معركة الثوابت

د. طارق حامد | أكاديمي مصري

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على رسولِ الله.و بعد: بين الفَينة والأخرى تَخرج عليْنا ألسِنة متبجِّحة تتعدَّى على ثوابت هذه الأمَّة، وتنال من رموزها، وتقسم الدّين أوزاعًا فتؤْمن ببعضٍ وتتْرك بعضًا، يقْرؤُون القُرآن ولا يتَّخذونَه شِرْعة ومنهاجًا في حياتِهم، ويَحْصرونَه في زوايا ضيّقة، ويُديرون ظهورَهم لشرْع الله – عزَّ وجلَّ – ويأخذون عرَض هذا الأدنى من الشَّرائع الوضعيَّة الفاسدة، ويتحاكمون إليْها من دون الله – عزَّ وجلَّ – وما أسِنَت البشرية وما فسدت الأخْلاق وما ارْتكست في هذا الانْحِلال إلاَّ لتنكُّبِها عن شرْع الله – عزَّ وجلَّ -: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 58].

وهذا هو الميراث النَّكِد الَّذي صنعتْه أيدي المسلمين، بترْكِهم منهج الله – عزَّ وجلَّ – وهم يَحملون أسماءً ذاتَ صبغة إسلاميَّة، ويَعيشون تحت مظلَّة الإسلام، ويلْبَسون عباءةَ الدّين، غير أنَّهم ذوُو قلوبٍ معْلولة وعقيدة مدخولة، وغايات مَمسوخة، ويتعلَّلون بأنَّ الدّين لا يصلح الآن لأن يَسوس الحياة، وأعلنوها علمانيَّة سافرة تلْهث بها أفواهُهم المريضة، وقلوبُهم الَّتي تمكَّنت منها الأهواء والشَّهوات حتَّى يحيوا في الدّنيا، ولا همَّ لهُم إلاَّ إشْباع غرائزهم، واستطالة نزواتِهم ومناصبهم، وذلك كلّه في خدمة أصنامِهم الَّتي صنعوها ثمَّ خرّوا لها سجَّدًا لهذه الأغراض الدّونيَّة:

وَمَنْ يَكُ ذَا فَمٍ مُرٍّ مَرِيضٍ

يَجِدْ مُرًّا بِهِ المَاءَ الزُّلالا

وإنَّما مثَلُنا ومثَل هؤلاء كمثل فِئَتين التقَتَا، فئة تُنافِح عن راية الحقّ، وفئة تتعدَّى على ثَوابتِنا عصبيَّة وحميَّة والحقُّ منها براء, والغلَبة في هذه المعركة لِمَن آمَنَ وصبَر وأيْقن أنَّ الحقَّ في جانبه، وجابَهَ الآخَر بنفْسِ وسائلِه، وتَمسَّك بثوابتِه وعضَّ عليْها بالنَّواجذ، وبذَل في سبيل الله فيها الغالي والنَّفيس.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 45، 46].

والأمم الَّتي لا تَمتلك مجموعة من الثَّوابت هِي أقرب للموْت منها للحياة، وهي أقرب للتقوْقُع والانكِماش فضلاً عن التَّلاشي، كماءٍ أُنزل من السَّماء فاختلط به نباتُ الأرض، فأصبح هشيمًا تذْروه الرّياح, فليْس لديْها ثوابت تتشبَّث بها، فهي في حالها هذا تُشْبِه الهُلام لا يكاد تتَّضح معالمه، وتراه يَميع مع الضَّغط المستمرّ عليه, فالأُمم الإمَّعات هي الأُمم التبع ليس لها أطر، ليس لها أركان ومعالم، تَتبع كلَّ ناعق مهْما كانت درجة تهاويه وسقوطِه في سوق الأخلاق والقيم.

1- ((لا تكونوا إمَّعة تقولون: إن أحسن النَّاس أحسنَّا وإن أساؤُوا أسأْنا، ولكن وطِّنوا أنفُسَكم، إن أحسنوا أن تُحْسِنوا وإن أساؤُوا أن لا تظلموا))؛ رواه التِّرْمذي وضعَّفه الألباني.

وأمَّتنا الإسلاميَّة تَحمل في طيَّاتها مشْروعًا إصلاحيًّا للدُّنيا كلّها، وتتطلَّع بآفاق رحْبة وواثقة للفوْز في الآخِرة أيضًا، وذلك من خِلال التمسُّك بثوابتِها المسْتقاة من الشَّريعة الغرَّاء، ﴿ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [الزخرف: 43].

وهذا الزَّخم الجمّ من الثَّوابت التي تلفّ أرْكان أمَّتنا الإسلاميَّة، وتُحيط بها رعايةً وتربيةً وقيادةً وتوجيهًا، وتضعُها راسخةً في مصافّ الأُمم الشَّامخة بما تحمله في طيَّاتِها، وبقدْر ما تتمسَّك به من هذي الثَّوابت, ويَجب أن نكون نحن على قدْر هذه الأمانة الكبرى وعلى قدْر الدِّفاع والحفاظ على هذه العقيدة، وعلى تلك الثَّوابت حتى نكون أهلاً لنصْر اللَّه – عزَّ وجلَّ – في الدّنيا ورضوانه والفوز في الآخرة بجنانه.

وثوابتنا في معركة الثَّوابت لا حصر لها، ولكن لا بدَّ هناك فيها الأهمّ ثمَّ المهمّ، وهذه الثَّوابت بدءًا من القُرآن ومرورًا بالسنَّة واللُّغة والمسجد، وانتهاء بالهويَّة، هي محاور وأركان أمَّة تربَّت على العقيدة الرَّاسخة، وعلى هذه الأركان نشأتْ هذه النفوس العظيمة لهذه الأمَّة، وهي – أي هذه النفوس الكبار – هي الَّتي حملتْ لِواء العقيدة ومعركة الثَّوابت من لدُن الرَّسول الأعظم – صلَّى الله عليه وسلَّم – وإلى اليوم، فهناك ألوية ولا رجالَ لها، وقُرآن تنتهك حرمتُه ولا ابن حنبل له, وسنَّة نبيّنا تهمَّش ويشكَّك فيها ولا أبا بكرٍ لها, والمسجد الأقصى يهوَّد ويهْدم ولا عمر ولا صلاح الدين له, ولغتنا العربيَّة وهويَّتنا تُمسخ ولا رجال لها, فهلمّوا إلى هذا الخميس نبني به بناءَ أمَّة قد تهدَّم وتهاوى على ضربات متتالية، من عدوّ شرِس لا يرقب فينا إلاًّ ولا ذمَّة.

وفي تصوّري أنَّ اللغة العربيَّة هي أهمّ ما نبدأ به في هذه الملْحمة؛ لأنَّ اللغة يُدار عليها حرْب ضروس لطمْس معالمها والَّتي نزل بها القرآن غضًّا طريًّا, وإذا ما تمَّ ذلك لأعدائِنا فسيؤدِّي ذلك لمسْخ هويَّتنا الإسلاميَّة العربيَّة، وسوف تتَّسع الهوَّة أيضًا بين لغة القُرآن واللُّغة أو اللَّهجات واللَّكنات التي سوْف تنحدر إليْها اللُّغة العربيَّة، ولسوف تُعاني كلُّ الأجيال القادِمة في فهْم معاني القُرآن، وسوف يتمّ التَّباعُد والغموض في فهْم القرآن العظيم، والسنَّة النبويَّة أيضًا سوْف نُعاني في فهْمها والحفاظ عليها كما خرجتْ من رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وليس هذا فحسب، فصاحب اللغة المتهتِّكة سيجد جفْوة بيْنه وبين التّلاوة في الصَّلاة، بل ودخول المسجِد، وسيؤدِّي ذلك إلى هجْر المسجد والقرآن والسنَّة، ومسْخ هويَّتنا الإسلاميَّة.

ويَجب أن تكون لنا رؤًى مستقبليَّة منظَّمة لمجابهة هذه الحرْب، والحفاظ على لغتِنا العربيَّة الجميلة كما جاء بها القرآن، وتكون هذه الرُّؤى على جميع المحاور والمستويات، بدءًا من البيت والحرْص على التحدُّث باللّغة العربية الفصحى، ثمَّ مرورًا بالمدرسة وتدْريس مناهج تُناسب العصْر، مع الحفاظ على ثوابت اللّغة، ثمَّ في مكاتب تَحفيظ القُرآن وتعْليم اللّغة، والَّتي يتمّ بها فهْم القرآن واستنباط أحكامه, ثمَّ تكون هناك رؤى إعلاميَّة في الفضائيَّات والصُّحف، وجَميع وسائل الإعلام للتكلّم باللغة الفصحى.

وللدّول والحكومات دور فاعِلٌ أيضًا في حَمْل النَّاس على الفضيلة، وجعْل اللُّغة الفصحى هي اللُّغة الرَّسميَّة في جَميع المعاملات والمصالح الحكوميَّة، كما في بعْض الدّول الإسلاميَّة الَّتي تؤدّي هذا الدَّور الفاعل المبارك, وهكذا يَجب أن نكون جميعًا أمَّة الإسلام في مواجهة هذا المدّ الجازِر للُغَتِنا العربيَّة، ويَجب أن نكونَ جميعًا يشدُّ بعضُنا على أيدي بعض في انكِسار هذا الزَّحف المدمّر، وهذا السَّيل الجارف بنا في هذا المعترَك الصَّعب إلى هوَّة سحيقة، أو إلى نفقٍ مظْلم يصعُب تدارُك الأمر فيه أو الخروج منْه.

2- عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال: وعظَنا رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – موعِظةً وجِلَتْ منها القلوب، وذرفتْ منها العيون، فقُلنا: يا رسولَ الله، كأنَّها موعِظة مودِّع فأوْصِنا، قال: ((أُوصيكم بتقْوى الله والسَّمع والطَّاعة وإن تأمَّر عليكم عبد، وإنَّه مَن يعِشْ منكُم فَسيرى اختِلافًا كثيرًا، فعليْكُم بسنَّتي وسنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّين، عضُّوا عليْها بالنَّواجِذ، وإيَّاكم ومحْدثات الأمور؛ فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة))؛ رواه أبو داود والتّرمذي وابنُ ماجه، وابن حبان في صحيحِه، وقال التّرمذي: حديث حسن صحيح.

فالسنَّة المطهَّرة أيضًا تُواجه معركة شرسةً وحرْبًا طاحنة للتَّشكيك في صحَّتها، والتَّشكيك في أسانيدِها ورواتِها، وعلى قمَّة هرم الرّواة يقْدحون في عدالة أصْحاب النَّبيّ – صلى الله عليْه وسلَّم – وهؤلاء ومَن على شاكلتِهم يعْمَلون على المخطَّطات الماسونيَّة للنَّيل من ثوابت الأمَّة، ويرجفون في صفوف المسلِمين لزعْزعة ضِعاف الإيمان، ولكي يفتِّتُوا جسدَ الأمَّة الواحد، يُريدونَها مللا وأوزاعًا، وهذا ما أخبر به النَّبيّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فلقد روى أبو داود والتّرمذي عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((يُوشك رجُلٌ بيْنكم متكئًا على أريكتِه يحدّث بحديث عنّي فيقول: بيننا وبيْنكم كتاب الله، فما وجدْنا فيه مِن حلالٍ استَحْللْناه وما وجدْنا فيه من حرامٍ حرَّمناه, ألا وإنَّ ما حرَّم رسولُ الله مثلُ ما حرَّم الله)).

وما يَجب عليْنا نحن الغيورين على الدّين هو أن نَذودَ عن حياض السنَّة كلَّ مشكّك، وكلَّ ناعق ينعِق بما لا يفْقه إلاَّ ما أُشْرِب مِن هواه، ولا بدَّ لنا من وقْفة مع هؤلاء، ولا بدَّ من معركة ضارية للحِفاظ على ثوابتِنا، وعُدَّتنا في ذلك صحَّة الاعتِقاد وتكامُل التَّربية الإيمانيَّة، وتعاظُم التَّفاني في جهاد الدَّعوة, وإنَّما تنتصِر الأمم الثَّوابت برجالها كبار النّفوس، ولَن تنتصِر دعوة أو فِكْرة قابلت قلبًا ولبًّا باردًا خامدًا، ولكِن تنتصِر إذا تَمكَّنت منها حرارة الإيمان.

وإمام المحنة الإمام أحمد في التَّطبيق العمَلي يهدينا منحة تظلّنا بظلالها الوارفة، ولا غرْو في ذلك فهو الإمام المبتلى إمام أهل السنَّة، ولله درّ القائل: “لقد دخل أحمدُ بن حنبل هذه المِحْنة تِبرًا فخرجَ منها ذهبًا خالصًا”، كانتْ لديْه حُرْقة على دين الله، فكانت بدايته محرقة، فكانت نهايته مشرقة, فلقد منحنا درسًا عمليًّا في معاني صفاء الابتِداء، وخيريَّة الاصطِفاء، وإشراقة الثَّبات والانتهاء، ولذكره على مرّ السنين بقاء ونقاء.

وهكذا يَجب أن نكونَ في معركة الثَّوابت، ولنعلم أنَّ هذا الدّين إن لَم يكُن بنا فَسيكون بغيرِنا؛ ﴿ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: 38].

واللهُ معنا ولَن يتِرَنا أعمالَنا، واللهُ من وراء القصْد، يقول الحقَّ وهو يَهدي السَّبيل.

 وصلَّى الله وسلَّم على سيِّدنا محمَّد، والحمد لله ربِّ العالمين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى