الومضة الشعرية

أ.د . مصطفى لطيف عارف | ناقد وقاص عراقي

لا بد في البداية من التنويه بأن  مقالتي النقدية حول قصيدة الومضة  الشعرية لا يعني ادعاء تأسيس جنس أدبي جديد،أو انبعاث شكل شعري مغاير تماماً لكل ما كتب من شعر في المراحل التاريخية المختلفة،ونحن من القائلين بوجود كتابات كثيرة في هذا الحقل وإن اختلفت التسمية،كما إننا مع الرأي القائل أن تجربة قصيدة الومضة الشعرية هي خلاصة صافية لتراكمات عديدة في النصوص الشعرية العربية، وليست تأثراً ,أو نقلاً عن الغرب كما قد يظن البعض من دارسي, ومبدعي هذا الشكل الشعري،وكل ما في الأمر أن ثمة تأكيداً مشتركاً من الشعر العربي, والغربي الحديثين على الإكثار من كتابة هذا الشكل الشعري،فضلا عن  التهليل النقدي له،وهذا أمر لا يمكن إغفاله في النصف الثاني من القرن العشرين[1], إن هذا الأسلوب الفني يذكرنا بالبيت المفرد السائر أو الشارد أو الأوابد في القصيدة العربية القديمة , فالشاعر العربي القديم كان يسعى إلى أن يجعل قصيدته كلها عبارة عن أبيات شاردة , لا بل سعى بعض الشعراء إلى جعل الشطر الواحد بيتا شاردا لوحده ,كأن يسري مثلا بين الناس أو حكمة أو ما شابه ذلك , وهذا جعلهم يعيبون التضمين في الشعر, وكل ذلك ليسهل حفظه ويشيع بين الناس , فهو في الصدور اثبت ,وفي المحافل أجول , وأحسن الكلام ما كان قليله يغينك عن كثيره [2] ,ولعل من نافلة القول هنا أن هذا الأسلوب الفني يتفق مع فن الابيجرام الذي هو فن شعري نشأ في ظروف مشابهة لما مربه الشعراء منذ مئات السنين في أوربا, وهو فن ذو أصول قصصية, وكان في البداية يكتب على شواهد القبور, وعلى هدايا أعياد الميلاد, وعلى التماثيل وعلى الرسوم التذكارية ,وعلى مذابح الكنيسة, وقد رأى فيه النقاد رمزا أو أشارة أو علامة أو شعارا ومن ثم صار فنا قائما بذاته بعد أن تغيرت دلالاته فراح يظهر في الثورات, والانقلابات, والإصلاح الاجتماعي, ومن مميزات هذا النمط الشعري الفنية , هي اتصافه بالوحدة العضوية, والاقتصاد الشديد باللفظ, فضلا عن اعتماده على الطرفة ,والمفاجأة القصصية أو انه ينتهي نهاية لاذعة أن لم تكن فاحشة, وغالبا ما ينظم للسخرية من احد الخصوم والتهكم عليه , وقد كتب به معظم أدباء أوربا كالشاعرين الألمانيين غوته , وبريخت [3],ومن هنا فإن وضع تعريف دقيق لقصيدة الومضة الشعرية  أمر غير هين في ظل الاختلاف الكبير على تسميتها:(اللقطة،التوقيعات، الهوامش) ,وعلى حجمها،وضوابطها الفنية والبنيوية,    و التشويق و فيه شيءٌ آخر من الشفافية, و الغموض الآسر, و عدم الايضاح لکلّ شيءٍ, و فيه شيءٌ آخر مِن التکثيف, و الاختزال ,و الاقتصاد اللّغويّ, و قد قيل: البلاغة هي الايجاز, کما قيل خير الکلام ما قلَّ و دلَّ,و يتداخلُ مع معني الومضة، البرقية و لذلك يقال: القصيدة البرقية، القصيدة الومضة و هي قصيدة مکثفة, و مختزلة جدّاً[4] إذن فهي نصٌّ أشبه مايکون ببرقٍ خاطفٍ يتسم بعفوية ,و بساطة تمکنه من النفاذ إلی الذاكرة للبقاء فيها معتمداً علی ترکيزٍ عالٍ, و کثافة شديدة مردّها انطباع کامل واحد مستخلص من حالة شعورية أو تأملية أو معرفية عميقة إذن فهي تتوفّرُ علی الترکيز ,و الغنی الواضح بالايحاءات, و الرّموز و تدفقُ رقراق و انسياب عضوي بديع لوعي شعريّ عميق, فالشکل نصٌّ مختصرٌ مختزلٌ بأعلی قدرة للاختزال [5]، وقصيدة الومضة الشعرية  عليها أن تتمتع بخصوصية تمكّنها من ممارسة تغريب نسبي، وفعل استلابي، وقلب لأفكارنا، ولمدركاتنا، ولتعابيرنا المعتادة،ولذائقتنا الشعرية المعتادة على أنماط،وأشكال معينة , ويبقى الرهان الأكبر لهذه القصيدة هو قدرتها التأثيرية في وجدان المتلقي،وخلقها أثراً تردّدياً كبيراً في داخل المنظومة الحدسية للقارئ،وهذا يتطلب منها امتلاك قدرة على الإدهاش،والاقتصاد في تكوين بنية النص من أدوات تعبيرية قليلة،دون الإسراف في العمل اللغوي الذي ينفر القارئ من الفكرة،ويشتته بعيداً عن غرض القصيدة،ولذلك تتجنبه القصيدة الومضة التي تكون في غاية الحرص على تماسك بنيتها،كحرصها على بقاء وهج فكرتها, ثم إن مرجعية هذه القصيدة إلى اللحظات الشعورية المتأصــــلة فيروح الإنسان،وفي صميم ذاته،في مقابل تأكيد القصيدة الطويلة على التعامل مع المؤثرات الاجتماعية ,والسياسية الكبيرة التي تشكل المحيط العام،هذا الأمر يعطي نوعاً من الزخم لهذا الشكل الشعري في هذا العصر الذي كثرت قضاياه الكبيرة،وتشعبت هموم الجماعات،والطوائف،والمجموعات القومية،والدينية،وأضحى الداخل الإنساني بكل التماعاته الخاطفة هو المنجم الثر الذي ينهل منه الشعراء مفردات نصوصهم التي تعزز المكانة الروحية للذات الإنسانية في مواجهة الطوفان المميع لخصوصيتها[6],ويرى بعض النقاد أن الشاعر عز الدين المناصرة واضعُ مصطلح التوقيعة في منتصف الستينيات في قصيدته  توقيعات لكن المتتبع حركةَ الشعر العربي يرى أن د. طه حسين قد كتب في هذا النوع في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي، ونقله إلى العربية نثراً في مقدمة كتابه جنة الشوك، ودعا إلى الاهتمام بهذا النوع الأدبي، والإضافة إليه؛ كونه يحتاج إلى قدر كبير من المعاناة، والتكثيف البلاغي، والمفارقة التي تعدّ روح التوقيعة أو الأبيجراما – على حد تعبير كولردج [7], من أهم العوامل التي لعبت دوراً هاماً في نشأتها هي التحول الفکريّ ,   و الفنيّ, و متطلبات الحياة الجديدة, و المؤثرات الأجنبية 0 وکان للمناصرة قصب السبق في تأسيس هذا النمط الشعريّ, و من روّادها بعده، أحمد مطر، مظفر النواب، سيف الرحبي، نادر هدی، زياد العناني، عبدالله راجع، جلال الحکماوي،وشوقي عبد الامير , وغيرهم الكثير من الشعراء ,أعتقد أن من يجرب في أي جنس أدبي عليه أن يتمتع بتجربة متكاملة ,وغنية،تخولّه تجاوز المرحلة الإبداعية،إلى آفاق التجديد وهذا ما حدث في حالة أدونيس مثلاً،وتجربته الشعرية الغنية التي لم تنفصل عن حقيقة امتلاك الشاعر لرؤيا فلسفية متكاملة مكّنته من التجريب في نموذج القصيدة الومضة بنماذج متألقة تسجل له, الصمت الايجابي المقروء إبداع يعتمد الدقة في المفردة الدالة التي تحقق دورها الوظيفي وتركيزها في المعنى الذي يعتمد الإيجاز الحافل بالمضمون, والرمز الذي يقبل التأويل,وهذا يعني أنها قصيدة دائمة التخلق بقابليتها على التحرك في الزمكانية بسبب طاقتها الفاعلة المكتنزة بديناميتها ,والمتولدة من ذاتها النصية كي تستفز العقل وتنبش الخزانة الفكرية للمتلقي,ليكون على قدر من مستواها الفكري,كونها تترك مساحات مسكوت عنها, ومتوارية بين سطور السرد ,وعلى المتلقي أن يبحث عنها ,ويحللها ليصل إلى ذروة المتعة, والمنفعة الشعرية التأملية بمخزونه المعرفي, ومنظوره الجمالي, كون كتابتها تعبر عن نضج شاعري بامتداد التجربة , أذن نجاح الشاعر في قصيدة الومضة يعتمد على طرفي معادلة بين الشاعر/ والمتلقي لكي تكون تجربته ناضجة , ومعبرة بصور متلاحقة سريعة , تعتمد على درجة عالية من الثقافة , والاطلاع الواسع للشاعر.

المراجع:

[1] ينظر الحوار المتمدن , ع 1280 ,في 8/8/2005 :5 .

[2] ينظر شعرية السرد في شعر احمد مطر :215 .

[3] م0ن : 216 .

[4] قصيدة الومضة في يمامة الكلام :3 .

[5] شعر الومضة المصطلح والتقنية : 12 .

[6] مقال الأستاذ أديب حسن محمد :6 .

[7] ينظر موقع ديوان العرب ,في 21/7/2012 :3 .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى