الخلاعة والدلاعة مذهبي… إلى هاني شاكر

خالد جمعة | فلسطين

بادئ ذي بدء، عنوان المقال هو مطلع أغنية لأم كلثوم، غنتها عام 1926، وكتب كلماتها يونس القاضي ولحنها أحمد صبري النجريدي، ويمكن البحث عنها على اليوتيوب والاستماع إليها.

هذه الأغنية غنتها أم كلثوم حين كانت تنافس أغان مثل “بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة”، وأشياء من هذا القبيل، ولا أعرف رأي “الفنان” هاني شاكر في ذلك.

الحملة التي قام بها هاني شاكر ضد مطربي، أو لا مطربي المهرجانات هي حملة قمعية تماما، رغم اتفاقي من حيث المبدأ على تفاهة ورداءة الأغاني التي يقدمونها، ولكن، هل الحل في منعهم “بالقوة” من الغناء؟ أم في تقديم الفن الذي يوازي أغنياتهم ويرتقي بذوق المستمع؟

في مسلسل “أبو العلا البشري” يقدم علي الحجار أغنية “الهؤة الهؤة الزلبؤة” وهي من كلمات عبد الرحمن الأبنودي، وتم تقديمها في المسلسل دليلا على الفن الهابط، ولكنها احتسبت أغنية لعلي الحجار، رغم أنها كانت موظفة لبيان الفرق بينها وبين أغنيته الأخرى “ياللي سريرك من فضة، النور في كفك يتوضى”.

الفن لا يخضع لمزاج شخصي، وخروج مثل هذه الأغنيات هو دليل على توجه المجتمع السفلي وليس العكس، فليست هذه الأغاني هي السبب في هبوط ذوق الناس، بل إن هبوط ذوق الناس هو السبب في ظهور مثل هذه الأغاني.

هاني شاكر الذي منع شيرين عبد الوهاب من الغناء قبل ذلك لأسباب سياسية، ما زال متمسكا بحقبة “لو بتحب حقيقي صحيح”، حقبة الشحتفة على الحبيب والبكاء على الأطلال التي انتهت مع زوال ملك العرب من الأندلس، ويرافقه في موقفه الملحن حلمي بكر الغاضب دائما، والذي يعلق على سرقة بعض الألحان وتقديمها في المهرجانات، حسنا، فلترجع إلى أغنية “قال جاني بعد يومين” للملحن جمال سلامة، وستجدها مسروقة من لحن أغنية لسلوى قطريب اللبنانية تحمل اسم “شو في خلف البحر خبريات” حين تقول: خلف البحر شو في… هو نفس اللحن بتدرجاته “قال جاني بعد يومين”، أم أن سلطة جمال سلامة الفنية تجعله محصنا ضد النقد؟ ولو كان ما تقدمونه من فن يقنع الناس يا سادة، لما استمعوا إلى ما يقدم في المهرجانات بهذا الزخم.

في كل العصور، حتى في زمن أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وفريد الأطرش، كان هناك فن يقال عنه فن هابط في وقته، فقد رفضت لجان الاستماع أغاني أحمد عدوية التي تعتبر اليوم مرجعا في الغناء الشعبي، وتم رفض الجديد الذي يقدمه محمد منير وعلي الحجار ومدحت صالح ومحمد الحلو ومحمد ثروت، كما كان يقال عن أغاني عايدة الشاعر وليلى نظمي أنها أغاني هابطة، وهذا طبيعي بالنسبة إلى الذوق العام في تلك الحقبة من تاريخ الفن في مصر، ولكن لم يمنعهم أحد بقرار نقابي أو غير نقابي من الغناء، فقد ترك المستمع ليقرر ماذا يريد أن يسمع، ولديك منصاتك الخاصة التي تستطيع أن تمنع بث الأغاني التي لا تراها مناسبة، لكنك لن تستطيع أن تحكم الشارع وذوقه مهما كانت لديك سلطات فنية أو أمنية أو حتى سياسية.

هاني شاكر كان يسخر ليس فقط من الكلمات، بل من أشكال بعض مغني المهرجانات، وهذا يصنف في زاوية العنصرية.

بكل الأحوال، أكرر موقفي “الشخصي” من بعض أغاني المهرجانات، والذي يرفضها كلمة ولحنا، ولكنها إفراز لواقع وليست هي من صنع هذا الواقع، فإذا أردت تعديل مسار الفن، فعليك بتعديل مسار الواقع قبل أن تمنع أحدا من الغناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى