سلطة النساء في رواية (طقوس فارسية ـ سووشون) للكاتبة الإيرانية سيمين دانشور

عليّ جبّار عطيّة | كاتب صحفي من العراق
لو أنَّ العالم تديره النساء،فهل تكون هناك حروب؟
هذا التساؤل تطلقه السيدة (زَري خانوم) بطلة رواية (سووشون)، أول رواية نسوية في الأدب الفارسي كتبتها الدكتورة سيمين دانشور (١٩٢١م ـ ٢٠١٢م) التي تقول: (أرغب في أن أكون شاهدةً على العصر، مثلما أُريد أن أُحيل الواقع مثالياً، هذا هو الأدب بنظري).


وقد ظهرت روايتها ( طقوس فارسية ـ سووشون) سنة ١٩٦٩م، وتُعد أحد الأعمال الكلاسيكية العالمية، وترجمت إلى سبع عشرة لغة وقد قامت المترجمة روكسان زند بترجمتها إلى اللغة الانجليزية التي ترجم منها الدكتور علي عبد الأمير صالح الرواية إلى اللغة العربية وصدرت بـ ٣٨٢ صفحة من القطع المتوسط، عن دار المدى سنة ٢٠٢١ م.
( أتعرف ما هو الـ (سووشون ) : زَري تسأل يوسف.
إنَّه طقس حداد. جميع سكان القرية يلاحظونه الليلة) ص٣٤٣ ـ ٣٤٤
والمقصود هو تجسيد واقعة الطف يوم عاشوراء بما يعرف بجنوبي ووسط العراق بـ(التشابيه)،أي تمثيل الواقعة المأساوية في قرية من قرى مدينة شيراز الإيرانية التي تبعد عن طهران بحوالي ٩٣١ كيلو متراً في أربعينيات القرن الماضي حسب أحداث الرواية التي تحكي مسيرة حياة عائلة السيدة زَري خانم التي يصفها الطبيب عبد الله خان (إنَّها مَلِكة وسط النساء) ص ٣٥٦، وزوجها يوسف خان وأولادهم خسرو والتوأمين :مينا ومرجان ، وما يتصل بهم من أقارب مثل أبو القاسم خان، وعمة خانوم، وغيرهم، ومن خلالهم نتعرف إلى عادات وتقاليد الإيرانيين على اختلاف طبقاتهم الاجتماعية، ونلمس الدور المحوري الذي تؤديه المرأة الإيرانية فتاةً وأماً وثوريةً، ولا غرابة في ذلك فالحضارة الفارسية ـ وحسب التنقيبات الآثارية ـ ترى أنَّ المرأة هي منبع الحياة، وأنَّ دورها محوري ورئيس، أما دور الرجل فيبقى ثانوياً ، وهامشياً.
والمرأة في هذه الرواية ليست شخصيةً ذات هموم عادية، بل هي موجودٌ مفكرٌ يطلق تساؤلاتٍ فلسفيةً.
زَري فكرت مع نفسها : (ما حاجة الناس الذي يعيشون مع عددٍ كبير من الأزهار الجميلة إلى الزواج على أية حال) ص ٣٩


تبدأ الرواية بالتحضير لعرس جيلان تاج ابنة الحاكم، لكنَّها تنتهي بطقوس تشييع جنازة يوسف القتيل بالتزامن مع إعادة تمثيل مأساة الطف.
في هذه الرواية التي لها أكثر من راوٍ نجد خيوط الأحداث بيد النساء اللواتي يرسمن مصائرهنّ بأيديهنَّ، وإنْ كانت السلطة ظاهرياً بيد الرجال.
والسلطة حسبما عُرَْفها علماء الاجتماع هي الاستخدام الشرعي للقوة بطريقة مقبولة اجتماعياً، وهي القوة الشرعية التي يمارسها شخص أو مجموعة على الآخرين. ويعد عنصر الشرعية عنصراً مهماً لفكرة السلطة وهو الوسيلة الأساسية التي تتمايز بها السلطة عن مفاهيم القوة الأخرى الأكثر عمومية.
وللسلطة ثلاث سمات هي: الحالة، والمهارات المتخصصة أو المعرفة، والوضع الاجتماعي.
عرَّف عالم الاجتماع والاقتصاد الفيلسوف الألماني ماكس فيبر (١٨٦٤م ـ ١٩٢٠م)، السيطرة (السلطة) على أنَّها الفرصة المتاحة للقادة حتى تخضع لهم مجموعة معينة من الناس، والسلطة الشرعية هي تلك التي يرى الحاكم والمحكوم أنّها مشروعة ومبررة.
يقسم ماكس فيبر السلطة الشرعية إلى ثلاثة أنواع هي: السلطة العقلية القانونية : وهي هذا النوع من السلطة الذي يعتمد على شرعية القواعد الرسمية والقوانين المعمول بها في الدولة وعادةً ما تكون شديدة التعقيد، كما تكون قوة السلطة العقلية القانونية منصوصاً عليها في الدستور. تعتمد المجتمعات الحديثة على السلطة القانونية العقلية.
النوع الثاني من السلطة هو السلطة التقليدية, وهي مستمدة من العادات والتقاليد الراسخة والهياكل الاجتماعية.
النوع الثالث من السلطة : السلطة الكاريزماتية. وهنا تلعب شخصية الفرد أو القائد دوراً مهماً ، فالسلطة الكاريزماتية هي السلطة المستمدة من (الموهبة) أو عندما يدَّعي القائد أنَّه يستمد سلطته من قوةٍ عليا (مثال: قوانين أو حقوق إلهية أو طبيعية) أو (إلهام) يفوق صلاحية السلطة التقليدية والسلطة العقلية القانونية.
ويقول فيبر بأنَّ ما يميز السلطة عن القسر والإجبار والقوة من جانب، والقيادة والإقناع والتأثير من جانب آخر هو الشرعية.
في هذه الرواية نجد السلطات الثلاث التي ذكرها ماكس فيبر بارزةً في العلاقات المتشابكة بين السلطة الحاكمة، والاحتلال البريطاني، والتقاليد والعادات الإيرانية، والموروث الشعبي
ونتابع حركةً مسلحةً مناهضةً للوجود البريطاني في جنوب إيران مع أنَّ الصدامات غالباً ما تنتهي بغير صالح الثوار، لكنَّ سلطة النساء هي الأقوى تأثيراً.
تختلط الميثولوجيا بالأحلام، وبالخيال فتلجأ زَري إزاء إلحاح ابنتها مينا على الإمساك بالنجوم إلى أن تجلب لها النجوم في فراشها، وحين تملأ الغيوم السماء تطالبها ابنتها أن تكنس السماء لتظهر النجوم ثانيةً، ولكي لا تختفي النجوم تقوم زَري بجمعها مع القمر وتضعها في كيس، وتخيطه، وتضعه في خزانة وتغلق بابها إلا أنً مينا وشقيقتها تسرقان المفاتيح، ولو لم تكن المفاتيح بحوزتهما لما غمض لهما جفن !
كأنَّما تريد الكاتبة أن تذكِّر القارىء بأنَّه يقرأ روايةً لا كتاب تاريخ !
يحتل الحب مساحةً واسعةً في الرواية سواءً بعددٍ من العلاقات العاطفية بين الإنسان والكائنات الحية كالأفعى والحصان،أو بين الإنسان والموجودات البعيدة كالنجوم .
يقول يوسف لابنه خسرو حين يسأله عن سر حبه الشديد للمُهر سَحَر : (لا شيء خاطئاً فيما يتعلق بالحب، يا بني الحب ينير القلب مثلما يسوّده الحقد والبغضاء.
تعلم أن تحب الآن، وبعدها حين تكبر ستكون مستعداً لأن تحب ما هو صالح وجميل في العالم.
القلب كالحديقة المليئة بالأزهار التي ما تزال في براعمها إذا ما سقيتها بالماء سوف تتفتح، إذا ما غذيتها بالبغضاء سوف تذبل) ص٤١
تتعرض الكاتبة إلى الدور الذي تؤديه المرأة في الحياة والمهمات الكبيرة التي تجعلها في الصدارة
تقول :(ليت العالم تديره النساء، فكرت زَري، نساء أنجبن ودللن الأطفال الذين تخلقوا في أحشائهنَّ. نساء يقيّمن الصبر، التحمل، الكدح اليومي، نساء يعرفن ماذا يعني ألا يعمل المرء شيئاً لنفسه. ربما يخاطر الرجال بكل شيء من أجل أن يحسوا كما لو أنَّهم خلقوا شيئاً ما لأنَّهم في الواقع عاجزون عن خلق الحياة.
لو أنَّ العالم تديره النساء، تساءلت زَري، فهل ستكون هناك حروب، مهما كان نوعها؟ وإذا فقد المرء النِعم التي يملكها ماذا سيحصل إذنْ؟) ص٢٤٦.
في هذه القرية يكافح الفلاحون من أجل البقاء على قيد الحياة، و يؤمنون بأنَّ (ما يحصده الفلاح يعود إليه حتى إذا لم تكن الأرض عائدة إليه) ص ٣٤
تتنوع الشخصيات في أحداث الرواية فتجد الإنكليزي والإيرلندي والهندي بلغتهم، كما تجد رجل الدين والسياسي، والثائر، والانتهازي، والمجنون، والشاعر.
يخاطب العسكري مكماهون الإيرلندي يوسف خان بقوله : (نحنُ أقرباء أليس كذلك.. إيران وإيرلندا كلا البلدين يعود للآريين، أنتم الأسلاف ونحنُ الأحفاد.. إنَّك تقول :إنَّ أناس مدينتك يولدون شعراء، حسناً. الإيرلنديون هم كذلك أيضاً) ص ٢١ ـ ٢٤
برغم كثرة الشخصيات، والأحداث، والتفاصيل إلا أنَّ الكاتبة طعمَّت الرواية بتأملات، ووقفات حكمية.
يقول الطبيب عبد الله خان : ( لا أعرف أين قرأت أنَّ العالم أشبه بغرفةٍ مظلمةٍ ندخلها معصوبي العيون، أحدنا قد تكون عيناه مفتوحتين أو قد يحاول آخرون بصعوبة أن يفتحوها ربما حتى يشاء القدر أن أحد الأشخاص يجب أن يمسه شعاع من النور من الأعلى كي يرى ويفهم كل شيء بلحظة) ص٣٥٥
يتوصل عبد الله خان وهو في آخر العمر إلى هذه النتيجة : ( في هذا العالم، كل شيء بيديّ المرء، الجنون، الخوف، وحتى الحب. يستطيع الإنسان إذا أراد ذلك أن يحرك الجبال، يجفف المياه، يحدث الدمار في كل مكان.
حياة الإنسان ما هي إلا تاريخ بأحداث وفق تسلسلها الزمني قد يكون أي نوع من التاريخ حلواً، تاريخاً مراً، تاريخاً قبيحاً أو تاريخاً بطولياً.
الجسم البشري جسم هش إنّما لا قوة في هذا العالم يمكنها أن تساوي الطاقة الروحية للإنسان طالما أنَّه يمتلك إرادةً قويةً وبعض الوعي.) ص٣٥٧
*(طقوس فارسية ـ سووشون) للكاتبة سيمين دانشور، ترجمة: الدكتور علي عبد الأمير صالح،
دار المدى، بغداد ٢٠٢١م، عدد صفحات الكتاب ٣٨٢صفحة من القطع المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى