تمنحها “الأكاديميّة العالميّة للشّعر “بدعم من منظّمة الأمم المتّحدة للتّربية والعلوم والثّقافة (اليونسكو) وهي حاليّا وزيرة الأسرة والمرأة والطّفولة وكبار السنّ  في تونس .

الدّيوان

هو آخر إصدارات الشّاعرة آمال موسى ، صدر في طبعته الأولى  عن دار سيراس للنّشر نوفمبر 2021. ويضمّ 14  قصيدة هي على التّوالي: “أعلمني عجين الخبز بكلّ شيء ” و”أنا والبضة شقيقتان “، و”سرّني” و “العشق زمن الكورونا “و ” شوق الإبرة للخيط ” و”مساء السّبت مسائي ” و”العسر يخيط عشقي”و “هل أتاكم خبر رجل يتنفّس إمرأة ؟” و”فراغ الوردة من الأستروجين” و”القطّ البرّي ” و “كم أحنّ” و “هذا الحفل ليس لي ” و”رجل البلديّة  (حارق الأمل)”، و”بضعة أيّام من الحبّ “.وقد سُبقت هذه القصائد بإهداء جميل ، لا يقلّ في نظرنا جمالا عن عنوان الدّيوان ، ففي الإهداء تقول :

           ”  إلى من رفعه العشق إلى درجات اللّهب

              إلى من تدثّر بالعشق في شتاء الحياة و خريفها

              إليه هذه القصائد المضمّخة بعناصر الوجود الأربعة “

 

إنّه إهداء يفيض عشقا إلى قلوب أضناها الحبّ و أرّقها ، فكان –أي الحبّ – داءهم و دواءهم ، كان سعادتهم و شقاءهم . والشّاعرة تخصّ بإهدائها  أولائك العاشقين الذّين داهمهم الحبّ في شتاء العمر أوخريفه فاتّخذوه دثارا يقيهم برد هذا و رياح ذاك ، فإذا بالعشق “حياةٌ ” تعود، و”شبابٌ” يُستعاد . ولهذا وسمت الشّاعرة قصائدها وسمًا فيه كلُّ “الحياة ” حين جعلتها مضمّخة بعناصر الوجود الأربعة : الماء والهواء و التّراب والنّار.وهي بذلك تماهي العشق وتتّحد به، إذ كلاهما يهبان الحياة و يصيّران العدم وجودا .وفي هذا الإهداء وعي دون شكّ  بسموّ الشّعر و رفعة منزلته .

وأمّا العنوان “عاشقة لا أنظر في النّهر ” فهو آخر سطر شعريّ من قصيدة مركزيّة في الدّيوان عنونتها الشّاعرة عنوانا لافتا “هل أتاكم خبر رجل يتنفّس امرأة ؟” و قد جاء مقطعها الأخير غلافا خلفيّا للدّيوان .

و القصيدة تجمع بين السّرد و الوصف و الحوار ، إنّها نسيج شعريّ بديع يجمع أنماطا في القول متباينة ينظمها إحساس قويّ بفرادة تجربة في العشق فينظمها كما تُنظَمُ حجارةٌ كريمةُ في عقد. و القصيدة قائمة على أسلوب طريف في البلاغة العربيّة وهو “الالتفات ” حين تحدّثنا الشّاعرة عن عاشقة بضميرين ، بضمير الغيبة

        لم تكن وردة

        و لم يكن اسمها وردة

        ثمّ بضمير المتكلّم :

        كان يشمّني في كلّ يوم جديد و يسأل : هل أحبّه ؟

فلا نعلم – يقينًا – بهذا الأسلوب عن أيّ عاشقة تتكلّم . أهي الذّات  الشّاعرة ؟ أم كلّ عاشقة  تسرد الحبّ مع رجل”  يتنفّسها”، …”يدرك سرّها “… “يشمّها “…”يكتبها”

فالمرأة هنا غدت للرّجل “وجودا ” و لولاها للفّه العَدمُ ، وطواهُ النّسيان ، و لهذا  نجده يلحّ في السّؤال :

        كان يشمّني في كلّ يوم جديد و يسأل : هل أحبّه ؟

  و لهذا يهزم “سارتر ” فيلسوف الوجوديّة بقبلة واحدة

        وتهزم سارتر بقبلة واحدة منّي و هو نائم في قبره لا

        يقاوم انتصارك

و كأنّ “سارتر” الذّي خاض طويلا في الوجوديّة  حتّى غدا رمزا لها  بلا منازع ، قد  أخطأ الطّريق إلى كنه الوجود ، حين لم يدرك أنّ الوجود كلّه تختزله امرأةٌ تُعشَق وتَعشَق  .

و الشاّعرة الأنثى المزهوّة بعشق الرّجل لها تستدعي زهرة النّرجس رمز العُجب و الغرور :

           أو سمّني زهرة النّرجس

            المتيّمة بنزول المطر و الشّتاءات

       ولكنّها سرعان ما تنفي هذا الشّبه حين تنهي قصيدتها بقولها :

           و بين الأنفاس

           انزلقت عاشقةً لا أنظر في النّهر

 

فهي تستدعي الأسطورة الإغريقيّة المتعلّقة بالأمير “نرسيس” المفتون  كما يُقال بحسنه و جماله ، والذّي لمّا رأى انعكاس حسنه على صفحة مياه بحيرة أطال النّظر فيه حتّى فقد توازنه و سقط في الماء ليغرق و يغدو رمزا لحبّ الذّات والافتتان بها ولأنّ الشّاعرة عاشقةٌ تؤمن بالعشق جوهرًا للوجود و كنهًا للحياة، تنفي عنها الغرور وحبّ الذّات فكأنّها بالحبّ تتّحد بحبيبها فيكون هو الفتى المطلّ على الماء مزهوّا ، وتكون هي انعكاسَه أي جمالَه وسببَ عجبه :

           أجبني يا أيّها المفتون بي و بك

           أتكون أنت الفتى القديم الذّي نظر في الماء مزهوّا

           بجماله

          و أكون أنا انعكاسك في الماء زهرة النّرجس ؟

 

والدّيوان – بعنوانه هذا – يعكس فكرة فلسفيّة مهمّة مفادها أنّ الحبّ هو الوجود ذاته ، به يُنحت  الكيان، و به تسمو الذّات و تترفّع عن كلّ النّقائص . ولذا لا نستغرب قول الشّاعرة البليغ و قد أصبحت بسلطة الشّعر و سطوته على النّفوس،  رسولا يهدي النّاس إلى الطّريق القويم و ذلك  في آخر مقطع من قصيدة أخرى في الدّيوان اختارت لها  ” القطّ البرّي”  عنوانا:

          اِعشقْ..

          لتدركَ مخبأ الرّوحٍ

         اِعشقْ..

         لتلمس بيديك الخيال

         اِعشقْ…

         و اِسحقْ بقدميك غولَ العدم

إنّها تدعو إلى اعتناق دين جامع لكلّ الأديان: إنّه ” العشق” القادر وحده على أن يهزم العدم .وهنا نلمس نفسا “صوفيّا” خفيّا، أليس التصوّف في حقيقته  الخفيّة عشقاً؟  وهنا يتراءى غول العدم مهزوما مسحوقا  بالحبّ بما تعنيه هذه الصّورة من دلالات شتّى: فالرّعب يختفي  لتحلّ محلّه السّكينة، والظّلمة تنحسر  أمام النّور والموت يفرّ وقد داهمته  جحافل الحياة

ولأنّ الشّاعرة تقدّس العشق وأهله ، تدرك أنّ العشق قدرٌ جميلٌ رغم الضّنى  والعذابات، وأنّ من ساق هذا القدر إلى عباده – أي اللّه – رحيمٌ بالعاشقين و بأحوالهم عليمٌ ، فتناجيه  في نفس صوفيّ حالم في قصيدة أخرى من الدّيوان عنوانها لافت: :”العسر يخيط عشقي “:

         يا خالقي

         و كاتبَ أقدار العشّاق بيتا و قصيدا منثورا

         ما عهدتُ الربّ مثلي غيورا

         لقد كلّفتني عشقا أنهك وسعي

         رويدكَ

         إنّي من عيالك العاشقين

         استبدلتُ وحشة العدم بلمعة الوجه الصّبوح

والعدم – كما نرى – يلوح  مرّة أخرى نقيضًا للعشق، لأنّ العشق وجودٌ و لأنّ عناق النّظرات  كما تقول الشّاعرة “يعيد للأرض الماء ” أي يبعث فيها الحياة ، بما تعنيه من خصب و نماء ، و ألفة تبدّد. “وحشة العدم “

خلاصة القول، إنّ الدّيوان ممتعٌ ، جديرٌ بالقراءة ، باعثٌ على التدبّر والتّفكير: تدبّر صوره الطّريفة الأنيقة، و التّفكير في الأفكار العميقة و الرّؤية الخاصّة بالشّاعرة للكون وللوجود ولا ندّعي الإتيان بجديد، إن ذهبنا إلى انفتاحه على أكثر من قراءة وتأويل. فذاك ميسم النصّ الأدبيّ عموما، ولكنّ هذا الدّيوان ولأنّه لشاعرة و أكاديميّة في الآن ذاته يدعونا إلى البحث في خصوصيّات التّجربة الإبداعيّة  عند آمال موسى بشكل خاصّ، وعند   الأكاديميّة المبدعة بشكل عامّ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى