الاغتراب والضياع في ديوان قدسيّ الهوى للشاعرة خولة أحمد إمام

د. روز اليوسف شعبان

قدسيّ الهوى ديوان شعريّ للشاعرة خولة أحمد إمام، صدر عام 2021 في مطبعة دار الياحور للنشر والتوزيع، القدس، ويتكوّن الديوان من خمسين نصًّا شعريًّا، جاءت في 157 صفحة.
تطرّقت الشاعرة في ديوانها إلى عدّة مواضيع منها: القدس، الاغتراب، القهر ومعاناة الشعب الفلسطينيّ، الضياع، المنفى، حلم العودة، فقدان الثقة بالعرب والأمل بتغيّر الأحوال إلى الأفضل.
على أنّ الثيمة البارزة في الديوان هي ثيمة الاغتراب والضياع. وقد عبّرت الشاعرة عنها في عدّة قصائد مثل: “بلا عنوان”، “هذيان حرف”، “قدسيّ الهوى”، “جذور”، “بقايا ذكريات”، “علامات فارقة”، “تمتمات حرف”، “ماذا لو”، “على جناح فراشة”، “على ربوة الحلم.”
في جميع النصوص المذكورة أعلاه تكرّرت ثيمة الضياع والاغتراب، ولعلّ من الضرورة بمكان، توضيح مصطلح الاغتراب.
معنى الاغتراب في العصر الحديث لا يختلف عن معناه في العصور القديمة؛ إذ يشير الشقيرات إلى أنّ مفهوم الاغتراب حديثًا يحتوي على عدّة مضامين منها: الاغتراب بمعنى الانفصال: يبرز هذا المضمون في كتابات هيجل تبعًا لمفهومه للكَوْن بأنّه مكوَّن من أجزاء منفصلة ومتناقضة ومتفاعلة، وهي متكاملة في الوقت نفسه.
– الاغتراب بمعنى الانتقال: ورد هذا المضمون في البحوث التاريخيّة الإنجليزيّة، حيث كان يُقصد به نَبْذ حقوق الملكيّة المتعلّقة بأحد الأفراد، أو مصادرتها، أو نقلها من ذلك الفرد إلى شخص آخر.
– انعدام القدرة والسلطة: برز هذا المضمون في نظرة ماركس لمفهوم “الاغتراب”، وقد لوحظ أنّ معنى “العجز” (Powerlessness) وعدم القدرة أو الاستطاعة هو أكثر المعاني تكرارًا في البحوث المعنيّة بموضوع الاغتراب.
– انعدام المغزى: يعني ضياع المغزى عند الفرد؛ إذ يتطلّع الفرد إلى تحقيق غاية ملموسة.
– تلاشي المعايير: يُقصد بهذا التلاشي أنّ المجتمع الذي بلغ هذه المرحلة يفتقر إلى المعايير الاجتماعيّة المطلوبة لضبط سلوك الأفراد، أو أنّ معاييره التي كانت تتمتّع باحترام أعضائه لم تعُد تستأثر بذلك الاهتمام والاحترام، الأمر الذي يفقدها السيطرة على السلوك.
– العزلة: أكثر ما يُستخدم هذا المصطلح ضمن مفهوم “الاغتراب” في وصف وتحليل دور المفكّر أو المثقّف الذي يغلب عليه الشعور بالتجرّد وعدم الاندماج النفسانيّ والفكريّ مع المقاييس الشعبيّة في المجتمع. (الشقيرات، 1987، ص. 13-14)..)
إنّ الإنسان، كما يراه وطفة (1998)، هو كينونة جوهرها العقل والحريّة والعمل والانتماء، وكلّ ما من شأنه أن يمسّ هذه الأبعاد الأساسيّة لجوهر الشخصيّة بضرر ما فهو يدفع الشخصيّة إلى حالة اغتراب واستلاب. الاغتراب في حدود ما ينظر إليه وطفة هو الوضعيّة التي ينال فيها القهر والتسلُّط والعبوديّة من جوهر الإنسان، وهو الحالة التي تتعرّض فيها إرادة الإنسان أو عقله إلى الاغتصاب والقهر والاعتداء والتشويه.. ( وطفة، 1998، ص. 241-281).
في نص” بلا عنوان”، تعبّر الشاعرة عن ضياع الطيور التي ترمز إلى ضياع الانسان، ثمّ تتحدّث عن نفسها التائهة بلا بوصلة” على نافذة الغيوم اليتيمة في لوحة الغياب دوّنت تواقيعها الطيور ومضت أسرابًا في سحيق الاغتراب” ص 7 ” ومضيت بلا بوصلة كنورس اعتاد ارتياد شواطئ العمر في حلّة الترحال”. ص 8. وفي نص “هذيان حرف” تتحدّث عن الاغتراب وما يسببه من ألم وقهر:

” أه لو كان بإمكاني أن أمسح دمعة مغترب،
أه لو كان بإمكاني أن أهدي باقات الفرح لحديقة عمر منسيّ
لباب الدار المنتحب مذ غادر عنه الأحباب”. ص 15.
وفي نصّ” قدسيّ الهوى” يؤرّق الشاعرة صمت العرب وتجاهلهم لقضيّة شعبها فتشعر باغتراب تجاههم وابتعادهم عنها”
ضاعت فلسطين وتلتها الشام وعراق ضاعت
مسرانا يبكي في أسره..”ص 27.
ثم تستشهد بما غنته فيروز ” ما عاد يقال” أجراس العودة فلتقرع” والأقصى ما عاد العنوان، ثمّ تحاطب درويش قائلة له: “درويش لا تحلم بالأوطان فلقد ضاع الإنسان 28. وفي نصّ “جذور”، تتحدّث الشاعرة عن اقتلاع الفلسطيني من جذوره ووطنه، واغترابه في العيش في المخيّم والوعود الكاذبة بالعودة إلى الوطن:” قالوا ستعود غدًا والوعد ما زال يراودني كنور شمعة تخبو في الظلام”. ص 58. وفي قصيدة ” بقايا ذكريات” تختصر قصّة وتاريخ الشعب الفلسطينيّ في سرديّة مؤثّرة، فتصف كيف كان يعيش في هدوء وسكينة، يلتصق بالأرض بزعترها وزيتها وخبز طابونها، عودة الأب من الحقل، ثوب الجدّة المهترئ، الجد الذي لم يعد ومفتاح البيت الذي يسلّمه الأب لابنه ويوصيه حين يعود بزيارة البيت وقراءة الفاتحة وبعض السور عن روح والده:

” هذا مفتاح بيتي يا ولدي
أمانة لديك إن متُّ أن تبقيه لديك
وإن عدتَ يومًا إلى حيّنا
أن تفتح بيتي تصلّي الفجر
وتقرأ لروحي الفاتحة وبعض السور”. ص 68.
وفي قصيدة ” علامات فارقة” تتحدّث الشاعرة أيضًا عن الضياع والاغتراب:” في أرضي أنا منسيٌّ كنصّ ما له عنوان”. ص 76. وتعبّر الشاعرة عن هذا الضياع بقولها:” أنا من يبحث عن علامة فارقة ترشدني أني بخير أنني ما زلت حيًّا أم غدا هذا محال؟”.ص 78.
في نصّها “تمتمات حرف” تذكر أيضًا الخوف والضياع:

” أخاف أن أتوه
أن تظلّ مراكبي من بعيد للحلم الندى
رغم أنّات المدى.
من للأقحوان إذا بكى من غربة الوجد السليب؟
من للسنابل إذا اكتوت من عصف القهر المغير على الوجيب؟ “. ص 80.
وفي نصّ “ماذا لو” تذكر ايضًا الضياع وأمنيات ليتها تعود

“ماذا لو غادرت عن أيامنا الثكلى كلّ ألوان الدمار والحصار؟

وهل يا ترى ستعود نجمة وفراشة؟ صرخت أين أنا؟ من أنا؟ إلى متى؟
تلاشت من جفني أسراب السلام”. ص 85.
وفي نصّ” على جناح فراشة” تذكر الضياع فتقول:

” يمّمت صوب شطري المنسيّ في قلب المدينة الغافي
على رصيف التاريخ
في رحلة البحث عني هناك
لم أجدني…
هنا بقايا ذاكرتي”. ص 96.
حتّى المرايا أنكرتني
ما زلت أسأل عني أين أنا؟
لا المكان يعرفني لا الزمان يذكرني أين أنا؟
وجدتني في مدارات الضياع
كنجم يتلاشى كالهباء
حينها أدركت أني بلا هويّة
كطيف بلا أثر
وسط الزحام قد تاه منّي” ص 98-99.
وفي نصّ ” على ربوة الحلم” تقول عن الضياع:

” أهٍ من عمر طواني كما التيّار!
ما زلت أبحث عن شاطئ ترسو عليه حكايتي
ما بين مدٍّ وجزر
أرنو إلى جبال غربتي
متى يا ليل تنجلي؛ يبصر النور جناني؟”. ص 140.
ورغم كلّ هذا الضياع إلّا أن الشاعرة تتمسّك بالأمل فتقول في قصيدة” أين السبيل”:

” لكن في قلبي دليل رغم أطياف الذبول
سيبلغ الطير مداه
وبقيت أردّد والصدى يجيب: لا شيء مستحيل”. ص 125.
كذلك تعبّر عن هذا الأمل في قصيدة” أيا صغيري” فتقول:” لكن يا صغيري ما زال هناك شقّ من أمل وأقاح
لم تملّ من عودة الصباح إلى المقل”. ص 129.
وفي نصّ ” أنا وعد السماء” تقول:

” قناديل الروح تبحث عن منار
قم ما زال عندك الرجاء
امسح دموعك
الحزن المخيّم على الجفون يردّد: أنا الأمل المصلوب ما زلت حيًّا أنا وعد السماء”. ص 22.
الخلاصة:
من خلال هذا الاستعراض لثيمة الضياع والاغتراب نجد أنّ الشاعرة استخدمت في نصوصها لغةً سهلةً واضحةً، وقد جاءت بعض نصوصها تقريريّة إنشائيّة وفي بعضها الآخر كانت تعابير مجازيّة شاعريّة. ولعلّ قصيدتها على هامش المدينة ص 55 خير دليل على ذلك فقد حوت القصيدة الكثير من التعابير المجازية والاستعارات مثل:” دون أن يموت الحرف على شفة القصيدة
دون أن أغدو شريدًا عن بلاطك المقدّس يا أميرة
دون أن يأسرني الحزن في قيد أهدابك العريقة
كيف تنبت من كفّ النهار مواسم إشراق وجدول.”
وتبقى القدس هوى الشاعرة وحبّها الأبدي ففي قصيدتها” على هامش المدينة” تخاطبها قائلة لها:” علّميني سيّدتي كيف أضمّد جرح أحلامي السبيّة
علّميني كيف تزهر أناملك عناقيد من زهرك الورديّ. ص 57.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى