الرئيسية / دين / الاجتهاد لا يعني صوابية الرأي ولا عصمته

الاجتهاد لا يعني صوابية الرأي ولا عصمته

د. يحيى عبد الله | أكاديمي من موريتانيا
جعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – للمجهتد المصيب أجرين وللمخطئ أجرا وهذا معروف في أذهان طلاب العلم والعلماء من حيث المبدأ ومسلم به في غالب الأحيان مع تفاصيله المنطقية.
لكن الذي يدعو إلى الاستغراب هو منطق التشديد على الاجتهاد وإغلاق أبوابه بالشروط التي لا تعدو كونها اجتهادية زمانيا ومكانيا.
دور الأمة الإسلامية اليوم في مساهمتها في بناء حضارة إنسانية تلعب فيها دورا حيويا يحتم عليها القيام بمسؤولية الوقت في التحقيق والتحرير بشكل يلائم الواقع ويعطيه تصوره من خلال أهل الزمان ومعرفتهم للمتغيرات المعاصرة.
لا يمكن تحرير رؤية إسلامية اليوم موحدة ما لم يكن اجتهاد ورأي الأمة نابع من واقعية الزمان الذي تعيش.
إن التحديات الحضارية المحدقة بنا اليوم لتتطلب من هذه الأمة الإسلامية أن تأخذ بزمام المبادرة الإنسانية لتقدم للناس رؤية وحدوية للكون والحياة ينجسم فيها العقل البشري مع تطلعاته الزمان وتحدياته.
يجب النظر في نصوص الإسلام بشكل حيوي يراعي عالمية الرسالة ويجمع فنون الحياة ويقدم فيها اجتهادات معاصرة في الفلك والهندسة والاحتباس الحراري وغيرها من قضايا العصر الساخنة وهذا ما يحتم قضية الاجتهاد والتوسع فيها دون مواربة او تقاعس عن الدور الحضاري الذي يجب أن تلعبه هذه الأمة في إنتاج فقه حوي جديد.
وإذا قلنا بأنه قد بالغ الفقهاء واجتهدوا كثيرا في وضع شروط اجتهادية للامجتهد لا يقبل الاجتهاد منه ولا يبلغ درجة الاجتهاد حتى يستوفي تلك الشروط المستعصية التحصيل أحيانا ما دفعهم إلى القول ليس بتضييق دائرة الاجتهاد فحسب بل إغلاقه بسبب تعسر الشروط والمواصفات حتى إنه لا يوجد إلا مجتهد واحد في القرن.
وإذا نظر متفحص محايد إلى تلك الشروط يجدها لا تعدو غالبا كونها شروطا زمكانية في غالبيتها حتى لا نعمم عليها كلها ومن أقرب الأدلة على ذلك أن شروط المجتهد تتوسع كلما توسعت المسافات وتعددت البيئات فمثلا لو قدر لعصرنا أن يعترف فيه بمجتهد لوضعوا له شروطا مثل معرفة الحاسوب واستخداماته ومعرفة الوسائط الاجتماعية الرقمية التي يدور حولها وفيها كثير من الفتوى.
في اعتقادي أن تناول الفقهاء لشروط الاجتهاد وتضييق دائرته هو أبوية معرفية مارسها الفقهاء على قرائهم من المقلدين ما أنتج فكرا تقليديا يدور غالبه في فلك التكرار والانجرار وراء القائل وهو ما جعل عقلية الفقه نقلية لا تحليلية.
إن الناظر في مفهوم الفقه حسبما رسمه القرآن الكريم ونبي الإسلام يدرك أن الفقه هو الفهم لما يستجد من مقتضيات العصر والاجتهاد لها وليس البحث لها عن حلول لا توافقها زمانا ومكانا.
إن المشكلة الفقهية في عصرنا ليست بسبب الفقهاء فحسب وانما بسببنا.
فمسؤولية العصر كبيرة ومستجداته تتطلب المواكبة ولا تكون المواكبة إلا بما يناسبها من أقوال أهلها.
الكثير لا شك يمانع في توسيع دائرة الاجتهاد لورع أو غير ذلك لكن ذلك مانع من تأدية دور الأمة الإسلامية الحضارية واستسلامها لمقولات وتغييب عقول تواكب العصر وتطوره السريع.

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

لا تنظر للأعلى.. فأنت بخير

عبد العزيز آل زايد | السعودية لماذا ننظر من نوافذنا إلى قمم الجبال؟ لماذا أعناقنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: