مقال

كن قويا

وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم

خالد رمضان| كاتب مصري – صلالة
يقول تعالى: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم” وفي تلك الٱية الكريمة ذكر الله تعالى كلمة قوّة منكّرة، والنكرة تفيد العموم، فليست القوة هنا قاصرة على القوة العسكرية فقط، إنما تمتدّ لتشمل ما وراء ذلك من القوة العلمية، والاقتصادية، والسياسية، والفكرية، والإيمانية.
القوة أهم متلازمات الحياة، فما الحياة إلا ساحة نزال كبرى، من نزلها فارسا مغوارا، صارع شدائدها وأهوالها، حتى عجمت عوده، وشدّت ساعده، أخرجته كميّا من كُماتها، ومحاربا صُلبا جلدا من أبطالها، فسجّل أمجاده في سجلات الزمن ، وكان له قصب السبق بين أبنائها.
يقول زهير بن أبي سلمى:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة
يُضرّس بأنيابٍ ويوطأ بمنسمِ
تلك الحياة لا تعرف الضعفاء، ولا تهوى الجبناء، فالقوة عزّة، والهوان ضعف ومذلّة، فإمّا أن تكون نَسرا محلّقا في سماء العزّة والكرامة، تملك الدنيا ولا تملكك، خارجا عن إرادتها، محطّما أغلالها وقيودها، أو تكون أرنبا غضّا طريّا تهوى حياة الحُفر، تأكل عشبك خائفا مرتجفا، تلتقفك همومك المسعورة بين أنيابها، فتمزقك أشلاء ممزعة تذوب تحت حبات المطر حتى تصبح نسيا منسيّا.
هذه الحياة لفظت هؤلاء الضعفاء البُلهاء الأغبياء، وفتحت ذراعيها للعظماء النجباء، ومن عاشوا فيها أسودا ملوكا على عروشهم هابتها الضباع و الكلاب، جابوا البقاع والأصقاع وطرقوا كل الأبواب، فميّزوا بين الغثّ والثمين، بين اللئيم والحميم، فكم من عدوّ في صورة صديق، وكم من رديّ في صورة حبيب، وكم من حقود في صورة قريب.
إن الذين ترونهم إخوانكم
يَشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا
وقف الشاعر الملقّب بالنابغة الجعدي يلقي رائيته أمام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى وصل إلى قوله:
ولا خير في حقّ إذا لم تكن له
بوادر تحمي صفوه أن يُكدّرا
فسُرّ النبي (ص) لهذا البيت أيّما سرور، فقال له: “لا يفضض الله فاك”، ويقول الرواة: فعاش مئة وعشرين سنة لم تسقط له سن، وكان رضي الله عنه إذا سقطت له سن نبتت غيرها.
وهذا أبو دجانة حينما أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربط عصابته، وامتطى صهوة جواده، وأخذ يتبختر بين الصفين، فقال المصطفى( ص) : هذه مِشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن.
وهذا أبو مسلم الخولاني يقف أمام تلك النار التي أجّجها له الأسود العنسي، وأعدّها له خِصّيصا ليقذفه فيها، فما كان من الرجل إلا الصمود وثبات النفس والنَفَس، حتى نجاه الله منها.
وهذا صلاح الدين الأيوبي يحمل السيف في سبيل الله وهو في السادسةَ عشرةَ من عمره، ويجاهد مع عمّه أسد الدين شريكوه، حتى حرّر بيت المقدس وهو في السابعة والخمسين من عمره.
تأمَّل: إحدى وأربعين سنة من الجهاد لا يكلّ، ولا يملّ حتى حقق مراده.
وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه، حينما حضرته الوفاة فإذا به يقول: ما في جسدي موضع شبر إلا به ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي كما تموت العير، ألا فلا نامت أعين الجبناء.
وها هو نبي الله موسى عليه السلام، حينما ضاقت به الطرق، وانسدّت أمامه كل السُّبل، لم يضعف، ولم ينكس رأسه خوفا وألما، بل وقف كالجبل الأشم وهو يقول: “كلّا إن معي ربي سيهدين” فحدثت المعجزة، ونجّاه الله.
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة أحد حينما تشتت عنه الصحابة، وقف وسيفه في يده، وهو يقول:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
واسمع لهذا المشهد المريب، هذا صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى سفينةَ. سفينةُ هذا ضل طريقه في البحر، فنزل على جزيرة موحشة، فإذا بأسد شرس يظهر أمامه.
فماذا فعل سفينة؟ هل فرّ مهرولا لينجوَ منه؟ هل صرخ بأعلى صوته؟ لا هذا، ولا ذاك، بل نظر للأسد في ثقة وقال له: يا أبا الحارث، أنا سفينة صاحب رسول الله- صلى الله عليه وسلم – فإذا بالأسد يستدير وينصرف عنه في هدوء، بل كان يسير أمامه يدلّه عل الطريق.
إننا حينما نتحدّث عن القوة إنما نعني القوة بكل صورها وأشكالها، فتحلّ بها، وعلّمها أبناءك وطلابك، حتى يشبّوا أبطالا عظماء، لا يهابون الحياة، ولا يستسلمون لنكبات الزمن، أو ضربات الحياة.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف” ويقول الإمام الشافعي:
ولا تُرِ للأعداء قطّ ذلّا
فإن شماتة الأعداء داءُ
وكن رجلا على الأهوال صُلْبا
وشيمتك السماحة والوفاء
فداوِ جراحك، وكفكف دموعك، ولا تظهر ضعفك وهوانَك، فيشمت بك الشامتون، ويقتنصك المتربّصون، فتبوء بالهوان بعد العزة، والخذلان بعد القوة. وعليك مواجهة الحياة بحلوها، ومرّها، فلا تنهزم نفسيّا، ولا تلقِ بنفسك في شباكها الخانقة، ولا تجثُ تحت أقدام اليأس والقنوط، فتكون ممن لا تسمع لهم ركزا، ولا ممن يحسنون فعلا أو قولا.
وفي الأخير نتمثل قول الشاعر:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا
ولكن في وجوهنا تقطر الدما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى