وانطفأ جسد أبي نوار.. رحيل صاحب رماد الفجيعة

د. محسن الموسوي

    قد لا يتذكر ممن كتب عن الراحل الشاعر المبدع أبي نوار، سامي مهدي، ديوانه الأول بعنوان (رماد الفجيعة). لكني أبتدئ منه في رثاء شاعر تفخر به ساحة الأدب، لأنه بدأ بما يشغل جيله من (رماد الفجيعة)، ولأن العنوان تقاطع أيضاً مع (أربعاء الرماد) للشاعر القوي المؤثر في ذلك الجيل، تي. إس. إليوت، الذي ترجمت قصائده مراراً منذ منتصف الخمسينات.

 

كانت بدايات سامي مهدي الشعرية تنهل من الواقع الستيني، بمشكلاته ومحنه وقراءاته وهو جيل عرف بولعه بالقراءة وبتمثل ما يقرأ في الأدب الوجودي وكذلك في أدبيات القصيدة الأوربية التي جاءت متأخرة كثيراً مقارنة بما ورد لاحقاً من أشعار رينيه شار وغيره. كان ذلك جيل (مجلة الكلمة) النجفية التي أدارها الراحل القاص المبتكر موسى كريدي، وشغل عمودها الأساس ومحركها الفعال الراحل حميد المطبعي.

خرج الستينيون من (الكلمة)؛ بالإضافة إلى صفحات أدبية ذائعة في البدء، منها الصفحة الأدبية التي أدارها بجهد وشغف القاص اللامع عبد الرحمن مجيد الربيعي، مع صفحات أدبية أخرى.

كان مجايلو سامي مهدي قد خرجوا من السجون، وكان القنوط والبحث وكذلك الفرح الطفولي بالنشر والظهور إلى القراء من سمات الحياة الثقافية آنذاك.

وستظهر صفحات أدبية، يحرر واحدة منها سامي مهدي في جريدة صوت العرب حيث عملتُ رئيساً لقسم الترجمة والشؤون الدولية. وله أيضاً بعد حين ركنه الأدبي (جاد)، الذي جاء معاصراً متأخراً للعمود الذائع لألمع الصحفيين العراقيين، الفريد الدكتور جليل العطية، صاحب عمود (جهينة) بينما حرر خالد حبيب الراوي قبل استكمال شهادة الدكتوراة صفحة الأدب في جريدة (العرب)، وحرر فاضل العزاوي قبل إكمال الدكتوراة في ألمانيا الصفحة الأدبية في جريدة (المنار) وقبلها جريدة الثورة العربية. كان فاضل موهبةً فريدة نادرة ومؤثرة في مجايليه، ومنهم سامي مهدي وفوزي كريم، وأقل منهما الراحل الشاعر خالد علي مصطفى، الذي توقف عما راهن عليه الثلاثة في (البيان الشعري لعام 1969)، محاكاة لمجلة جاليري المصرية، وتخصصها في القصة والسرد القصصي.

    كان سامي مهدي فعالاً. ولم يكل ولم يمل من التجريب. وشغف كثيراً بالثقافات الأخرى، وأراد تلقيح القصيدة العراقية بمثل هذه القراءات، وكانت رحلته دؤوبة مضنية دفعته أكثر إلى قصائد (المقطوعات). قلت لم يكل أبداً عن التجريب، وأبدع في أحيان، وشغل مساحة حقيقية داخل الثقافة العراقية.

ولأنه شاعر وله حساسيته الشعرية المفرطة لا ينبغي أن يلام على أمر، لأنه شاعر  وله مسراته وأوجاعه، كما يقول صديقي الراحل المبدع فؤاد التكرلي، في عنوان لواحدة من رواياته. وعندما نتذكر سامي مهدي علينا التوقف عند أبي نوار اللذيذ المبتكر والمبدع، لا عند الهفوات النادرة. وأسأل من يخصه باللوم: هل هناك من يخلو من هفوة هنا أو هناك؟ لماذا لا نتوقف عند (الإيجابي) الذي ينعش فينا الرغبة الأدبية ويوقظ حساسية شعرية؟

    سامي مهدي لم يهادن ولم يتخاذل. وحضر محنة بلاده حتى رحيله. ولم يستسلم لعميل باع وطنه. وأقول، مرة أخرى، ساحة الأدب في العراق لكل العراقيين، وفيها فاعلون حقيقيون، وكان سامي مهدي فاعلاً وخلاّقاً، وله منّي التحية والسلام والمحبة وهوفي رقدته هذه. لقد هجر الحياة دون أن يهجر ضميره.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. مقال رائع يتسم بالموضوعية بعيدا عن التنظير سابق التجهيز في حالات الحديث عن مثل الكبير سامي مهدي
    تحياتي وتقديري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى