صباح بلا جريدة.. قصة قصيرة

د. فاطمة الزهراء أكاديمية – جامعة حلوان

لم أجد من قبل أية صعوبة في وضع المفتاح في ثقب الباب، لكني اليوم ما عدت أعرف هل يداي هي التي ترتعش، أم إنه المفتاح يرتعش ويأبى علي الدخول، وبعد محاولة وأخرى فتحتُ الباب ودلفتُ متثاقلة الخطى ، ألقيتُ بمجموعة مفاتيحي وحقيبتي السوداء اللامعة على أقرب كرسيٍّ طالته يدى.

قطعتُ إلى حجرته خطوات ثِقال ….. دخلتُ….. مقعده ما يزال هناك في مكانه المعتاد جوار النافذة ، بكسائه القديم المنقوش بزهور عباد الشمس التي زبلت وبهتت بمرور الزمن، غابت الشمس، وراح المساء يسدل أستاره على الكون بينما أفتح ستار النافذة ليدخل قليلٌ من الهواء ، لكن ذرات الهواء تكاتفت مع هموم قلبي وأبت أن تمنحني في البداية نفحة من نسمات المساء ، لكن سرعان ما تسللت نسمة خفيفة إلى داخل الغرفة فرحَّبت بها الجريدة الملقاة على المنضدة المجاورة للمقعد.

 التفتُ إلى الجريدة ووقفتُ أمام الكرسيّْ الموضوع جوار النافذة في نفس مكانه المعتاد حيث انتظر كل يوم إشراقة الشمس وميلاد الصباح ، راحت أناملي تتحسس نقوشه الباهتة، والتي لم تنج من تصاريف الزمن، جلستُ أمام الكرسيِّ عند موضع قدميه ، احتضنت ذلك الهواء الذي يخلو من ساقيه، تذكرتُ إحدى مرات جلوسي عند قدميه مثل الكاتب المصري، أتأبط عروستي “فلة”، وأملأ جيوب فستاني الأحمرعرائس أخرى صغيرة ، وأمسك بيدي قطعة حلوى صلبة ألوك جزءًا منها بين أسناني.

بمجرد أن لمحنى خاطبنى قائلًا:

ــ عما تبحثين فى جريدتى ؟

 لمعتْ عيناه باسمة. شعرتُ بابتسامته تكاد تخترق صفحات جريدته ،من موضعى لم يكن بادياً  سوى مقدمة رأسه اللامع الخالي من الشعر، رحتُ أتصفحُ بعيني عناوين الأخبار الفنية في الصفحة المواجهة بينما أحاول قطم قطعة من حلواى الصلبة. أزاح الجريدة، وقال:

ــ صباح الخير قطتي، ماذا تفعلين ؟

 لقب “قطتي” لاحقنى كظلى منذ طفولتى ؛ بسبب تجوالى في أرجاء المنزل… أتتبعه ، ثم إذا به فجأة يجدني جواره، أو عند قدمه ألعب أو أفعل شيئًا جنونيًا، بادلته الابتسامه وبين أسناني شظايا من الحلوى الحمراء ، سرعان ما ابتلعتها فشعرت بغصة كأني ابتلعت حجرًا. أسرع يزيح الجريدة في قلق وخوف، وراح يربت على ظهري قائلًا:

ــ تناولى حلواك ببطء.

هدأت الغُصَّة في حلقي، وتوقف السعال الذي طالني للحظات ، حملني بين يديه وأجلسني على ساقه اليسرى، وطبع قبلة حانية على خدِّي الأيمن ،وقبلة ثانية على خدِّي الأيسر ،والثالثة زيَّن بها جبيني،تمامًا كما يفعل كل صباح قبل ذهابه إلى عمله ،وإذا غلبني النوم ولم أستيقظ في الصباح ،كان يمطرني بوابل من القبلات بعد عودته في المساء؛ فالإسراع لفتح باب المنزل  فور سماع الجرس كان عادتى ؛ حتى أكون أول من يستقبلها ويقبِّلها من بين إخوتي .

أدركتُ فجأة أن يدي تحتضن الهواء، وأن صاحب الساقين ليس جالسًا، لكن جريدة اليوم الموضوعة على المنضدة عادت بى إلى واقعى المفجع ؛ فقد فتحتها نسمة الهواء لتكشف عن سواد حروفها الداكنة التي تُعلن خبرًا يتشح أعلاه بشريط أسود جاء فيه:”ينعى آل المُغازي فقيدهم المرحوم…”، وهنا تجمع الغمام في عيني، وسرعان ما أطلق سراح أسراه فانهمرت زخاته  لتبلل تلك  الأحرف الداكنة ،وتغسل ذاك السواد المحيط بأحرف كلمة “مرحوم” ، لكنها لم تمحو الأسوار السوداء التى أحاطت بروحي وأطبقت عليها في مَحبَسٍ لا فكاك منه.

حل المساء وبدأ الكون ينشر عباءته السوداء على دنيا الناس، شعرتُ بظلمة الكون تطوِّق روحي، فخارت قواي …. كم تمنيتُ أن أصرخ باسمه بأعلى صوتي ،لكنِّي لم أقو حتى على فعل ذلك وكأن صوتي قد فارق حلقي هو الآخر، نشبتُ أظافري في المقعد  أتشبث به حيث تعترك في قلبي آلاف اللوعات، والتي تسعى حثيثًا مختنقة إلى حلقي، وفجأة توقفت لينطلق صراخي عاليًا؛ أين قبلاتي ؟!!

*********

لم أكتفِ بالجلوس وتأمل صفحات جريدته، بل أصبحتُ بمضيّْ الأيام أنتظرُ حتى ينتهي من قراءتها، أو أخذ أجزاء منها ، كان يضحك، ويقول:

ــ لماذا لا أستطيع أن أهنأ بجريدة كاملة. ثم سرعان ما يضيف :

ــ على أية حال لن تكون الصفحات كاملة دونك.

 لم أعلم آنذاك أن صفحات كتاب عمره تنقضي يومًا بعد يوم مع المرض الذي أصابه، ولم يُحط به خُبرًا إلا بعد سنوات ….. حصلتُ على بطاقة هويتي البلاستيكية، وازداد طولي وبدت نحافتي وتبرمي من قبلاته وأحضانه الدافئة .. لم أدرك كم أحبه .. نعم فقدت حبه ولكنى ما زلت أحبه ، لم أشعر يومًا أنه أقرب إليَّ من تلك اللحظة …. عدتُ وأمسكتُ بصحيفته المعهودة ، عشق كُتَّابها ، وداوم على إخبارى بأنها صرح عريق وراسخ مثل أعجوبة الدنيا في بلدنا ، وقعت عيني مرة أخرى على اسمه، والمسبوق بكلمة “المرحوم”، فشعرت وكأن طعنات باردة تمزق نياط قلبي في بطء ؛فقد رحل وبقيت جريدته الأخيرة.

 في صباح اليوم التالي توجهتُ إلى موزع الصحف، وأخبرتُه ألَّا يُرسل إلينا أية جرائد بعد ذلك ، فقد امتلأت صفحات حياتي  بكلمات سوداء قاتمة يحيطها شريط أسود.

                                                                   تمت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى