الرئيسية / تربويات / أمراض اجتماعية: الحسد وآلامه (1)

أمراض اجتماعية: الحسد وآلامه (1)

د. فيصل رضوان | الولايات المتحدة الأمريكية

 يبدو أن الجذور النفسية للحسد عميقة للغاية ، وربما ساعدتنا على التطور كجنس بشرى.  لكنها ليست مشاعر ممتعة أبدًا، بل تجذب الكثير من البغض والخزي الإجتماعي ؛  حيث أنه من المفترض أن نكون سعداء عندما ينجح شخص آخر ، لكن كما سنرى ، غالبًا لا تعمل معظم عقولنا بهذه الطريقة.  إذن، ما هي القصة الحقيقية وراء الحسد ووظيفته في الدماغ البشرى؟ هذا ما سوف نعرضه لكم فى هذا المقال.

أعراض الحسد

حتى نشعر بالحسد ، يجب نجتاز ثلاثة شروط.  أولاً ، يجب أن نواجه شخصًا مميزًا بشيء – ملكية ثمينة أو صفة أو إنجاز – قد إستعصى علينا.  ثانيًا ، يجب أن نرغب في هذا الشيء لأنفسنا.  وثالثًا ، يجب أن نتألم شخصيًا من هذه المشاعر المرتبطة برغبتنا فى انتزاع هذا الشىء من صاحبه.  ونؤكد القول “مؤلم شخصيًا” لأن هذا البعد الشخصي هو الذي يفصل الحسد عن عن مشاعر أخرى مثل الغضب العابر أو حتى الظلم للآخرين.

 بإختصار، الحسد هو ذلك “الألم الشخصي” الذي تسببه الرغبة في مزايا الآخرين.  يصف المفكر الأمريكي نيلسون ألدريتش Nelson W Aldrich في كتابه النقود القديمة Old Money: The Mythology of Wealth in America  ألم الحسد بأنه “إحساس محموم بالفراغ داخل النفس ، كما لو أن مضخة قلب المرء تدفع الهواء”— وليس دماء!   الحسد هو أمر حقير وبغيض ، بل يمكن القول بأنه أفظع الخطايا والآثام المميتة.

يهتم الحاسدون عمومًا بإخفاء مشاعر الحسد.  ومع ذلك ، قد يتم إكتشافها بسهولة من خلال التعبيرات غير المباشرة، مثل ظاهرة الإستمتاع الغريب في مصائب الآخرين.  بما يسمى ب “فرحة الأذى”، والفرح بالأخبار السيئة للمشاهير الذين تعرضوا للعار والفضيحة وما شابه ذلك.

 وقد يمزج البعض بين الغيرة والحسد. حيث يصف الكثير من الناس “الشخص الغيور” ، بينما يكون ما يقصدونه حقًا هو “الحسود”.  الحسد والغيرة لهما بنيان مختلف ومضاد للآخر .  إذا كان الحسد هو “الألم الشخصي” الناجم عن الرغبة في مزايا الآخرين ، فإن الغيرة هي “الألم الشخصي” الناجم عن الخوف من فقدان مزايا المرء للآخرين ، أو مشاركة مزايا المرء مع الآخرين.  على خلاف الغيرة والت تساعد بعضنا على محاكاة الناجحين، فالحسد نوع من الطمع والبغض.

تشخيص الحسد طبيًا

لماذا يشعر الشخص بالحسد؟  ألن يكون من الأجمل أن نحتفل ونبارك للشخص الآخر ، على الاولاد و الزوجة الجميلة ، أو المنزل الرائع أو النجاح؟  حسنًا ، و”لكن” ربما لا.

اتضح أن شعور الحسد  يمكنه، في الواقع ، أن يجعل صاحبه يتألم جسديًا.  ففى دراسة شيقة، أجرى علماء الاعصاب مسحًا للدماغ، حيث طُلب من الاشخاص تخيل أنفسهم في مواقف اجتماعية صادفوا فيها أشخاصًا أثرياء،  أو ذوى مظهر ونفوذ ، على سبيل المثال.  وجد العلماء  أنه عندما اعترف المرضى بالشعور بالحسد ، “أُثيرت” مناطق الدماغ المشاركة في تسجيل الألم الجسدي: وكلما زاد الاعتراف بشدة حسدهم ، زادت حدة اشتعال العقد المؤلمة في الدماغ.  وتأكد من ذلك أنه غالبا ما يسجل الدماغ ألمًا جسديًا عندما نكون في مواقف حسد ، تمامًا كما يحدث عندما نشعر بالحزن والعزلة.

 يشجعنا مفهوم المساواة دائما على مقارنة أنفسنا بالجميع ، ووسائل التواصل الاجتماعي تجعل هذا الأمر سهلاً للغاية ، مما يؤجج فينا نيران الحسد.  فقد ذكر تقرير نُشر حديثا فى مجلة Scientific American شيئًا مثيرًا للقلق.  أوضح أن الاستخدام المكثف لمواقع التواصل الاجتماعي قد يؤدى إلى تعزيز الاكتئاب ، حيث أثبتت الدراسات أنه بالنسبة للشباب على وجه الخصوص ، فإن الدافع وراء إنخفاض الحالة المزاجية هو إلى حد كبير  نتيجة الشعور الحاسد.  وجدت إحدى الدراسات أنه عند التعرض لموقع الفيسبوك – حيث “يعرض” الأشخاص نجاحاتهم ورحلاتهم وحفلات الزفاف والأطفال وغيرها من الإنجازات – قد يثير الكثير من مشاعر الحسد ، ويؤدي  لمزاج منخفض ومجموعة من المشاعر المؤلمة نفسيا وجسديًا.  وبينما وجدت دراسة أُخرى أن طريقة استخدام البعض للفيسبوك، هي نفسها التي تنتج الحسد والمشاعر السلبية. فيما أطلقوا عليه الاستخدام “السلبي” ، حيث يقوم الشخص بالتستر خلف الشاشة ومشاهدة إنجازات الآخرين فقط،  بدلاً من التفاعل معهم، لتقليل حدة مشاعره.

تطور الحسد

إحدى النظريات علم النفس تجزم بأن الحسد تطور معنا جميعًا بلا إستثناء، كجزء من تطورنا نحن “الجنس البشرى”، خلال رحلة التنافس والبقاء. فالحسد، كما يصفه علماء النفس،  هو جزء من “تقييمنا الذاتي” ، حيث نقارن أنفسنا بالآخرين ونتنافس معهم.  وربما تطور مشاعر الحسد قد لعب دورًا مهمًا في بحث البشر عن الموارد اللازمة، والسعى للبقاء والتكاثر الناجح ؛  حيث كانت كل هذه الدوافع جيدة فى وقتها،  عندما تعلق الأمر بضمان بقاء وتطور البشر الأوائل الذين كانوا يتقاتلون من أجل الموارد.

الحسد فى الأديان

الحسد في الإسلام يعتبر شر  كبير ونجاسة فى القلب ، ويمكن أن ويدمر الحسنات.  ولا ينبغي للمسلم أن يسمح لحسده بإيذاء المحسود. فجاء ذكرة فى القرآن الكريم بأنه شر نعوذ بالله العظيم من اضراره.

 ورواية صحيحة عن النبى محمد صلى الله عليه وسلم  انه قال: “لا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا” (صحيح مسلم)، وفي رواية أخرى ” إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا” (صحيح البخاري). وربما تمنى المسلم لنفسه نعمة مثل تلك التي حصل عليها غيره كنوع من الفرح والغبطة، دونما الرغبة في انتزاعها من الشخص الآخر.

أما المسيحية،  فقد وضعت أوصاف وأحداث مختلفة للحسد والأحداث المتعلقة به ، كما ذُكر فى العهدين القديم والجديد —والتي انتهت في الغالب بنتائج مأساوية. ويوصف الحسد بأنه أحد الخطايا السبع المميتة في الكاثوليكية الرومانية.  في سفر التكوين يقال أن الحسد هو الدافع وراء تقاتل ابنى آدم عليه السلام حيث قتل هابيل  أخيه هابيل حسدا منه.  ويوصف الحسد أنه من الأمور التي تنبع من القلب وتدنس الإنسان [Mark 7:14-23]، حيث يمتلئ الجسد كله بالظلمة والعين رديئة سراج الجسد (Luke 11:34-36)؛ ومن عنده حسد للناس يحرم ميراث ملكوت الله (Galatians 5:19-21) ، كعقاب له.

وتؤمن اليهودية بالحسد، وأن العين الحاسدة أسوأ من اصدقاء السوء، وجيران السوء، وحتى أشد سوءاً من القلب الفاسد. وقد يرى “حكماء اليهود”، أنه يمكن الابتعاد عن عين الحسود من خلال اتباع سلوكيات متواضعة لا تثير الحسد لدى الآخرين. وهناك تميمة تسمى “تميمة الباب”، (Mezuzah). تُوضع على كل باب مدخل يهودي ، في داخل هذه التميمة ورقة تتضمن عددا من آيات التوراة الثابتة.  ومن المتبع في اليهودية لمس هذه التميمية كل مرة عند عبور الباب وتقبيل اليد التي لامستها. ويعتبر الكثير من اليهود التميمة رمزا لحماية المنزل وسكانه.

في النهاية نقول بأن الحسد مسألة معقدة ، وموقف شخصى وأخلاقى نأخذه ضد الآخرين من الأبرياء.  عندما نصادف شخصًا أفضل منا، أو أكثر نجاحًا منا ، يمكننا أن نواجهه بالتجاهل أو الفرح أو الإعجاب أو “الحسد”.  حيث يبقى الحسد دائما شعور بغيض،  وسور شائك يمنعنا من التعلم من أولئك الذين لهم مزايا أفضل منا.  ولكن علينا أن نحول العين الشريرة الى غبطة وسعادة، من  خلال التفاعل الإيجابي مع الآخرين، عندها فقط يمكننا أن نتعلم ، ومن خلال التعلم ، نحسن من أنفسنا.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

أريقُ نزف القلب شعرا

أشرف حشيش | فلسطبن كتبتُ وحمحمَتْ لُغتي. وحنّت قصائدُ هائمٍ يأبى الصدودا °°° ورحتُ أريقُ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: