ضلالة هداية.. الثائر المتمرد والمجدد المبدد (13)

رضا راشد | الأزهر الشريف

ما فتئ لساني مكررا مقررا: إن محمد هداية لم يكن من تحولاته الفجة وتناقضاته الصريحة ذلك العالمَ المجتهدَ المتجردَ الدائر مع الدليل حيث دار ، بل كان كالأفعي التى تتخفى بين الأحجار تنتظر الفرصة المواتية للانقضاض على فريستها وإن كانت بين الحين والآخر تنفس عن نفسها بنفثة خفيفة من سمها لا يلتفت إليها= أو كذلك البهلوان(لاعب السيرك) الذي يتقافز على الأسلاك تبعا لظروف البيئة من حوله ومقتضياتها، وأنه كانت له من الأحداث ما مكنه من الاستعلان بخبثه والمكاشفة بمكره . ومنها الثورة المصرية التي حدثت في سنة (٢٠١١م) ثم الدعوة إلى ما يسمى بتجدبد الخطاب الديني.

ذلك أنه لا يخفى على من كان له أدنى متابعة أو اتصال بالحياة الثقافية في مصر وقتئذ أنه منذ خمس سنوات(نهاية سنة ٢٠١٦م،وبداية سنة ٢٠١٧م) تقريبا طفت على سطح الأحداث دعوات إلى ما يسمى ب”تجديد الخطاب الديني”، لازمها موجات من الهجوم الإعلامي المتواصل بل والممنهج على الأزهر: (مناهج، ونظاما، وشيخا) ؛ بذريعة أن الأزهر يقف بمناهجه، ونظامه، وإدارته- حجر عثرة في سبيل التجديد.

وهي دعوة ما تلبث أن تظهر، ثم تختفي، لتعاود الظهور مرة أخرى في رحلة متواصلة من الكر والفر.. ترمي إلى هدف خبيث؛ هو تفريغ الدين من مضمونه بحجة التجديد: فالصلاة اليوم ليست كصلاة الأمس، وربا البنوك -إن سلمنا بأنه ربا – أمر تقتضيه الضرورة، وأنه ربما لو كان الرسل يعيش بيننا اليوم لأحله، والخمر ليست محرمة؛ لأنها مشروبات روحية تنعش العقل ..وهكذا.

هجوم متواصل، وغزوات متتابعة، وطعنات غدر مسمومة من الصحفيين والبرامج، بل ومن بعض أالأزهريين تلقاها الأزهر بثبات عجيب ولله الحمد، وكانت ندوات ومؤتمرات حول التراث والتجديد، لعل أشهرها – مما لا يزال عالقا بالأذهان ذلكم المؤتمر الذي عقد بالأزهر الشريف عن التجديد والذي شهد تلكم المحاورة التى كانت بين شيخ الأزهر حفظه الله ورئيس جامعة القاهرة د/ محمد عثمان الخشت، وكان فيها ما فيها من انكشاف عورات المبددين الموسومين بالمجددين انكشافا ظهر للقاصي والداني وللجاهل قبل العالم.

وبالطبع ما كان محمد هداية ليدع تلك الفرصة المواتية دون أن يهتبلها، ولا سيما أن دعوات التجديد تتفق في هدفها الخفي غير المعلن مع ما يصبو إليه في مشروعه الفكري، إن تجاوزنا فعددناه مشروعا فكريا لا ترهات وأباطيل.

ففي حلقة له من حلقات سلسلة “دين الحق” وفي صحبة المذيع (المريب) محمد لطفي- ذكر محمد هداية أننا بحاجة إلى تجديد الخطاب الديني،أو تحديث الخطاب الديني،أو تصويب الخطاب الديني..ثم انتهز هذا ليقدم أطروحاته على أنها من التجديد المطلوب .

ولقد صدق محمد هداية – وهو كذوب – في أن هذا هو التجدبد المطلوب من أدعياء التجديد ودعاته الذين تحيط بهم الريب من كل جانب، هؤلاء الذين يتسترون بالدعوة إلى التجديد وسيلة لتفريغ الدين من حقيقته، ولو صدقوا لاقتصروا بالتجديد على أسلوب عرضه (الخطاب الديني) دونما مساس بحقيقة الدين وثوابته؛ إذ المراد تجديد الخطاب الديني لا تجديد الدين نفسه ..لكن وراء الأكمة ما وراءها.

فهل يمكن أن نعد آراء محمد هداية من التجديد؟! وهل يمكن تبعا لذلك أنه نعده من المجددين؟!

توجهنا بالسؤال إلى أهل الذكر استفهاما (إن كنا لا نعلم) وتقريرا وتأكيدا (إن كنا نعلم) فيا ترى ماذا كان جوابهم؟

كان جوابهم أن هذا الذي يطرحه محمد هداية تبديد لا تجديد، بما يستلزم وصف صاحبه بالمبدد لا المجدد.

ففي المؤتمر الدولي الأول الذي كان بعنوان: (تجديد الخطاب الديني بين دقة الفهم وتصحيح المفاهيم)، والذي عقد بقاعة الأزهر للمؤتمرات يومي الأربعاء والخميس الموافقين ٢٠١٧/٣/١٦،١٥ [تأمل التاريخ جيدا، حيث كانت الحرب على أشدها في تلك الفترة على الأزهر ورجاله ]-في هذا المؤتمر ألقى د/علي جمعة مفتي الجمهورية السابق (^) كلمة أوضح فيها الفرق بين التجدبد والتبديد ذكر فيها “أن للتبديد معالم يجب علينا أن ندرسها وننطلق من خلالها”(١) وقد حاول رصد بعضها فكان مما قال: “.. فملامح التبديد واضحة تتميز: بالقدح في اللغة والعلماء والثوابت، ويفكرون بصورة منقلتة خارج القواعد والمناهج..ومن ملامحه أيضا عدم اعتبار المآلات، وهو يزيد المشكلات لا يحلها في الظاهر..ومنه فقدان السقف المعرفي وعدم إدراك الواقع وعدم إدراك المعاني الصحيحة والمفاهيم ..وذكر أن الذي يطعن في القرآن والسنة مبدد والذي يطعن في العلماء مبدد”(٢)

معالم واضحة حاول الدكتور علي جمعة رصدها لاجون علما على التبديد المتظاهر بالتجديد استغلالا لبريق الكلمة ولألآئها تتمثل في:
(^) طعن بالكتاب والسنة.
(^) القدح في العلماء .
(^)التفكير بصورة منفلتة خارج القواعد والمفاهيم.
(^) الطعن في الثوابت وما أجمعت الأمة عليه .
(^) عدم اعتبار المآلات.

فتأمل – رحمك الله – في هذه المعالم جيدا وانظر: هل ترى لها في فكر محمد هداية أثرا في ضوء ما ذكرت لك وما بقي مما لم أذكر، وهو الأخطر والأعظم، ولكن لكل حدث حديث؟

والجواب: نعم، وهذا تمثل لبعض معالم التبديد في فكر محمد هداية أذكرها مستشهدا عليها بوقائع محددة:
(١) فأما عن طعنه في الكتاب والسنة: فإن طعنه في السنة وإنكارها طعن في القرآن نفسه؛ لأن نقلة السنة هم أنفسهم نقلة القرآن، بحيث يمكننا -بشيء من التجوز- الادعاء بأن إنكار السنة كناية عن إنكار القرآن؛ إذ هما متلازمان.
(٢) وأما عن القدح في العلماء: فله مستويان: أدناه ما يفهم من فحوى كلامه أن الحق قد جانبهم كلهم، وأن الفهم الصواب قد فارقهم جميعهم؛ لينفرد هو وحده باحتكار الحق والصواب. وهذا أدنى مراتب القدح؛ أعني القدح في معارفهم ،وأعلاه حين يشتط به الغلو والهوس بل والجنون في أحيان كثيرة ليصل به إلى الطعن في ذمتهم، كما هو كائن في غمزه ولمزه لأصحاب كتب السنن والصحاح الستة.
(^) وأما عن انفلاته من القواعد والمناهج: فذلك ماثل في تدبره لمعاني ألفاظ القرآن ومفاهيمه؛ ليجردها من معانيها التي ثبتت لها واستقرت على مدى تاريخ الأمة، حيث يزعم أنه يجب أن نتدبر القرآن وفقا للكلمة القرآنية لا الكلمة العربية وأننا بحاجة لوضع معجم يسمى لسان القرآن على غرار لسان العرب لابن منظور الذي لا يصلح-في نظر محمد هداية- ليكون مرجعا للناس في فهم معاني اللفظة القرآنية!!فإذا ما سألته عن قواعد تدبر وتفهم الكلمة القرآنية هذه حار ودار ومكر وراوغ.
(^) وأما عن طعنه في الثوابت فذلك مالا تخطئه العين من تمرده على الثوابت مستسهلا الخروج عليها بأوهى الأدلة وأضعف القرآئن: فلا شفاعة، ولا عذاب غي القبر ، ولا معراج، ولا خروج لعصاة المؤمنين من النار، بل كل من عصى الله فدخل النار سيخلد فيها ..فالخروج على إجماع الأمة والتمرد على ثوابتها والولوع بمخالفة علماء الأمة سلفا وخلفا- سمة لا تخطئها العين في شخصية محمد هداية: شابا وشيخا، مغمورا ثم مشهورا.
(^) وأما عن عدم اعتبار المآلات: فذلك ما تراه في إنكاره السنة، حيث يؤول الأمر إلى إنكار القرآن نفسه، بل وتكذببه وتعطيل مهمة رسول الله صلى الله عليه، وهذا ما سنتعرض له بعد-إن شاء الله- في حديثنا عن لوازم إنكار السنة.هذا مع أنه ما فتئ يتشدق بأن من منهجه في فهم القرآن اعتبار لوازم المعاني لوازم المعاني في القرآن الكريم .

أعلمتم الآن من هو محمد هداية؟! أو قد تأكد لكم الآن أنه ليس العالم المتجرد،بل هو الثائر على دينه المتمرد والمبدد لا المجدد.
يتبع
[(^) استشهدت بكلام د علي جمعة مع مخالفتي له في كثير من أطروحاته حيث رأيته محقا
(١)،(٢) انظر مجلة الأزهرعدد شعبان ١٤٣٨هجريا/مايو٢٠١٧ ميلاديا، مقالة مؤتمر تجديد الخطاب الدينى ص ١٧٢٤،١٧٢٣].

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى