الرئيسية / قصة / حكايات شهريار وقصة يعقوب (6)

حكايات شهريار وقصة يعقوب (6)

شرين خليل | قاصة من مصر

اللوحة للفنان فرانك هول

أخبرني أخي أن يعقوب ينتظرني في المنزل فهو قد أصيب أثناء تدريبات النادي ومنعته أمي من الخروج حتي لا يزداد الألم ..
لم أصدق أخي فأنا أشعر أنه يخفي عني شئ فطريقة حديثه المرتبكة وعيونه الزائغة وإبتسامته الزائفة كلها علامات تدل على الكذب ..
إنطلقنا من المطار في طريقنا إلى المنزل وأنا صامتا طيلة الطريق لا أريد أن أتحدث أو أنطق بكلمه فكل مايدور بعقلي هو أين إبني وماذا أصابه ولماذا لم يأتي وماسبب تأخره علي منذ أن أخبرته بقدومي لم يرسل لي رسالة واحدة وعندما كنت أريد محادثاته تخبرني أمي أنه في التدريب ..كاد القلق أن يقتلني وبدأ التوتر يظهر علي ..حاول أخي أن يهدئ من روعي ويقول لي بأن كل الأمور ستكون علي مايرام ..
وصلنا إلى المنزل ودخلت مسرعا لأجد أمي تجلس على سجادة الصلاة وترفع يدها إلي السماء وتدعوا الله وهي تبكي ..ناديت عليها ..إلتفتت ودموعها تملأ وجهها أحتضنتها وأنا أبكي وأقول لها أين يعقوب ؟!!.إزدادت في البكاء ..بدأت أصرخ بأعلى صوت أين يعقوب ؟!!..أجابني أخي وقال لا أحد يعرف أين ذهب يعقوب ولكنه ترك رسالة مكتوبة لك ..أخذت الرسالة وبدأت أقرأها :
أبي العزيز :
طال غيابك ياأبي. إنتظرتك حتي مللت وفقدت الأمل بأنك ستعود إلي ..مرت الأيام والشهور والسنين وأنا أعاني من الوحدة والألم كانت الليالي قاسية علي بما يكفي
لم يشعر بي أحد وبمعاناتي وبالعذاب الذي بداخلي سوي وسادتي التي كنت أبكي عليها طيلة هذه الليالي الباردة القاسية ..
رحلت أمي من قلبي قبل أن ترحل من الحياة ،رحلت من قلبي عندما تركتني طفل صغير يحبو وذهبت مع رجل آخر .وبرغم صغر سني فأنا لم أنسي هذا اليوم وقسوتها علي ، حتي عندما عادت كانت إنتهت وعادت بدون حياة كنت أعيش معها من أجل أي يكون لي أم وبيت وأشعر بالدفء والحنان ولكني لم أجده .وماتت أمي وهي تسعي لأن تثبت للجميع قوتها وقدرتها في إعتمادها علي نفسها وعدم إحتياجها لأحد وكنت أنا علي الهامش …
كنت أتمني أنا أعيش مثل الآخرين أنظر إلي أبناء عمتي وأبناء خالتي وأتساءل لماذا لا أكون مثلهم
لماذا لا أعيش مع أبي وأمي ؟؟
لماذا لا يأتي معي أبي إلي المدرسة ؟ ولماذا لاتهتم أمي بدروسي ؟؟
لم أجد إلا جدتي التي تهتم بي ولكني كنت أشعر أني عبء عليها فهي تتعب من أجلي وتخاف علي بشدة لدرجة جعلتني أكره نفسي وأشعر بأنني في سجن وأريد أن أخرج وأهرب إلي عالم آخر ودائما تبرر لي هذا الخوف بأنها مسؤولة عني فأنا بدون أم وأبي بعيد والمسؤولية تقع كاملة علي عاتقها ..
أنا وحيد يا أبي ولا تقل لي أنك كنت مطمئن علي لأني حولي جدتي وعماتي .أنا كنت أحتاج لك أنت يا أبي
أحتاج إلي حنانك وعطفك حتي قسوتك كنت أحتاجها.تمنيت أن أعيش حياة طبيعية ..
أرجع من المدرسة أجد أمي تعد لي الطعام وتجلس معي ياأبي في المساء تسألني عن أحوالي .
ألم يكن من حقي أن اجدك وقت إحتياجي لك ؟
الآن أنا رحلت ولن تجدني ..
فكرت مرارا وتكرارا في الإنتحار ولكني لا أريد أن تعرف مكاني ولا تجد جسدي بعد وفاتي ..
أنا لا أهمية لي في حياتك ولا وجود لي في قلبك لذا قررت الرحيل إلي مكان لا تعلمه ولا يعرفه أحد
فأنا لم يهتم أحد بوجودي ولن يتأثر أحد بغيابي ..
كل من حولي يظهرون لي الحب والعطف ،لكن لا أحد يملأ قلبي ويروي عطشي فأنا بالنسبة لهم طفل مسكين ثم أصبحت شاب حزين ..نظرات الشفقة تدمرني ..
في كل مناسبة وفي كل عيد يجتمع الجميع وأنا فقط وحيد ..
لم تكفيني محادثاتك الهاتفيه ورسائلك. أنا كنت أحتاجك تضمني إلي حضنك يا أبي ..لم يقصر معي أحد فكل الطلبات مجابة ،طلبات ماديه،فالحياة ليست مأكل ومسكن وملبس ومال هناك أشياء لايشتريها المال إنه الحب يا أبي ..الحب الذي لم أجده ولم أشعر به .مات قلبي وحيدا .قتلتني أمي مرة وقتلتني يا أبي أكثر من مرة .كل مرة تقول بأنك لن تتركني وحيدا وتخذلني كنت تقتلني فيها يا أبي ..
أما أنا الأن فلن أنتظر لم يعد لدي الشغف لم يعد لدي الأمل ..
عندما تقرأ كلامي هذا سأكون بعيدا جدا فلا تبحث عني ..
فالحياة ستستمر بدوني ..أخبر أخي أنني أحببته وكنت أتمني أن أكون معه ولا أتركه ..
أخبر جدتي ألا تقلق علي فأنا أصبحت رجلا وأستطيع أن أعتمد علي نفسي فلقد مررت بالأصعب ..وأعتادت علي الصعاب وعلي الحياة القاسية …أنا أنسان بلا روح ولن أتأثر بشئ ..
سامحني يا أبي فأنا لم أستطع الأنتظار أكثر من ذلك
الوداع
يعقوب…
شعرت بالإنهيار وبدأت أصرخ وأقول لا هذا كذب يعقوب موجود وأدخل كل حجرة أبحث فيها وأجري مثل المجنون في المنزل حتي شقة أخي صعدت إليها ..
لن أتركك يا يعقوب تبعد عني فلقد حاربت من أجل إبني الصغير وضحيت بكل شئ لكي يكون معي ومعك يايعقوب وسوف أحارب لكي أجدك سأبحث عنك في كل مكان ولن أتركك يايعقوب لأن حياتي متعلقة بك وروحي مرتبطة بروحك لن أتركك ياولدي لن أتركك يايعقوب لن تضيع مني ..
وخرجت من المنزل وأنا أنادي علي يعقوب في كل الطرق والشوارع وأسأل الناس عليه ولن أعود إلي المنزل إلا ومعي إبني يعقوب ..

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

يعيدُ الشارع إلى وعيه

خالد جمعة | فلسطين في الفجرِ، على ركبتيهِ يواجهُ ولادةَ الشّمسِ، وبرودةُ الصُّبحِ الزرقاءُ تُمَسِّدُ …

تعليق واحد

  1. بالتوفيق ان شاء الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: