قراءة في مسرحية (ثأر الله) لعبدالرحمن الشرقاوي

بقلم: عبد الله الميّالي | العراق

من أشهر المسرحيات العربية التي استحضرت شخصية الإمام الحسين عليه السلام ووقائع يوم عاشوراء، هي المسرحية الشعرية (ثأر الله) للكاتب والأديب المصري عبد الرحمن الشرقاوي – رحمه الله – .. وهي المسرحية التي فتحت الباب لبقية الأدباء العرب لينهلوا من المورد نفسه (يوم عاشوراء) ، رغم أنّ هناك من سبق الشرقاوي بأربعة عقود في مسرحة واقعة عاشوراء أدبيّاً، وأقصد به الأديب اللبناني/العراقي السيد محمد رضا شرف الدين العاملي نجل العلامة والمرجع السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، حيث كتب مسرحيته الشعرية (الحسين) عام 1933 عندما كان يسكن مدينة النجف حينئذ، وقد كان يحمل الجنسية العراقية أيضاً، مما يعد هذا النص أول نص لمسرحية شعرية في العراق على رأي الباحث العراقي الدكتور عمر الطالب في كتابه (المسرحية العربية في العراق) ، وللأسف لم تأخذ هذه المسرحية نصيبها من الشهرة والاهتمام الإعلامي والنقدي كما هو شأن مسرحية (ثأر الله) للشرقاوي.
مسرحية (ثأر الله) تتألف من قسمين منفصلين: القسم الأول (الحسين ثائراً) ويتضمن ثلاثة عشر منظراً، ويُعنى بأحداث ما قبل يوم عاشوراء. والقسم الثاني (الحسين شهيداً) ويتضمن ستة مناظر، ويُعنى بأحداث ووقائع يوم عاشوراء وما بعدها.
ظهر النص المسرحي لأول مرة عام 1969 كما هو مدوّن في آخر صفحة من القسم الثاني: “القاهرة: ذو الحجة سنة 1388 / فبراير سنة 1969” وتم طباعتها في دار الكاتب العربي للطباعة والنشر في القاهرة.
وكُتبت المسرحية كما يبدو كرد فعل على هزيمة العرب في حرب 1967، وشعور العرب بخيبة أمل كبير من القادة والزعماء الذين كانوا يتعاملون مع العدو ومع شعوبهم أيضاً بتعالٍ ونرجسية وغرور، مع الحاجة إلى استلهام الماضي العربي من خلال شخصياته التاريخية، شخصيات عُرفت بتاريخها الناصع والمشرق في ميدان الكفاح والنضال والثورة والإصلاح، فكان الإمام الحسين هو تلك الشخصية التي وقع عليها اختيار الشرقاوي، وكما يقول هو عن ذلك: “بعد هزيمة حزيران عام 67، كنت أحسّ بحاجة إلى نموذجٍ عالٍ من الاستشهاد في تاريخنا، بما يؤمن به المناضل ويشكّل أمام المواطن العربي أعلى نماذج الرفض والثورة على المهانة والظلم، وفي رأيي أنّ الحسين كان يمثل هذا، وأنّ المواطن العربي بحاجة إلى استحضاره” [1]
وقد نجح الشرقاوي نجاحاً باهراً في نصّه المسرحي، فقد عَرَفَ من أين تؤكل الكتف، عندما اختار تلك الشخصية التاريخية الدينية العربية (الحسين بن علي) لاستحضارها في مسرحيته الشعرية، فالحسين كما يقول أحد الأدباء العرب: “شخصية فذّة وإنسانية رفيعة تجاوزت الزمان وتخطّت المكان، فلم تعد تتسع لها حدود .. يسير إلى مصيره الفاجع وهو مدرك أنه سيلاقي مصرعه في سبيل أنّ المبادئ التي يدافع عنها ستنتصر وتزدهر إذا وهبها دمه .. ويعرض لنا الشرقاوي في مسرحيتيه الشعريتين موقف بطولة وفدائية من أروع المواقف لا في التاريخ الإسلامي فحسب، ولكن في التاريخ الإنساني بأسره .. فقد مضى الحسين شهيداً كريماً وفياً صابراً شجاعاً ورعاً عفيفاً عالي الهمة ناصراً الحق، ناهياً عن المنكر، عازفاً عن كل ما في الدنيا من غرور وزهو، حاملاً في أمانة مسؤولية القدوة، فكان مُعلِّماً تجلس الدنيا عند قدميه” [2]
نالت المسرحية وكاتبها إعجاب وتقدير أهل الأدب والفكر والثقافة والفن على اختلاف مشاربهم: “إنها مسرحية شعرية رائعة بذل الكاتب في تأليفها جهداً خارقاً. ويمكن لكل من يقرأ المسرحية أن يلحظ كيف استطاع الأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي أن يستوعب النصوص والوقائع التاريخية وأن يعيد صياغتها بلغة الشاعر المرهف المحب للحُسين الذي يتفاعل مع كل حرف كتبه” [3]
ومن قراءتنا لهذه المسرحية الشعرية يمكن استخلاص ما يلي:
1 – استمدت المسرحية أحداثها وشخصياتها من الإرث التاريخي والديني العربي، مصوّرة تلك الأحداث بأسلوب يتوسط بين القصة والشعر، كما يبدو الأسلوب الروائي في المسرحية ظاهراً وجليّاً، ممّا يقوّي أثرها في نفس القارئ.
2 – ركّزت المسرحية على بيان شخصية الإمام الحسين (نفسياً وخطابياً وحركياً ورسالياً) ، وقد وُفّق الشرقاوي في ذلك توفيقاً كثيراً.
3 – أفرزت المسرحية على سعة اطلاع الكاتب الشرقاوي وقراءته المستفيضة لتاريخ متشعب وواسع تناول حياة الإمام الحسين بصورة عامة، ووقائع وإرهاصات يوم عاشوراء بصورة خاصة، بإضافة إلى التاريخ العربي الإسلامي.
4 – نجح الشرقاوي في تناول الصراع (الذي هو روح وجوهر أيّ نص مسرحي) سواء أكان صراعاً باطنياً ونفسياً أم ظاهرياً واجتماعياً. ونجد ذلك الصراع في نصوص كثيرة ومتعدّدة من المسرحية لا مجال لبيانها هنا.
5 – كُتبت المسرحية بلغة العصر، تنبض بحركته وتحيى بحياته، فامتازت ألفاظها بأنها فصيحة ومتينة من جهة، وميسورة وبسيطة وبعيدة عن الألفاظ الغريبة والوعرة من جهة أخرى، فعندما نقرأ عبارات المسرحية سنجد فيها من البلاغة والحيوية بقدر ما فيها من البساطة والسلاسة.
6 – كان لخيال الشرقاوي بصمة واضحة في المسرحية، وقد تجلى هذا الخيال بأروع صوره في المنظر السادس من القسم الثاني من المسرحية (الحسين شهيداً) وهو يرسم صورة (يزيد) تائهاً في صحراء لاهبة، ويعدو حائراً مضطرباً بين منخفضات تلك الصحراء ومرتفعاتها، وقد أعياه العطش يبحث عن قطرة ماء:
يزيد: العطش! يا إلهي كِدتُ أقضي في العطش.
الحسين: نحنُ أيضاً قد هَلكنا عَطشاً.
يزيد: مَن هنا؟ .. مَن أنت؟ .. هل عندك ماء؟
الحسين: أنا خيال الحسين بن علي.
يزيد (مذهولاً) : الحسين بن علي .. آه كم عانيتَ من نار العطش؟ .. كيف بالله تغلبت على حرّ العطش؟ كيف؟ .. لا .. لا .. أنت من خمسة أعوام ذُبحت .. إنني علّقتُ في الأسواق رأسك .. مستحيل .. ليس أنت.
الحسين: إنّ مثلي يا يزيد لا يموتْ .. رُبّ ماضٍ لا يفوتْ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1 – مجلة الأقلام العراقية في لقاء مع الشرقاوي، العدد الثامن لعام 1975
2 – د. غبريال وهبة، مجلة القاهرة، العدد 43 ، نوفمبر 1985
3 – أحمد راسم النفيس، جريدة المدى، العدد 4028 في 26/9/2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى