الرصاص المكتوب

خالد جمعة | فلسطين

 [لمن أحب أن يعرف ماذا حدث في غزة عام 2008]

[السابع والعشرون من كانون أول 2008]

إنه يوم سبت، الهواء خفيف، وبردٌ شاعري يعبر الشارع في خيلاء أنثى، أقود سيارتي بهدوء في الشارع، أقطع إشارة جامعة الأزهر، يستفزني السائقون العموميون كعادتهم وكعادتي، أواصل القيادة باتجاه مفرق مركز الشوا الثقافي، على يميني تماماً مدينة عرفات للشرطة، وشرطي مقابل الباب يشير عشوائياً للسيارات بالتقدم أو الوقوف بجانب الرصيف لفحص الرخص، أخذت أتابع ما يفعله محللاً طريقته في إيقاف السيارات، بيني وبينه أحدى عشرة سيارة، يوقف السيارات القديمة، ويشير إلى تلك الجديدة بالاستمرار في السير، وكلما أوقف سيارتين قديمتين، سمح للثالثة بالمرور، أو هكذا تخيلت منهجه في عمله، لأن الانتظار يجعلنا نتأمل الأشياء بطريقة إجبارية,

أصل إلى الشرطي وكلي اقتناع بأنه سيطلب مني الوقوف بجوار الرصيف لفحص أوراق سيارتي، وبدأت في كيل الشتائم في رأسي لهذا النظام الذي تتبعه الشرطة، لكنه ابتسم، وأشار لي بالتقدم، فتقدمت، وعلى المفترق الذي تقع شركة الاتصالات على يساره، اتجهت يميناً ثم يساراً في أول منعطف، ثم يميناً مرةً أخرى، فأصبحت في شارع عمر المختار، أهم شوارع غزة، قدت حتى وصلت إلى مكان المقهى الذي سأتناول فيه قهوتي كعادتي، وقبل أن أقوم بوضع سيارتي جوار الرصيف المقابل للمقهى، سمعت ذلك الصوت الذي لم أعتد عليه من قبل، رغم أنني من غزة، وغزة هي أم الحروب، أم لأنواع الصواريخ التي وشمت جلدها، لكن أياً من ذلك لم يكن ما سمعته، فقد كان يشبه انفراط عقد من ألف حبةٍ على طبلٍ ضخم وُضعت قاعدته على مكبر صوت بحجم بلد… وتتابع الصوت، بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم بُبُم.

أغلقت السيارة، وصعدت إلى المقهى الواقع في الطابق الثاني، ثلاث طاولات في المقهى عليها وجبات خفيفة طلبها أصحابها ولم يمسوها، كوبان من القهوة الساخنة، وحقيبة سيدةٍ أنيقة يبدو أنها ستعود لأخذها، لكن لا أحد في المقهى غير صديقي الجميل الذي يقدم لي دائماً أفضل ما عنده، أشار لي إلى كرسي في الزاوية التي تقابل الشارع، حاجز من الزجاج يفصل المقهى عن الشارع، جلست وأحضر لي قهوتي، فخرج الرنين من جهازه المحمول يعلمه بوصول رسالة، قرأ الرسالة بهدوء، ثم لمحت دمعة في عينيه تجاهد كي لا تخرج، سألته: هناك شهداء، صحيح؟ فلم يجب، حلّت بيننا لحظات من الصمت العميق، وكأنه فقد صوته، أو لم تعد لديه رغبة في الحديث، لكنه تحت إصرار عيني الحائرتين وهما تقرآن ملامحه قال: مئة وأربعة وأربعين شهيداً قصفتهم الطائرات في مدينة عرفات للشرطة، فوضعت يدي على رأسي بأسلوب ندّابةٍ محترفة، فقال لي: معك حق، الرقم كبير، هذا عدا عن الجرحى، فقلت: ليس هذا فقط، إنها الحرب، فعندما يتجاوز الرقم إلى هذا العدد، فلن يكون هناك فرق بين مئة وألف، وفي هذه اللحظة، كانت الحرب قد بدأت على غزة.

دقيقتان ونصف فصلت بين مروري بمدينة عرفات للشرطة وقصفها، وعرفت لحظتها أنني حيٌّ بالصدفةِ، فقد استشهد الشرطي الذي ابتسم لي، أحدثت الصواريخ حفرةً في نفس المكان الذي كان يوقف السيارات فيه، جلست في المقهى ساعتين، وعدت لأقود سيارتي إلى البيت، وفي الطريق، بدا كأن إسرافيل قد نفخ في الصور فقام الأموات، الشوارع تعج بالبشر، يشترون، يبحثون عن أبنائهم، يطمئنون على الجرحى، يعبئون الماء، يملأون أنابيب الغاز، قيادتي للسيارة ببطء جنائزي مكنني من رؤية المشهد بكل تفاصيله، الناس يستعدون للحرب، والحرب، تستعد للناس.

دخلت البيت، كانت زوجتي قد استخدمت كل الحيل التي تعرفها في حياتها كي تؤمن عودة مدرّسة الموسيقى إلى بيتها، فقد كان السبت هو موعد درس الكمان الأسبوعي، دخلت البيت مرهقاً، التلفزيون مفتوح على مصراعيه، المراسلون مذهولون، قطاع غزة يتعرض للقصف من أظافره في رفح، إلى شعره في بيت حانون، الصواريخ ذاتها، الطائرات ذاتها، الصوت ذاته، الشهداء يتساقطون أمام الكاميرات، البيوت تنفجر مثل قلبٍ لم يعد يحتمل، أبنية تتطاير بسحابات غبار أبيض، هوليود هنا.

أواخر ديسمبر، البردُ في أقسى حالاته، ضربة أخرى في صميم محطة الكهرباء، إذن لا كهرباء، إذن لا تدفئة، الشبابيك من زجاج، يتوجب فتحها كي لا تسقط مع صوت الانفجارات المتواصل، فيصبح المشهد كالتالي: شبابيك مفتوحة، غول البرد بأنيابه الزرقاء المعتادة، ولا كهرباء، ويستمر المشهد في التقدم، تنفجر البنايات بجوارنا، الانفجار قريب، صاروخ إثنان، تسعة، ثم يتوقف القصف، الصوت مرعب وقريب، إنهم يقصفون مجمع الوزارات، يقول جارنا، ينتظرون نصف ساعة، تدخل سيارات الإسعاف لرؤية إن كان هناك جرحى، يدخل الناس أيضاً إلى المكان المقصوف، أربعة صواريخ أخرى، ومجزرة مخطط لها جيداً تحدث على بعد مئة متر من البيت، وجارنا وزوجته الخجولة، وابنته التي لم تدخل السابعة بعد، يهربون من بيتهم إلى بيتي، بيتهم يقع في غرب البناية، في نفس الطابق الذي أسكن فيه، وبيتي في شرق البناية، ومجمع الوزارات يقع غرب المبنى، يهرب الجيران إلى بيتي لأن حائطاً واحداً أكثر سيفصلهم عن الصواريخ، هكذا هي الحرب، قد تحميك طاولة من الموت.

الثانية ليلاً، وارتجاف ابنة جارنا سيظل المشهد الذي سيرافقني الحرب كلها، لم أعرف إن كانت ترتجف من البرد أم من الخوف أو من كليهما، لكن للصغار طريقة في التعبير عن خوفهم، عن رعبهم، تجعل روحك تنشق، تجعلك تشعر بفقدان رجولتك، برغبتك في الموت، حين يخاف طفل إلى هذا الحد وأنت واقف لا تستطيع أن تقول له حتى كلمة مواساة لأنك لا تريد أن تكذب عليه حتى في هذا الظرف، تنتهي الليلة، وإحصائية الشهداء الجديدة كلها من رجال الإسعاف الذي غررت بهم شهامتهم، ووقاحة الطائرات.

رأس السنة، العالم يحتفل، يطلق البالونات، بنايات غزة تتراقص تحت صواريخ بأوزان من خيال، البناية التي يقع فيها منزلي تتكون من تسعة طوابق، تميل مثل علبة كرتون في الريح كلما انفجر صاروخ قريب، لم يحدث أن نمنا ليلة واحدة خلال الحرب، نجلس على الأريكة حتى الصباح كل ليلة، فقط حين تشرق الشمس، يمكننا أن نسرق ساعتين من النوم، الليل مرعب كفيلم تم تصويره في الظلام، الأحداث كلها لا تظهر على الشاشة، لكنها هناك، تماما حيث تجلس، حيث تدير ظهرك، حيث تتنفس، وتستمر الحرب.

تستمر الحرب، وتسقط بنات بعلوشة الخمس، الأخوات الخمس، بصاروخ واحد في لحظةٍ واحدة في فراش واحد، راديو صغير أعتصره كما معجون أسنان فارغ، تسيل منه الأخبار نقطة نقطة، آتي بمولد صغير من جارنا، أستأذنه أن أخذه لليلة واحدة كي أشحن الجوالات وأشاهد ما يحدث في الأخبار، المرأة أم البنات الخمس ذاهلة مثل تمثالٍ نُحت مذهولاً فتجمد تعبير الذهول على وجهه، بناتها الخمس، قالت: لا أعرف ما الحكمة من بقائي حية.

 تستمر الحرب، التفاصيل ذاتها كل يوم، بجوارنا يقصفون وزارة العدل بأربعة صواريخ من طائرة الفانتوم، يقصفون الجامعة الإسلامية التي تجاورني، وفي الصباح يقولون إنهم سيوقفون القصف لساعتين، أخرج، أبحث عن المدينة الخائفة في المدينة الخائفة، أشتري سجائر وكمية هائلة من بطاريات الراديو، وأعود للبيت، تنتهي الساعتان سريعاً، وينتهي الطيارون من تناول وجبات غدائهم، ويعودون للعمل، تتوالى الانفجارات، فأضع خارطة غزة أمامي، وأستمع إلى الراديو، وكلما قصفوا مكاناً، حددت من يسكن هناك من أصدقائي، واتصلت به، لم يمت أحد بالصدفة، أحد أصدقائي دمر بيته، قال لي، لا أعرف حال بيتي، لأن بيت الجيران سقط عليه، أنتظر أن يرفع الجيران بيتهم لأعرف حال بيتي، ضحكنا، وبكينا.

 تستمر الحرب، يرفض نزار ريان الخروج من بيته، معه زوجاته وأولاده وأحفاده، لا بأس، يحذرونه، لا يستجيب، يطلقون الصاروخ، يفجرون المبنى على من فيه، ويستشهد نزار ريان وجميع من معه، هكذا ببساطة تمحو إسرائيل عائلة كاملة عن الوجود، من الجد إلى الحفيد.

 تستمر الحرب، قنبلة هائلة تفرم مسرح الهلال الأحمر الفلسطيني، مبنى من عدة طوابق، في الطابق الأول منها المسرح الذي تعودنا أن نعرض عليه مسرحياتنا، يتحول المسرح إلى ذكرى، قنبلة بوزن ألفي باوند، كانت آخر العروض على هذه الخشبة التي أخذت من جلودنا وأعمارنا الكثير، حين شاهدته للمرة الأولى في اليوم الأول بعد الحرب، أصابني شلل حقيقي تام لمدة دقيقتين.

أسبوعان، ثم تدخل الحرب لعبة أخرى، يدخل الجنود بدباباتهم، يقطعون غزة من وسطها، وينتشرون في المفترقات الرئيسة، يصبح للخوف وزن، الجندي الإسرائيلي ليس بشرياً، إنه دبابة، ودبابة خائفة أيضاً، لذا فالقتل صار شهوة الدبابة الخائفة من عتمة ما لا تعرفه، كل شيء يموت، مأساة أخرى، عائلة السموني تؤمنهم الوحدة التي تمركزت جوار البيت، لم يعد البيت آمناً يا أمي، قال الضابط أن نجلس هنا وسنكون في أمان، لكني لا أثق بهذا الضابط، لا شيء لنفعله يا ابنتي، ويقصف البيت والحوار بين البنت وأمها لم يكتمل، ماتوا كلهم، وتنتشر الفضيحة، لكن الذين ماتوا لا يعرفون كيف انتهت الحرب ولا يعرفون الفضيحة أيضاً، يعرفون أنهم ماتوا خائفين، وما زالوا خائفين إلى اليوم.

تمتد الحرب إلى العروق الرفيعة تحت القلب، إلى الكراسي والثلاجة، إلى الشبابيك وألوان الجدران، إلى السيارات الواقفة أمام البيوت، تسقط البيوت على أصحابها، ويبكي رجل الدفاع المدني على الراديو مباشرة، حين لا يتمكن من الوصول إلى المرأة التي تحتضن أبناءها تحت الركام وتتكلم من بقايا محمول في يدها، ونبكي جميعاً، وحتى البكاء كان خيانة لها، ولكل شيء آمنا به، كل شيء يفرم الروح كآلة تقطيع لحم فرنسية حديثة الصنع، من هو الذي نقاتله؟ ما هو الذي نقاتله، القتلى يتساقطون في الشوارع، يحاولون التقاط الأسماء على الأقل، الناس يبحثون عن قتلاهم في الإذاعات، المذيعون لا ينامون، المصورون كذلك لا ينامون، والحرب لا تنام، يسقط مبنى مجاور كقطعة ثلجٍ في كأس شاي، لم يعد له ما يقوله للمكان، يسقط كل شيء، وبقية البيوت خائفة وترتجف، لا مكان آمن في هذا الجحيم.

 يقول جارنا العقيد المتمرس، إن أكثر الأماكن أمناً، هي تلك التي تعرضت للقصف وانتهى الأمر، إسرائيل كانت تجلس في رأسه حين قال هذا، فأعادت قصف كل شيء مرتين وثلاث وأربع مرات، الصواريخ تتساقط مثل شهب حقيقية، شيء يمكنك أن تراه، ثمانية صواريخ على مبنى السرايا، رأيتها بذيلها الأحمر وغبارها الذي يشبه نشيداً توراتياً وهي تسقط بتتابع وتنفجر، رأسي يدور كأنني لعبة أطفال ببطارية لا تنتهي، المجلس التشريعي يسقط أيضاً، وحين نفذت الأهداف، قصفوا الهواء، وأعني ذلك تماماً، بجوار بيتنا على مفرق وزارة الأسرى، أطلقوا صاروخين من طائرة الفانتوم على لا شيء، فقط اخترقوا مفترق الطريق وذهبوا.

 تستمر الحرب، تصمد ثلاجتنا الكبيرة تسعة أيام، ثم تعلن استسلامها، أخرج كل ما فيها، فاسد أو يكاد، أتسلل إلى أسفل البناية لألقي كل شيء في القمامة، كان الجيران جميعهم قد تسللوا قبلي وألقوا قلوب ثلاجاتهم في القمامة كذلك، ولدهشتي، رأيت فتاة في التاسعة تلعب “الحجلة” فيما صوت الصواريخ يهز المدينة، كانت غريبة الشكل، منكوشة الشعر وحافية، وكلما انفجر صاروخ، ضمت كتفيها بفزع لحظي، لكنها لم تتوقف عن دحر قطعة الرخام الصغيرة بقدمها لتكمل لعبتها، راقبتها بعض الوقت، وصعدت كي أكمل عزلتي التي فرضتها الحرب، فأنا بطبعي أحب العزلة، لكن، ليس حين تفرضها الحرب.

تستمر الحرب، ليلاً، نهاراً، عصراً، جواً، بحراً، براً، يحاصرون البنايات، كل بناية عالية بلا استثناء قصفوا الطابق الأخير فيها، صديقي الآتي من زمني القديم، يغادر بيته في الطابق السابع، تقصف الدبابات البيت، يحترق البيت، صوره مع أبيه، بطاقة العضوية التي ورثها عن أبيه في نادي القبيبة الرياضي بتوقيع مدير النادي عام 1936، صور ابن عمه الشهيد، مكتبته التي كان يخفيها عني لأنه يعرف أنني سأسرق أي كتاب يعجبني، وهو خجول بطبعه لن يستطيع أن يردني، احترقت المكتبة مثل عود كبريت، تماماً كباقي البيت، واحترق سرير ابنه الجنين الذي لم يأت، وكأنه يحتج على العالم وعلى الحرب بكل ما في الكلمة من معنى، فأخذ أول وآخر قرار في حياته، أن يولد ميتاً.

تستمر الحرب، الجيش الإسرائيلي يتقدم، يصل إلى مكان لم أصدق أنهم وصلوا إليه، يخرجون السكان عراة ويدخلون البيوت ويطلقون الرصاص على كل شيء، التلفزيونات، الكتب، الثلاجات، بوابات المصاعد، مشاهد تذكر بمعسكر الاعتقال أوشفتس، يسقط صحفي يتكلم في جهازه المحمول في البلكون الخاص ببيته، صاروخ مباشر في جسده، يتناثر أخباراً، يسقط أطفال هنا وهناك، والناس يهربون بأطفالهم من فم الموت، إلى لا مكان.

مدرسة الفاخورة، مكان يهرب الناس إليه من جحيم القصف، تتجمع العائلات في الفصول، في ساحة المدرسة، يبكي الأطفال ويشتمون أهلهم لأنهم أخرجوهم من فراشهم غير الدافئ إلى العراء، تقول أم لابنها الذي ترك الثدي منذ لحظات: على الأقل هنا ما زلنا أحياء، لكنه لم يفهم ما رآه في السماء، تسقط الصواريخ على المدرسة، وقنبلة الفوسفور ذات الشكل الجميل في الانفجار المرتب في شكل وردة، وتحرق الناس والأطفال ووكالة الغوث وفكرة الأمان التي خدع الناس أنفسهم بها، وإسرائيل لا تعبأ بالفضائح، وتبرر كل شيء بوجود مقاومة، بينما لا أحد يخرج في أي مكان ليقول شيئاً لأي كان، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى.

تستمر الحرب، ولا يوم يشبه يوماً آخر، تفتح بعض البلاد العربية خطوطها مجاناً لمواطنيها، ينتقي الناس أرقاماً تبدأ بمقدمة غزة ويتصلون في أي رقم يخطر لهم، ليطمئنوا على مشاريع الموت الساكنة في الشوارع والبيوت، تلقيت عدة اتصالات، منها اتصال تطور بشكل دراماتيكي، إمرأة من اليمن، تكلمني وتسأل أسئلة عن الماء والأكل والكهرباء، وفيما هي تتكلم ينفجر صاروخ بجوار البيت، فتبدأ المرأة في النحيب، وأبدأ أنا بتهدئتها، في نهاية المكالمة ضحكت بشكل هستيري من عبثية المشهد، النار تشتعل في الكلام.

 وتستمر الحرب، ويأتي اليوم العشرون، الدبابات تتقدم حتى تصبح على بعد أمتار من المنزل، يخرج رجل مع ابنه الصغير ليهرب من الجحيم، يرافقه صديقان آخران في سيارة، الصاروخ يذهب بالسيارة إلى الجحيم مقابل بيتنا، يموت الجميع في السيارة التي تشتعل ولا أحد يستطيع الاقتراب لأن الجميع يعرف أن الصاروخ الثاني سيأتي بعد 45 ثانية من الصاروخ الأول، هكذا جرت عادة إسرائيل كي لا يتقدم الناس لإنقاذ من في السيارة أو المنزل، مخطط شيطاني بامتياز، يقتربون يقتربون، يصبح الهواء ثقيلاً كمطرقة، تشم رائحة الجيش تحت الرمل، أجازف بطلب سيارة بعد أن رفضت سيارتي العمل احتجاجاً على وقفتها الطويلة، تخرج أختي وأولادها وزوجتي وأبقى إلى أن أتلقى اتصالاً منهم أنهم أصبحوا في منطقة أقل خطراً ثم أطلب سيارة أخرى، يجازف صاحب مكتب السيارات بإرسالها من مكان بعيد، تتحرك السيارة، مقر الأونروا يقابل بيتي، قنبلة فوسفور تخترق مخزن الأغذية والنار تصعد تصعد تصعد، الشارع الذي يفصل الجامعة الإسلامية عن مبنى الأونروا كأنه ساحة حرب، الأشجار ميتة في الشارع، عمودا كهرباء منحنيان على الأرض والأسلاك كأنها أرجوحة، تسقط قذيفة دبابة وتخترق حائط الجامعة على بعد خمسة أمتار من السيارة، يسرع السائق مغامراً بإتلاف عجلاته، يزداد اشتعال الفوسفور في مبنى الأونروا،  وتزداد القذائف على مبنى الجامعة، وأنا والسائق وحيدان وحيدان وحيدان، الشارع لا يتعدى طوله مئتي متر، نقطعه في عام ونصف، ونخرج من بؤرة الجحيم، إلى أطرافها.

 ليلة أولى خارج البيت، صاروخ بحجم يوم قيامة يهز البناية التي أجلس فيها، الصاروخ بعيد أكثر من كيلومتر ونصف عني، ومع ذلك ارتج المكان كله، ربما كان الصاروخ الأثقل في الحرب كلها: لقد اغتالوا سعيد صيام وزير الداخلية في حكومة حركة حماس، واختفى البيت عن وجه الأرض، لم أشاهد ركاماً حين ذهبت هناك، شاهدت رملاً أبيض ولم يكن ثمة ما يدل على وجود، إي وجود من قبل.

 كانت إسرائيل تتسلى بمآذن الجوامع، بالدفيئات الزراعية، بروضات الأطفال، بالمباني الحكومية، بشاطئ البحر، بكل شيء، فجأة، وبعد أن وصل الجنود إلى مسافة إصبع من مركز المدينة، تتخذ القيادة السياسية قرارا بالانسحاب، لماذا دخلوا؟ لماذا خرجوا؟ إسرائيل فقط تعلم ذلك.، تنسحب إسرائيل وتتركنا نبحث عن أشلاء الشهداء بين أشلاء البيوت وتحت أشلاء الشجر ونتنفس أشلاء الهواء…

 لم أستطع الكتابة عن الحرب لسنوات، الحرب ثقيلة، وأن تعيش الحرب، يختلف عن أن تعايش الحرب، حاولت أن أكون شاعراً في الكتابة ولم أنجح، وجدت نفسي مدفوعاً لأكتب ما حدث، لأكتب ما كنت أشعر به دون تدخل من اللغة، دون تدخل من الشعر، إذن هي مجرد أشياء حدثت، قد لا تعني أحداً، لكن هذا هو ما حدث، وقد اكتشفت بعد أن انتهيت من الكتابة أنني لم أقل شيئا مما كنت أفكر أنني سأقوله…

وتستمر الحرب…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى