الرئيسية / فكر / في مديح النخل العالي.. حديث الجسد (أنموذجا)

في مديح النخل العالي.. حديث الجسد (أنموذجا)

ناصر أبو عون

أخطأ الواصفون والمتشاعرون بقولهم: (الشعر كلام موزون مقفى)؛ ربما كانت البديهة تقتضي الإشارة إلى (الإيقاع)؛ ولكنّ الصواب جانبهم؛ وربّما تداخلت على قلوبهم المعاني فتاهوا بين دروب الجمال؛ فخلطوا بين (النبر)، و(الموسيقى)، و(الإيقاع)، و(التقفية).

إنما الشعر له وجوه شتى، وإن كان (الوسيط واحدا/اللغة لا بوصفها حروفا منطوقة فقط)؛ الشعر مشهد يبدو من الوهلة الأولى لوحة أو غيمة تظلل سماء القصيدة تضامَّت فيها جزيئات بلوريّة متناهية الصغر، ومنمنمات متراكبة؛ {وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَٰوِرَٰتٌ وَجَنَّٰتٌ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ}[الرعد: 4]، قابلة للتشظي والانصهار وإعادة التشكّل في صور وعوالم لا نهائية من الجمال. {قِيلَ لَهَا ٱدْخُلِى ٱلصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ}.[النمل: 44].

ومن ثَمَّ فقد عرف شيئًا وجهل أشياءَ مَنْ قال إنّ الشاعرية وَقْفٌ على كل من ملك ناصية اللغة، وركب أحصنة الحروف، وعزف بالكلمات، وترنّم بالقوافي وأوغل في الإنشاد، وارتدى بُردة حسّان، واقتطع الصخر من جبال المتنبي، وجلس في محراب أبي العتاهية، وتهتك في حانة أبي نواس، وتصعلك على أرصفة “الثابت والمتحول”!

وهذا ما أشار إليه (غريغوري باتسون) عالم الأنثربولوجيا في ستينيات القرن العشرين مؤكدأ على فكرة أن «الكلمات تستطيع أن تصوِّر أفكارًا مجرَّدة بينما تمتلك لغة الجسد وظيفة مختلفة: وهي إظهار العواطف التي تُشكِّل تأثيرا حاسما على الطريقة التي تُكوِّن بها العلاقات».

ومن ثَمَّ ظهر علم «لغة الجسد» على يد الأمريكيّ (بول إيكمان)، شرح لنا (دلالة الإشارات والإيماءات والحركات الجِسمية)؛ عبر مؤلفه الموسوعيّ «أطلس المشاعر» الذي جمع فيه أكثر من عشرة آلاف تعبير للوجه وحاول قراءة أحاسيس الإنسان واستنباط ما يفكّر به من خلال تفسير تعبيرات الوجه، ومع بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين أصبحت «لُغة الجسد Body Language» فرعا معترفا به داخل منظومة (علم النّفس)، يتخصص في دراسة (أنماط التّواصل غير الّلفظي) بين البشر، ودراسة وتحليل (الحركات الجسميّة) وتفسير دلالات (الإيماءات اللاشعوريّة) التي يُصدرها الجسد، والتي تعدّ بمثابة (علامات مرئيّة) كاشفة لما نخفيه من مشاعر وانفعالات.

وبناءً عليه فإنّ الشاعرية مصطلح قماشته واسعة فتارةً تقتنص الجمال بضغطة زِرّ عندما تفتح الكاميرا عيونها، وتغمضها على مشهد طبيعي أو إنساني فيصير لوحة فوتوغرافية في جزء من الثانية؛ وتارةً أخرى تتبدّى الشاعرية في مشهد سينمائي يتوسّل بالحركة المدركة والاستاتيكية {وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ۚ صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ ۚ إِنَّهُۥ خَبِيرٌۢ بِمَا تَفْعَلُونَ}[النمل:88]، وتكثيف الصورة، وتركيز الرؤية في بؤرة قصيّة من اللوحة الإنسانية التي نحياها على مدار الساعة؛ فصار فيلما وثائقيا لن يتكرر.

والشاعرية لا تعترف بالقبح؛ بل ترى في كل زاوية من الخراب الذي تعيشه وصنعته نفوسنا المسكونة بالتوجّس بقعة ضوء، ورشّة أمل، وطاقة نور في آخر النفق، ونهاية وخلاصا من تلك العذابات التي اقترفتها أيدينا، وملاحة لا نظير لها.

الشاعرية في هذا العالم، المتشظي إلى عوالم شتى من الجمال (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)[النمل:88]، بينما القبح منتجٌ و(فايروس) متخلّق وإنسانيٌ بامتياز وقع في علم الله منذ الأزل، وصنعته الأنفس الأمَّارة بالسوء قابل للانطفاء في المهد، ولديه قابلية التحوّر والنمو، فيبيض ويفقس أفراخا تفقأ مناقيرها عين الجمال التي أهداها لنا الله في أرحام أمهاتنا؛ ومن هنا تولد الشاعرية فداخل كل منا شاعر وإن اختلفت الأدوات والوسائل ولغات التواصل الإنساني على سائر تنوّعها؛ فالرسام يغمس ريشته في (بالتة Paltet Alwan نفسه المطمئة)، ليقتنص من رقعة الجمال الكوني أو الإنسانية، مشهدا يضج بالموسيقى، ويتعالى بالرؤى، ويتراقص في ساحة اللوحة على أصوات (كونشرتو الجروسو).

فحيثما وقع بصرك على فوتوغرافية (النخلة/ الأنثى) تستيقظ بصيرتك، على إشارات تشعّ من هيئة الجسم المتحد بالجزع وحركته الاستيتاكية، يتلقى دماغك شفيرات لغوية، محملة بشحنة من الرموز اللغوية خفيّة المعنى، غير صائتةٍ أو مسموعة، تبعث برسائل غير منطوقة، تستقبلها العين ويدركها العقل. 

وعندما تتأمل في السماء، وتعرج إلى سدرة أسماء الجمال، وتتجول في فراديسها، وتصعد سلالم روحها، وتصلي ركعتين للعشق في كعبة عينيها، وتتهجد تحت أضواء جبينها، وتقطف السكر المتدلي لآليء من عراجين شفتيها، وتبحر في مراكب الاشتهاء على كتفيها، وترسو على مرافيء صدرها الظليلة ستعرف أن الشعر لا حدود لمعانيه، عصيٌ على التصنيف والتوصيف والتقعيد والقولبة.

يتبدى الشموخ المضمخ بالكبرياء الجريح في الرأس المرفوع تحت ظلال العراجين المفترشة كمظلة متشابكة الفروع يتساقط الضوء من سعفاتها بلورا على الوجه المتأمل في اللاشيء، بينما العينان شاخصتان إلى القادم من بعيد إلى ساحة المعركة بأسنّة الحب، ونصال العشق المتكسرة على القلب المثخن بالفراق غير أن الأنف يرتفع اختيالا ويأبى الانكسار. 

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

جان بودريار ومجتمع الاستهلاك

د. زهير الخويلدي | تونس “إذا لم يعد المجتمع الاستهلاكي ينتج الأسطورة، فذلك لأنه هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: