الرئيسية / ترجمات / بطلة بين الرجال؛ بطلة بين الأشباح.. أول ترجمة عربية لقصائد “لي تشينغ تشاو”

بطلة بين الرجال؛ بطلة بين الأشباح.. أول ترجمة عربية لقصائد “لي تشينغ تشاو”

نداء يونس | فلسطين
بحث طويل وقراءة معمقه في نتاج شاعرات كثر سبقا قرار ترجمتي لتجربة لي الشعرية. وفي ظل تساؤلاتي الدائمة حول ما يمكن أن تقدمه ترجمة النساء لأعمال نسائية وتأنيث ترجمة انتاجاتهن، أنحزت أيضا: جماليا وشعريا وإنسانيا وعاطفيا إلى هذه التجربة التي تضيء حول انشغالاتي الفكرية بطبيعة ما تكتبه النساء في ظل عصور شديدة الاهتمام بالتقاليد وعما إذا كان شعرهن مرايا للواقع المنضبط أم أنه ثورة على واقع يسحق المختلف ويجلخه، وفيما إذا كان يمكن أن يؤرخ شعر النساء لجوانب مخفية وللمسكوت عنه من الهيمنة الاجتماعية والدينية والذكورية،؛ وكيف تمكنت تجربة شاعرة قوية ومثقفة بدون ارتباطات ذكورية من العبور في الزمن والتجاوز.
لم تحظ التجربة الشعرية للشاعرة الألفية لي تشينغ تشاو 李清照 (1084 – 1155) التي عاشت في عهد أسرة سونغ في القرن الثاني عشر، وتعد واحدة من أعظم الشاعرات في تاريخ الصين، وعلى قدم المساواة مع شكسبير، كما شعراء الصين العظام مثل دو فو ولي باي، بدراسة واسعة النطاق نسبيًا في الغرب، ولم تكن أوفر حظا في الشرق رغم أنها صاحبة نص ذكي وحساس وساخر جدا وجرئ وقادر على الانتقاد دون صراخ، ويتمتع بالسيادة. هذه ترجمة تصدر للمرة الآولى بالعربية عبر لغة وسيطة وهي الإنجليزية ولأغلب قصائدها، بعنوان “بحث، صيد، رغبة، تلَفُت”، انجرت في 160 صفحة من القطع المتوسط، آملة أن تسد فجوة في نقص المصادر بالعربية عنها وأن تعمل على إذابة اللُّغة والجغرافيا والزمن.
ما تقدمه تجربة لي تشينغ تشاو من اختلاف في السياق على مستوى الفتاة في السابعة عشر التي خرجت من عائلة أدبية لا تتحدث في السياسة بل ولا تتحدث – اي العائلة- الا عندما يطلب اليها، لتنتقد في قصيدتين لفتتا الانظار اليها حينها فساد وضعف اسرة سونغ – المقدسة، شدني الى قراءتها التي كشفت عما يمكن ان اسميه ببساطة “الشعر”. انها تجربة أصيلة ومغايرة تماما ستعيد أفهمة الشعر وتعريفه كونها تؤسس منذ الف عام لما بعد حداثة شعرية حتى في معالجتها لعلاقتها مع مفاهيم ابعد من الذات مثل الوطن والحنين والبرابرة المحتلون والخيانات والفساد.
في الوقت الذي كانت النساء يدمرن كتاباتهن أو كان الكتاب الرجال يختارون ويتلاعبون بقصائد النساء لخدمة جمهور من الرجال، استخدمت لي قصائدها لانتقاد الحكومة وقصائد الشعراء الرجال علنًا. الشاعرة برؤية جريئة استطاعت أن تحول هذا كله الى تجربة أصيلة وتمكنت بشكل مذهل من تحويل تجربتها الخاصة الى فلسفة عبرت ألف سنة لتصل الى ايدينا. وعكس التجارب التي تتفاوت في تأثيرها وفقا لتفاوت التماهي الذاتي للشعراء مع التجربة، تمكنت لي من تحويل التفاصيل التي تخصها، التفاصيل اليومية والذاتية جدا ومشاعرها والتقاطاتها الى فلسفة عميقة انطلقت من اتجاهين مختلفين: حساسيتها النادرة للاشياء والاغتراف من الذات وثقافة عميقة سياسية ومعرفية مكنتها من ان تنتقد وتحول ذاتها شاهدا على عصر التملق والخذلان والخسارات.
تكتب لي ببساطة عبقرية، باختزال وكثافة مذهلة، تجمع العناصر التي لا تجمع عادة في صورة واحدة ثم تربط بينها بشكل مذهل. قصائدها الغنائية االاستبطانية والصادقة والشخصية للغاية، لا تكشف فقط جوانب من الحياة الاجتماعية في ظل اسرة سونع التي سقطت بشكل أضاف دراماتيكية لشعرها، ولا تعري جوانب لحياتها الفكرية والعاطفية، ولا تعرض لثقافة الصين دون اغراق بل بتوظيف ذكي، بل تميط اللثام عن آليات تلاعب مقتدرة تحول اللغة البسيطة ومشاهد اليومي والعادي الى رمزية جارفة وخطيرة.
تفتتح لي احدى قصائدها بسبعة أحرف مزدوجة، الامر الذي لم يفعله شاعر من قبل: 寻觅寻觅, 冷冷清清, 凄凄 惨惨 戚戚 ، اخترت لترجمتها هذه المرادفات”بحث، صيد، رغبة، تلَفُت” والتي وجدتها عنوانا يليق بهذه المجموعة والتي لم تمنح عنوانا في الترجمة الانجليزية.
الفتاة التي قضت أوقاتها في ألعاب الشرب الأدبية أي اختيار قوافٍ من قصائد سابقة وكتابة قصائد باستخدتمها وغيرها، التي جاعت وزوجها الأول لإنشاء مكتبة دمرت بسبب عزو الجورشيين وتقلصت الى مجلدين، هاجمت الغزاة عندما تمت دعوتها لقراءة قصائدها في المحكمة، انتقدت دعوات التهدئة. وذكّرت المبعوثين في “قصيدة مقدمة إلى اللورد “هان” من مكتب الشؤون العسكرية واللورد “هو” من وزارة الأشغال” بأنه “لطالما كان البرابرة يتمتعون بطبيعة النمر والذئب” وقالت: ما فائدة الدبلوماسية مع عدو لا يستمع إلا إلى لغة الحرب؟ هذه النصيحة تجاهلتها السلطة الحاكمة. لم تنتقد السياسيين فقط، بل والشعراء الرجال، وليس هذا وحده، بل وضعت أول نقد تفصيلي لمقاييس الشعر الصيني.
الموهبة الشعرية التي لم يكن ممكنا التشكيك فيها، كانت مرفوضة اجتماعيا. بطبيعة الحال، “المرأة االتي بحثت عن الإلهام من خلال المشي بمفردها على أسوار المدينة أثناء العواصف الثلجية كانت مناسبة بشكل سيء لأدوار وأخلاق امرأة من “سونغ””، وحيث “القدرة الأدبية ليست شيئًا مناسبًا للمرأة”.
نجت 100 من قصائدها التي قسمت الى فترتين شكل تهجيرها وشعبها الى الجنوب الانعطافة الفاصلة بينهما. كانت هناك الفترة المبكرة التي كانت فيها معظم قصائدها مرتبطة بمشاعرها – قصائد كتبت بجرأة في الطبيعة والحب والشوق. ثم وبعد نزوحها إلى الجنوب، ارتبطت قصائدها ارتباطًا وثيقًا بكراهيتها للحرب و الجوريشيين المحتلين وعبرت من خلالها عن وطنيتها. ما تبقى من شِعرها اليوم نجا لأنه تم اقتباسه أو تأليفه في مكان ما في العقود والقرون التي تلت وفاتها.
كانت لي بطلة بين الرجال وفي الموت بطلة بين الاشباح، كما تقول في شعرها.
نماذج لبعض قصائدها.
بحث، صيد، رغبة، تلفُتٌ؛
بارد جدا ومع ذلك شديد الوضوح،
حزين وكئيب وبائس،
دافئ ثم يبرد،
إنه الموسم الأسوأ كي تعتني بنفسك.
كيف يمكن أن يصمد
كوبان أو ثلاثة أكواب من النبيذ العجوز
في وجه قوة رياح المساء؟
طار الأوز البري،
حزِن القلب،
ماذا أكثر،
هي ذات الطيور التي كانت هاجرت من قبل.
///
بتلات صفراء تفترش الأرض،
مبعثرة في أكوام. منهكة أنا الآن
وواهنة،
من يكثرت بعدٌ كي يقطفها – تلك البتلات –
///
أجلس إلى النافذة، وحدي،
كيف صار الخارج
بكل هذا السواد؟ أشجار الباولونيا
والأمطار الخفيفة، وحتى يحل الغسق،
أستمع إليها نقطة إثر نقطة،
قطرة بعد قطرة.
هذا المشهد، هذا الشعور-
كيف يمكن أن تكفي كلمة “حزن” لوصفه؟
///
شائكة؛ لكن صحيحة،
مائلة وباهتة،
غامرة، وملأى بالأحاسيس.
كم هي مؤثرة، الخطوط التي يتركها
العطر الخفي،
التي تجعل أزهار الكمثرى تحس بالخجل.
///
يئن الحصان ويقفز بسرعة مرة أخرى.
عبثا أدير رأسي،
ولا أرى سوى نهر بارد ورمال بيضاء.
عند آخر الأرض، تنهكني الوحدة،
كيف يمكنني أن أتحمل عزف لحن الناي الذي
من التبت؟
///
تنزل عن الأرجوحة
تعدل ملابسها بهدوء بأصابعها النحيلة. الندى كثيف، الزهر هش،
بقع من العرق تلطخ الفستان.
ترى شخصا ما يقترب،
بالجوارب في قدميها، ودبوس شعر ذهبي
ينزلق، تركض بعيدًا بخجل.
عند الباب تتوقف،
تستدير لتنظر إلى الوراء،
وتشم البرقوق الأخضر في يدها.
///
في مبخرة اليشم التي
على شكل بطة،
يقعد بخور الكافور دون ان يشعله أحد،
شراريب تتدلى من مظلة السرير بلون الكرز الأحمر،
هل ما زال قرن وحيد القرن العتيق يعرف
كيف يدرء البرد؟
///
قبل خمسة عشر عامًا، تحت البراعم،
في ضوء القمر،
جلست مع أصدقائي أكتب قصائد عن الاستمتاع بالأزهار.
اليوم، تبدو الأزهار في ضوء القمر متشابهة إلى حد كبير،
لكن كيف يمكن أن أمتلك المشاعر ذاتها؟
///
طمي شاحب بلونه الأصفر الفاتح،
لطيف المخبر والمظهر.
بحكم طبيعته،
عطره يصل البعيد،
ما الحاجة اذا إلى ضوء سماوي أو إلى أزهارحمراء شاحبة؟
انه – هذا الطمي – يعلو
على كل الزهور.
يجب أن يكون البرقوق غيورًا،
وأن يتواضع الأقحوان،
الـ يتفتح بجانب الدرابزين المطلي بالدهان،
ويبدو الأفضل في الخريف.
كيف يمكن لشاعر سبقني أن يكون
عديم الشعور وبهذه الامبالاة؟
لماذا حذف هذه الزهرة “الصفراء الفاتحة”
من كتابه؟
///
يُظهر اللون الأحمر نفسه،
تنفجر الزهرة المرصعة بالجواهر.
أنظر لأرى ما إذا كان الغصن الجنوبي
لم يكتمل إزهاره بعد.
لا يوجد ما يدل على مدة احتجابها
للتحضير لهذا،
كل ما نراه هو الاحساس اللامحدود الذي
تتسع له هذه الزهور.
///
فيما مضى، بالكاد احْتَمل جمالا رائعا كهذا رشقات المطر
او أن تتقاذفه الرياح.
الأسوأ من ذلك أن أغنية الناي التي تعزف في مكان ما
تضفي عليه حزنا بهذا العمق!
لا تندم على تلاشي الرائحة أو ذوبان الجليد – يجب أن تفهم
يبقى الشعور حتى بعد زوال الشكل.
ومع ذلك، فإن الجزء الأصعب هو تذكر هذه الأسطر:
“في أمسية رائعة في ضوء القمر الباهت،
تحتفظ الظلال الرقيقة بسحرها”.
///
مهجور جدا؛ الفناء،
وماذا أيضا،
الرياح الجانبية تفُحُّ رذاذا خفيفا،
على الأبواب ذات الدرفتين أن تظل مغلقة.
يا للصفصاف الحبيب والزهور الجميلة،
مع اقتراب احتفالية يوم الطعام البارد.
الموسم المقلق من نواح كثيرة،
أنهى قصيدتي التي نظمتها على قافية صعبة،
الثمالة التي تتبدد من أثر النبيذ القوي
تحيلني الى أخرى
بنكهة مميزة للكسل.
الأوز المهاجر
يطير،
لكنه لا يستطيع أبدًا أن يحمل المخاوف التي لا حصر
لها في ذهني.
///
برد الربيع استمر عدة أيام في غرفتي بالطابق العلوي،
الستائر مسدلة على الحوائط الأربعة،
ثقل شديد يمنعني من الاتكاء على الدرابزين المصنوع من اليشم.
بطانيتي باردة، والبخور احترق،
استيقظ الآن من حلم؛
يستحيل أن لا أفيق
وهذا الحزن يحفر.
///
أكتب هذا بالدم لتقديمه إلى الأرشيف الإمبراطوري:
لطالما امتلك البرابرة طبيعة النمر والذئب،
فما الضرر الذي يلحق بنا ان اعددنا
لما هو غير متوقع؟
قلقي الشعري مثل العقعق في سماء الليل،
يحوم ثلاث دورات، لكنه يظل غير قادر
على الاستقرار على فرع واحد.
يمكن العثور على القيادة القوية والشَجاعةِ العسكرية التي ظهرت في محكمة “سونغ”
في سطور كتبتها امرأة.
مسؤولي المحكمة الهاربين من الجنوب
لم يكن بينهم “وانغ داو”
(الذي وبخ أولئك الذين فقدوا الأمل في استعادة الشمال).

عن عالم الثقافة

ناصر أبو عون - رئيس تحرير جريدة عالم الثقافة

شاهد أيضاً

العلاقات الدولية عند أنطونيو غرامشي في قبضة الهيمنة الثقافية

روبرت كوكس | قسم العلوم السياسية في جامعة يورك، تورنتو، كندا ترجمة: د. زهير الخويلدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: