قراءة في رواية ” الراعي وفاكهة النساء ” للفلسطينية ميسون أسدي

د. روز اليوسف شعبان

تتحدّث الرواية عن الراعي هزّاع الذي يصاب بحادث طرق، وعندما يأتي ملك الموت لأخذ روحه، يطلب منه أن يمنحه اربع وعشرين ساعةً لكي يتوب عن أخطائه ويعتذر لكل من أساء إليه.

ويبدأ هزّاع بالبحث عن محامية لتسجّل اعترافاته وتسلّمها إلى أصحابها ليصفحوا له ويسامحوه. فيتّصل بالمحامية ابتهاج أنطون وهي كاتبة عدل ويمكث في بيتها يومين ليروي لها جميع قصصه وأخطائه والتي تتمحور حول علاقاته الجنسيّة العديدة مع النساء، وما سبّبه لهنّ من أذىً وحزن على الصعيد الشخصيّ والعائليّ. فواحدة تطلّقت بسببه، وأخرى تزوّجها وهجرها، وأخرى أجهضت بسبب حملٍ غير شرعيّ، وواحدة طُردت من عملها بسببه، و القائمة طويلة جدًّا.

اللافت في الرواية هو الإغراق والإفراط في وصف العلاقات الجنسيّة والعاطفيّة بين هزاع والنساء اللاتي التقى بهنّ وأوقعهنّ في شباكه، فبدَت النساءُ صيدًا سهلًا له. في حين بدا هو زير نساء، لا همّ له سوى إشباع رغباته الجنسيّة، فلم يوفّر امرأةً، سواء كانت أرملة، أو عزباء، أو متزوجة، أو فتاةً أو عجوزًا أو يهوديّة ، وهنا نشير أنّ هزّاع غيّر اسمه إلى عزرا حين بدأ يعمل نادلًا في تل أبيب وذلك حتى يجذب النساء اليهوديّات إليه.

فهل يُعقل أن تكون النساء بهذا الغباء والطيش وعدم القدرة في السيطرة على رغباتهن الجنسيّة وكبحها؟

وهل يعقل أن يكون الراعي بهذه الحنكة والدهاء والثقافة والوعي والإدراك والقدرة على الاحتيال على النساء ؟ ألا يبدو أن الكاتبة حمّلت الراعي فوق ما يحتمل وهو الذي وصفته الكاتبة أنه لم يتعلّم في المدرسة وقضى طفولته ومراهقته مع قطعان الماعز؟

في رواية ميسون اسدي اخترت أن أتطرّق إلى الأسلوب السردي الذي اتّبعته الكاتبة.

يرى الشكلاني الروسي توماشفسكي أنَّ السرد يتكوّن من نمطين سرديّين: سرد موضوعيّ وسرد ذاتيّ. ففي نظام السرد الموضوعيّ يكون الكاتب مطّلعًا على كل شيء، حتى الأفكار السرديّة للأبطال. أما في نظام السرد الذاتيّ، فإننا نتتبّع الحكي من خلال عينيّ الراوي. ( نصوص الشكلانيين الروس، 1982، ص189.) فإذا كان الراوي موجودًا في عالم شخصّياته فهو راوٍ بضمير المتكلم، أما إذا كان الراوي موجودًا خارج عالم شخصياته، يكون الراوي بضمير الغائب. ( ستانزل، 1992،ص61.).

وقد وجدتُ أن الكاتبة أو الساردة رغم اطّلاعها على الأفكار السرديّة للأبطال، والذي يميّز نظام السرد الموضوعيّ، إلّا أنّنا تتّبعنا الحكي من خلال عينيّ الراوية التي كانت موجودة في عالم شخصيّاتها، (نمط السرد الذاتي)، لذا فقد استخدمت في سردها الراوي بطريق المتكلم وهو هزّاع الذي كان ينطق بأفكار الكاتبة، من هنا فإن أسلوب السرد للكاتبة وفق تعريف الناقد الفرنسي جان بويون يعتمد على ” الرؤية من الخلف”، ووفق هذه الرؤية فإن السارد يتميّز بكونه يعرف كل شيء عن شخصيّات رواياته وعالمها، بما في ذلك أعماقها النفسانيّة، مخترقًا جميع الحواجز كيفما كانت طبيعتها، كأن يتنقل في الزمان والمكان من دون صعوبة، ويرفع أسقف المنازل ليرى ما في داخلها وما في خارجها، أو يشقّ قلوب الشخصيّات ويغوص فيها ليتعرّف إلى أخفى الدوافع وأعمق الخلجات”.( بو طيّب، 1993،ص٢٢).

والكاتبة التي جعلت بطل الرواية هزّاع هو السارد الأساسي بضمير المتكلّم، إنما أرادت بذلك أن تجعله يغوص في أعماقه فيكشف ويعترف بكل ما يعتمل في قلبه من مشاعر الحزن والندم والأسف على ذنوبه التي اقترفها في حياته. مع ذلك نجد أن الكاتبة هي التي تدير دفّة السرد وفق رؤيتها وفلسفتها في الحياة.

كما نجد استخدام الكاتبة لتقنية الاسترجاع، فهزّاع يسترجع جميع قصصه مع نسائه وعشيقاته، وما سبّبه لهنّ من أذىً. وقد آثر أن يسترجع أولًا فترة طفولته وشبابه:” كنت ما أزال بعيدًا عن سنّ المراهقة، لكنّ أوجاع المراهقين عصفت بي. اشتهيت الأنثى فبل أن أتعرّف على جسدي، ولم أقوَ على مقاومة الحنين إليها. بدأت أفتش عن معالمها وأنا دون سنّ الثالثة عشرة، لأُفْرِط فيما بعد في تعاطي عشقها”. ص 25.

إضافة إلى ذلك فقد برزت في الرواية تقنية الحلم، وهنا لا بدّ من الإشارة أن الكاتبة أجادت في توظيفها لهذه التقنية، ليكتشف القارئ في نهاية الرواية أنّ كل اعترافات هزّاع كانت أحلامًا، فهو في الواقع يعمل طبيبًا، يتصف بالحياء والخجل، لا يقترب من النساء، وربما جاءت أحلامه وتخيّلاته في علاقاته مع النساء، تعبيرًا عن الكبت الجنسيّ الذي يعانيه،و يعاني منه شبابنا وشابّاتنا في المجتمع العربيّ المحافظ، في حين ظهر لنا صديق هزّاع توفيق زير نساء وهو الذي بدا في أحلام هزّاع طبيبًا وانسانًا شهمًا. وبذلك تعيدنا الكاتبة في نهاية القصة إلى بدايتها لتكتمل الحبكة.

وقد يكون استخدام الكاتبة ميسون أسدي لتقنيّة الأحلام، بهدف تصوير الحياة النفسانيّة لشخصياتها. وقد كتب فرويد عن استخدام الروائيين لتقنية الأحلام بقوله :” فهم حين يجعلون الأبطال الذين أبدعتهم مخيّلتهم يحلمون يتقيّدون بالتجربة اليوميّة التي تدلّ على أنّ تفكير الناس وانفعالاتهم يستمرّان في الأحلام، ولا يكون لهم من هدف غير أن يصورّوا، من خلال أحلام أبطالهم، حالاتهم النفسيّة”.( فرويد، 1987،ص7).

فهل تعكس أحلام بطل الرواية هزّاع، نفسيّة الكاتبة المضطربة والقلقة مما آل إليه مجتمعنا من انهيار للقيم وضياع للهويّة؟

المراجع:

بوطيّب، عبد العالي، (1993)، مفهوم الرؤية السرديّة بين الائتلاف والاختلاف، مجلة فصول، 4، مجلد 11، القاهرة.

ستانزل،ك.ف. (1992)، العناصر الجوهريّة للمواقع السرديّة، محلّة فصول، عدد 4 .

فرويد، سيجموند. (1987)، الهذيان والأحلام في الفن، ترجمة: جورج طرابيشي، بيروت دار الطليعة.

نصوص الشكلانيين الروس (1982)، نظريّة المنهج الشكلي، ترجمة: إبراهيم الخطيب، ط1، الشركة المغربية للناشرين المتحدين.

^^^^

للكاتبة ميسون أسدي، لوحة الغلاف والرسومات الداخليّة: الفنان عبد عابدي

اصدار: الرعاة للدراسات والنشر، ثقافية جسور للطباعة والنشر، مطبعة أبو خليل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى