سياسة

تفاقم كارثة الكابوس المقلق للمخدرات

المخدرات في العراق غثاثة ومخاض عسير

عبد الجبار نوري | كاتب عراقي – السويد

إن المخرجات الكارثية للعدوان الأمريكي على العراق بأحتلالهِ البغيض للعام المشؤوم 2003 لم يكن احتلالاً عسكرياً فحسب بل  (تدميراً للمنظومة الأخلاقية) حيث أغرق وطننا العزيزفي مستنقع المخدرات الملوثة بهلوسة المؤثرات العقلية، بالوقت الذي كنا ننعم بانحساره وقلة مريديه وضآلة انتشاره بسبب عقوبتها المشددة والثقيلة (إعدام بحق المتعاطي والمروج)، حين أصبحت العقوبة بعد 2003 وحسب الديمقراطية الأمريكية العرجاء أقرت الحكومة الأتحادية في 2017 قانون رقم 50 يعتبر االمدمن والمتعاطي (مريضاً وليس مداناً) بالوقت الذي يذهب بكامل قواه العقلية إلى هذا السم القاتل وهو تحدي سافر للقيم السماوية والوضعية والقيمية الأخلاقية إضافة إلى إنهُ تدمير وبائي للقوى العقلية والخلايا الجسدية،وتفكيك وتدمير الأواصر الاجتماعية، والغريب أن المخدرات وبأنواعها الخطرة وحتى غالية الثمن مثل (الكريستال والكبتاجون) أنتشرت في جميع المحافظات العراقية كالنار في الهشيم وعلى سبيل المثال لا الحصر تصريح الناطق بأسم وزارة الداخلية: سنة 2022 ضبط ستة أطنان مواد مخدرة، وعاد في سنة 2023  ليصبح التصريح الحكومي عشرة أطنان والأكثر تحديا تصريح قوى الأمن الداخلي: لدينا 60 طن جاهز للحرق والإتلاف وهو مؤشر مخيف ومرعب على مستقبل أجيالنا القادمة ؟.

إن المخدرات وحبوب الهلوسة من المواد المضرة بصحة الإنسان والمحرمة شرعا ويجرمها القانون والتي غزتْ العراق في السنوات الثلاثة الأخيرة بالذات أو الأصح أن نقول بعد الغزو الأمريكي الجائر للعراق في 2003 ، وكان المألوف في العراق يستهلك الحشيش والترياق المهربة من إيران ، وكان المتعاطون يمارسونه عن طريق دسّهِ في النرجيلة، وتشهد البصرة وحدها استهلاك نوع منه ما يسمى بالكرستال الذي يتميّز بتأثيره القوي وارتفاع سعره أذ يبلغ سعر الكيلوغرام منه 80 ألف دولار، وفي الآونة الأخيرة تم تصنيعه مختبريا وبشكلٍ شبه علني ، وبعد دخول القوات المحتلة للعراق شكلت هذه الظاهرة القاتلة أرقاما خيالية في التجارة الدولية، وحسب أحصائية لمكتب المخدرات التابع للأمم المتحدة: إن من بين كل عشرة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 18-30 سنة يدمن منهم (ثلاثة )، كما أن من بين ثلاثة منتسبين أمنيين يتعاطى (واحد) منهم مادة مخدرة، وأنه أخطر من العبوات الناسفة أو حتى الأحزمة الناسفة للإرهابين إن لم توازيها بالخطر المرعب في نخر المجتمع العراقي، لتحطيم القوّة البشرية في العراق عن طريق إغراق شبابه ببراثن التخدير والهلوسة، تعتبر مادة الكبتاجون من أخطر المواد المخدرة التي تدمر الجهاز العصبي للإنسان تدريجياً ويدمن عليهِ الإنسان بسرعة ويتم الترويج لهذا المخدر الخطير على أنهُ مقوّي جنسي، وهذا ما يساعد على أنتشاره .

وحسب تحليل طبي علمي استقيتهُ من المجموعة الطبية في جامعة Stockholmshögskola في هودنكه وسط العاصمة السويدية ستوكهوم واحدة من أشهر وأقدم الجامعات رصانة في العالم وإنها تنظم محاضرت للمواطنين وهو تقليد ما زال قائما لحد اليوم وكان حضوري لطرح هذا السؤال: ما هو تأثير المخدرات وبالذات الـ(الكبتاجون) على صحة الإنسان؟ وصلني هذا الجواب:

(إدمان تعاطي الكبتاجون يؤدي إلى الجلطات القلبية، وإبطاء عمل الأعصاب، وإلتهاب قشرة الدماغ، وتدمير عمل الغدة الكظرية، وتسارع نمو الخلايا السرطانية، وتقرح المعدة، إضافة إلى مدمني الكبتاجون يعانون من الهلوسات السمعية والبصرية).

تداعياتها الكارثية المرعبة

-وهي مواد ذات تأثير تدميري وطريقة بشعة للموت البطيء لا تختلف عن طرق الإعدام على الشبهات لدى النظام الصدامي، والقلق يتزايد حين يكون هذا الموت من نصيب فئات الشباب في العراق المنتجة والمخصبة وتحويلها إلى فئاتٍ شائخة مستهلكة طفيلية عالة على المجتمع .

– ومن تداعيات هذه الكارثة الرهيبة أن يتحوّل العراق إلى ساحة تعبث بها مافيات الجريمة علناً وبشكلٍ غير مسبوق في تأريخ العراق أن تصل الجرأة والتحدي لهذه المافيات أن تفتح لها سوق علني لترويج بيع المخدرات في الباب الشرقي بجوار نصب الحرية ومنطقة البتاوين، فأصبح العراق مخزنأ للتصدير بل تحوّل إلى محطة ترانزيت للتوزيع والتهريب إلى تركيا ودول أوربا الشرقية ثمّ الغربية ودول الخليج وشمال أفريقيا .

– وإن أعداد المدمنين على المخدرات تزايدتْ بشكلٍ ملحوظ بعد سنة الأحتلال الأمريكي للعراق بنسبة 80% وأدت إلى حالات الوفاة بسبب تعاطي هذا السم القاتل ووقعت أغلبها في كربلاء ومحافظات البصرة وميسان وبغداد وبابل وواسط، وأكدت البعثة الأممية أن عشرة سنوات القادمة ستفتك المخدرات بالشباب العراقي في حال بقي الوضع متأزما على ما هو عليه .

– وأن أحصائيات العيادات الخارجية في المستشفيات الحكومية للعام 2009 تشير إلى أن عدد المدمنين على الحبوب الطبية والمؤثرات العقلية وصلت إلى40349 مدمنا يرقد في المستشفيات الحكومية 340 شخص فقط وهي أرقام مخيفة حين يتعرض العراق بعد سنة الأحتلال إلى سونامي طوفان المخدرات وحبوب الهلوسة حسب خبر عاجل في نيسان الماضي دخول 18 مليون حبة من المخدرات دخلت العراق من منفذ البصرة والدولة المصدرة الأمارات العربية.

– أصبح العراق جسراً يربط بين آسيا وأوربا من خلال دخول المخدرات إليه من الجارة إيران بشكل رئيسي فغدت تعاطي المخدرات في وطننا العراق ثقوباً سوداء لامتصاص وجودها الحضاري وقيمها الاجتماعية والآخلاقية مما أدى إلى تزايد أنشطة عصابات ومافيات منظمات التهريب في داخل العراق .

– وأن المخدرات أصبحت وسيلة مساعدة في أرتكاب الجريمة بفقدان المتعاطي لقواه العقلية كما شاهدنا نشرات الأعلام العراقي في مسألة التعنيف الأسري حين يقدم أحد أفرادها على تصفية جميع العائلة أو أن ترمي أم أطفالها من على الجسر إلى النهر ووووو.

الأسباب

– عدم الجدية في السيطرة على المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية مفتوحة وغير منضبطة أمنياً تسيطر عليها الرشا في تسهيل تهريب المتاجرين والمروجين لهذه الآفة الخطرة، وخاصة الحدود مع سوربا وإيران .

– انتشار البطالة وبنسبْ عالية ربما أكثر من 39 % من المجتمع العراقي، وعدم توفر مراكز للترفيه يلجأ إليها الشباب .

– قانون منع استيراد وصنع وبيع المشروبات الروحية وهو قانون محزن ومخيب مما أدى إلى الاتجاه إلى المخدرات والتي هي الأرخص عالمياً حين يكون سعر الغرام حوالي 20  ألف دينار ما يعادل ( 13دولار) .

– الفلتان الأمني أو الوضع الأمني الهش والأشكالات السياسية والدستورية صارت سبباً في أنتشار مروجي المخدرات من الذين يسعون إلى تعزيز مواردهم المالية بطرق سهلة غير قانونية،  وانتشار ظاهرة الميليشيات المسلحة التابعة لبعض الأحزاب المتنفذة، وللأسف الشديد أن هذه الظاهرة المرعبة والقاتلة مغيّبة عن مراكز القرار المتنفذة ولا كأنّها معنية بمصير العباد، وليس لها حضور وخاصة عند سياسيي السلطة الذين يسعون أصلا إلى تخريب مؤسسات الدولة من أجل استغلال هذا الوضع السريري للدولة للإثراء في تسهيل ترويج آفة المخدرات،  والنزاعات العشائرية التي أنعكست سلباً على الحياة الاجتماعية والمعيشية والتي هي ربما سبب في الاقتتال العشائري في الاستحواذ على مراكز الحيوية في تجارة المخدرات، وأن المنظومة الأمنية والسياسية المتفككة أصلا وهي تعيش فوضى الطائفية والمحاصصة الكتلوية والحزبية تشكل سبباً هاماً في انتشار وتعاظم هيكل تلك الآفة الأجتماعية.

– وبسبب انخفاض أسعار النفط والتتقشف الحكومي دفع بعض أصحاب القرار السياسي الحاكم أو المتنفّذْ والمتجلبب بعباءة الحصانة البرلمانية إلى الإمعان في السلوكيات الغير قانونية فأستعملت قوتها في موضوعات الاتجار بالسلاح والمخدرات والتهريب والإثراء على حساب مصير الوطن.

– الأحتلال الأمريكي الذي لم يكتفي بتخريب البنى التحتية والفوقية بل أتجه إلى تخريب المنظومة الأخلاقية للمجتمع العراقي ، وعمل على جعل العراق منذ 2003حديقة خلفية للعم توم !!! ولغاية اليوم ممراً للمخدرات الأيرانية والأفغانية بأتجاه دول الخليج .

– أن أسعار المخدرات في دول الجوار عالية ومكلفة جداً ، بينما في العراق تباع بأسعار زهيدة .

– أن الأحزاب المتنفذة تتحكم بمقدرات البصرة  ، وأن الدور الحكومي مغيّبْ تماماً ، ويؤكد المكتب الأقليمي التابع للأمم المتحدة في العراق هذا التردي الأجتماعي وأنهيار الحكومة أمام عصابات الجريمة المنظمة وحيتان تجار المخدرات يعود إلى غياب المتابعة والتوعية وقلة مراكز العلاج في العراق فضلا عن أنخفاض نسبة العقوبة في العراق حيث تصل إلى ستة أشهر فضلا عن كون أغلب التجار مدعومين .

– كان لسبب أثارة موضوع منع بيع المسكرات الكحولية – المثير للجدل- في الأسواق العراقية دفع المدمن للأتجاه نحو المخدرات لهذا أصبح سوق المخدرات رائجاً .

العلاج

– دعوة إلى وزارة الصحة لإنشاء مصحات لمعالجة المدمنين والمتعاطين وتأهيلهم ضمن الاهتمام بالتنمية البشرية، وثم تكثيف الجهود الأمنية والقضائية في ردع المتاجرين والمروجين للمخدرات .

– زج وسائل الإعلام المتعددة في نشر التوعية وتدريس مخاطرها في المدارس والكليات.

– على الهيئات الحكومية في العراق تشريع قانون مكافحة المخدرات الخاص بالعراق

– فرض عقوبات صارمة (الإعدام والمؤبد) بحق المستورد وزارعيه ومصنعيه والأتجار به تجار ومروجي المخدرات، أما المتعاطين والمدمنين الحبس الشديد بتهمة مدان ثم بعد أتمام المحكومية يحولون للعلاج والتأهيل والمتابعة .

– الجميع يتحمل المسؤولية البيت المدارس الجامعات والمساجد.

– أجراء فحص دوري للعراقيين وخاصة المقدمين على الزواج فرض الفحص الإلزامي لاكتشاف امتداداتها العنكبوتية .

– وأن هذه المؤشرات الخطيرة تحتاج إلى التفكير الجدي عبر الخطاب السياسي الوطني والخطاب الديني الموحد والجامع للحمة العراقية ، وهذا يتم عبر الوحدة الوطنية والمصالحة المجتمعية وبث مناهجها الوطنية في التوعية تجاه هذا الكابوس المقلق، وعجبي للدعايات الأنتخابية لم ألاحظ ولا كتلة سياسية واحدة تقدم برنامجا مكثفاً لمكافحة هذه الظاهرة المستلبة للمجتمع العراقي وناسفة لمراهناتها على الاهتمام بمستقبل الأجيال الشبابية .

– السيطرة التامة على المنافذ الحدودية البرية والبحرية والجوية، وتبديل شفتات الحراسة بين الحين والحين لتفادي السقوط في مستنقع الرشوة، والحل يجب أن يبدأ من البصرة لأنها حاضنة لترويج هذه الغدة السرطانية والتي تعمل فيها الأحزاب المتنفذة المدعومة من العشائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى